ترجمة: أ. أماني أبوالعينين
الجمود هو مجموعة متميزة من الاضطرابات المزاجية والحركية والصوتية والعاطفية، كان يُعتقد سابقًا أنه مجرد مؤشر لاضطرابات ذهانية ومزاجية متنوعة. وقد تم إدراجه الآن في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الطبعة الخامسة ؛ DSM– مثل سمة مصاحبة لاضطراب طيف التوحد. لسوء الحظ، يؤدي نقص الوعي بهذا المرض إلى تشخيص خاطئ أو عدم تشخيصه على الإطلاق. قد يفترض المسؤولون عن رعاية الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والذين يُصابون بالجمود، خطأً، أن الطفل يمارس هذه السلوكيات “عن قصد” وقد أسفرت الزيادة في أبحاث الجمود في سياق اضطراب طيف التوحد عن ظهور تدخلات علاجية واعدة، تعتمد على مستوى شدة الأعراض من المهم ملاحظة أنه إذا لم يتم علاج الحالة بشكل صحيح، فمن المحتمل أن تصبح مزمنة، وسيحدث تفاقم وتدهور في الأعراض.
كيف تبدو حالة الجمود التخشبي لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟
يُشار إلى حالة الجمود في اضطراب طيف التوحد أيضًا باسم “تدهور شبيه بالجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد” أو “الجمود التوحدي” يبدأ الجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل تدريجي؛ إذ يظهر تدهور ملحوظ وواضح في الحركة، والتعبير الصوتي، ونمط الأنشطة، ومهارات العناية الذاتية، والمهارات العملية وبشكل أكثر تحديدًا، يُظهر الأطفال عادةً تباطؤًا في الحركة والتعبير الصوتي، وبطءًا في بدء المهام وإتمامها، وصعوبة في تجاوز العتبات، وزيادة الاعتماد على التوجيه، والخمول، وانعدام الدافعية، وأعراضًا شبيهة بمرض باركنسون مثل فقدان الحركة والتصلب، وانعكاس الليل والنهار، وسلوكيات متكررة و طقوسية، واضطراب/إثارة تبدو بلا هدف .
تحدث حالة الجمود الحركي لدى ذوي اضطراب طيف التوحد عادةً بين سن 15 و20 عامًا، بمتوسط عمر يبلغ حوالي 18 عامًا؛ ومع ذلك، سُجلت بعض الحالات خارج هذا النطاق العمري. تشير الأبحاث التي أجراها العديد من المتخصصين في المجالين الطبي والنفسي إلى ازدياد الوعي بحالات الجمود الحركي لدى الأطفال تشير دراسات محدودة إلى أن الجمود الحركي يصيب ما يقارب 12-18% من المراهقين والشباب ذوي اضطراب طيف التوحد، على الرغم من أن العديد من الباحثين يعتقدون أن هذه النسبة قد
قد تظهر حالة الجمود في اضطراب طيف التوحد على شكل أعراض خفيفة أو متوسطة أو شديدة ، وتتفاوت هذه الأعراض من يوم لآخر في أشد حالاتها، تتأثر استقرارية الجهاز العصبي اللاإرادي، مما قد يؤثر على معدل ضربات القلب، وضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، والهضم، والتمثيل الغذائي (وبالتالي يؤثر على وزن الجسم)، والتبول والتبرز (حيث يُصاب الطفل بسلس البول والبراز)، والتنفس والبلع. كما يُحتمل حدوث شلل تام، مع اعتماد الطفل على الآخرين في جميع مهارات الاعتماد على الذات وأنشطة الحياة اليومية التي كان يتقنها سابقًا. وقد يُصاب الأطفال الذين أظهروا بعض المهارات اللفظية قبل ظهور الجمود بالصمت. ويكون الطفل مُعرضًا لخطر فقدان كمية كبيرة من الوزن والإصابة بالجفاف نتيجة انخفاض تناول الطعام والسوائل. هذه الحالة الشديدة من التدهور الشبيه بالجمود في اضطراب طيف التوحد تستدعي دخول المستشفى، حيث يكون الطفل مُعرضًا لخطر كبير للإصابة بأمراض خطيرة
يُعاني الأطفال المشخصون باضطراب طيف التوحد والذين يُصابون بالجمود المعتدل من محدودية الحركة وتراجع في مهارات النطق واللغة والتواصل، ومهارات الاعتماد على الذات، والقدرة على القيام بأنشطة الحياة اليومية. ويُظهر هؤلاء الأطفال بطئًا شديدًا في القدرة على بدء المهام والاستمرار فيها وإتمامها. وقد يتأثر الجهاز العصبي اللاإرادي بدرجة ما أو لا. أما الحالات الخفيفة فتُشابه الحالات المعتدلة، ولكنها أقل حدة ولا تشمل الجهاز العصبي اللاإرادي .
قد يُظهر الأطفال المشخصون باضطراب طيف التوحد سلوكياتٍ تمهيديةً شبيهةً بالجمود قبل سنواتٍ من تطوره؛ إلا أن هذه السلوكيات عادةً ما تُذكر بعد فوات الأوان. تشمل هذه السلوكيات التمهيدية الخمول الاجتماعي، وبطء الحركة، وبطء البدء والاستجابة. مع أن وجود هذه الخصائص لا يُنبئ بحد ذاته بتشخيصٍ لاحقٍ للجمود، إلا أنها تُعدّ مؤشراتٍ تحذيريةً تستدعي مزيدًا من المراقبة والتقييم المستمر. ولأن تطور الجمود هو تدهورٌ تدريجيٌ لقدرات الطفل ، فمن الأنسب للأطباء المُلمين بالعلامات المبكرة لأعراضٍ شبيهةٍ بالجمود إجراء فحصٍ سريريٍّ شامل. ستساعد هذه الخطوات المبكرة في توجيه التدخل والإحالات المناسبة في أسرع وقتٍ ممكن للحد من احتمالية تفاقم أعراض الجمود يعتبر التقييم الأولي أمرًا بالغ الأهمية لتحديد مدى تأثير التدهور الشبيه بالجمود على الحياة اليومية للفرد، مع الأخذ في الاعتبار التأثير على مجالات مثل الكلام والتواصل، والتنقل، و مهارات المساعدة الذاتية، وأنشطة الحياة اليومية، ومهارات الترفيه، والعمل أو المدرسة).
كيف يتم تشخيص التخشب؟
تتشابه بعض خصائص التخشب واضطراب طيف التوحد في بعض الأعراض، مثل السلوكيات المتكررة، والاعتماد على التلقين، والهياج الذي يبدو بلا هدف، مما قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ أو عدم تشخيص الحالة. ومن العوامل الرئيسية في التشخيص ظهور أعراض جديدة و/أو تغير في نمط الأداء الوظيفي قبل المرض فعلى سبيل المثال، قد يزداد الاعتماد على التلقين بشكل ملحوظ، بينما تنخفض القدرة على إنجاز المهام التي كان الشخص يتقنها سابقًا، مثل ارتداء الملابس أو تناول وجبة طعام في وقت معقول، بشكل ملحوظ. تشمل المكونات الأساسية للتقييم الملاحظة السريرية واستخدام أدوات التقييم المعيارية وغير المعيارية، بما في ذلك أداة بوش فرانسيس لفحص الجمود وهي اختبار فرعي من مقياس بوش، فينك، بتريدس، داولينغ، وفرانسيس للتقييم ، وذلك من قِبل أخصائيين طبيين وأطباء مُلِمّين بمظاهر الجمود في اضطراب طيف التوحد. كما قد يكون “مخطط شاه وويونغ لتقييم الجمود في اضطراب طيف التوحد” مفيدًا في تشخيص الحالة. يجب على الطبيب مراعاة تاريخ المريض بالكامل، بما في ذلك مقابلات الوالدين والمعلمين والأطباء، بالإضافة إلى مقاطع الفيديو والبيانات. تقييم التغيرات في العديد من المجالات المختلفة، مثل فقدان الوزن الناتج عن صعوبات الأكل و/أو الشرب، وحوادث التبول والتبرز، والبطء وغير ذلك من التشوهات في الحركة، وزيادة الاعتماد على التلقين، وانخفاض أو فقدان الكلام، والإثارة الشبيهة بالجمود (حدوث سلوك غير لائق، وسلوك ليس تحت سيطرة الطفل )
قد يُستخدم اختبار “تحدي لورازيبام” لتشخيص التخشب، لا سيما لدى الأطفال الذين يُظهرون الشكل الأكثر حدة t يُعطى الشخص المشتبه بإصابته بالتخشب جرعة من لورازيبام مقدارها 1 أو 2 ملليغرام عن طريق الحقن الوريدي أو العضلي. يُجرى هذا الاختبار عند الاشتباه في تشخيص التخشب تُعدّ الاستجابة الإيجابية للاختبار، والتي تتمثل في زوال جميع أعراض التخشب بسرعة، مؤشرًا قويًا على تشخيص التخشب وبالمثل، يُستخدم زولبيديم، وهو دواء غير بنزوديازيبين، لتشخيص وعلاج التخشب عند عدم الاستجابة لورازيبام .
قد تُسهم حالات طبية أخرى في تطور الجمود، بما في ذلك التهاب الدماغ، وأمراض المناعة الذاتية، والعوامل البيولوجية، والصرع، والتغيرات الهرمونية خلال فترة البلوغ، واستخدام الأدوية المضادة للذهان يجب على المتخصصين في الرعاية الصحية استبعاد الأسباب القابلة للعلاج أولًا عند ظهور أعراض شبيهة بالجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. وعندما يتعذر تحديد سبب طبي كامن قابل للعلاج، يصبح من الضروري اتباع أساليب العلاج والإدارة المناسبة .
كيف يتم علاج حالة الجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟
لا تزال الأدلة الداعمة لعلاجات الجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد محدودة، ولكنها في ازدياد. ويؤكد باحثون، من بينهم آسيا وغروسمان، أن سلوكيات الجمود الحقيقية تكون بلا دافع ولا وظيفة. ومع ذلك، لا يعني هذا أن استراتيجيات التدريس وتقنيات التحفيز القائمة على مبادئ تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لا تُفيد الأطفال ذوي هذه الحالة. يُوصى بإجراء تقييم سلوكي باستخدام أسلوب التقييم الوظيفي (FA)، إلى جانب التقييم الأولي، لتحديد مدى تأثير التدهور الشبيه بالجمود على حياة الطفل اليومية، ومستوى هذا التأثير (خفيف، متوسط، أو شديد). وقد تكون التدخلات الاستباقية، واستراتيجيات التحفيز، والتعزيز عناصر فعالة في العلاج. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يستهدف التعزيز السلوك التكيفي، مثل تقليل الوقت اللازم لإنجاز مهمة ما، أو زيادة الاستخدام المناسب لأدوات المائدة أثناء تناول الطعام يُعد مقياس BFCRS أداة موصى بها لإدراجها كجزء من هذا التقييم تقييم مستوى شدة الجمود حتى يمكن تطبيق الأساليب المناسبة ومسار العلاج
قد يستفيد الأطفال المصابون بالجمود الخفيف إلى المتوسط من النهج النفسي غير الطبي ومبادئ الإدارة التي وصفها شاه ووينغ عام ٢٠٠٦. توفر مبادئ الإدارة استراتيجيات لكل جانب من جوانب الجسم التي قد تتأثر بالجمود، مثل سلس البول، والأكل والشرب والبلع، والكلام والتواصل، والحركة، والإثارة الشبيهة بالجمود. إضافةً إلى “خطة تقييم الجمود في اضطراب طيف التوحد“، وضع شاه ووينغ أيضًا “خطة علاج الجمود في اضطراب طيف التوحد” لجميع مستويات الشدة
تشمل العلاجات الدوائية للجمود التخشبي البنزوديازيبينات، وتحديدًا لورازيبام؛ وهو الخيار الأول للعلاج الدوائي. يُستخدم زولبيديم، وهو دواء غير بنزوديازيبين، عند عدم الاستجابة لورازيبام. قد يحتاج بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد والذين تظهر عليهم أعراض الجمود التخشبي إلى الجمع بين نهج شاه ووينغ ولورازيبام أو زولبيديم
قد يُلجأ إلى العلاج بالصدمات الكهربائية الثنائية (ECT) للأفراد الذين يُظهرون شكلاً أكثر حدة من التدهور الشبيه بالجمود، والذين لا يستجيبون للنهج النفسي ومبادئ الإدارة أو العلاج الدوائي النفسي تشير الأبحاث الحالية إلى فعالية أكبر في تخفيف أعراض الجمود عند استخدام العلاج بالصدمات الكهربائية الثنائية و/أو جرعات عالية من لورازيبام مقارنةً بالأساليب الأخرى، وينبغي أخذ هذا العلاج بعين الاعتبار عند علاج الشكل الحاد من الجمود لدى مرضى اضطراب طيف التوحد، إذ قد يكون هذا الشكل الحاد مميتًا. في بعض الحالات، تستمر أعراض الجمود بعد العلاج. وفي حالات أخرى، لا يستجيب المرضى للعلاج إلا جزئيًا؛ أي تختفي بعض الأعراض وتبقى أخرى، أو تخف الأعراض إلى حد ما، ولكن ليس إلى مستويات ما قبل الجمود. وقد وجدت مراجعة منهجية للتدخلات أجراها دي جونغ وآخرون أن انخفاض وتيرة العلاج بالصدمات الكهربائية الثنائية و/أو جرعات لورازيبام بعد نجاح العلاج الأولي غالبًا ما يؤدي إلى عودة بعض أعراض الجمود. يشير إلى أنه في بعض الحالات قد يكون العلاج بالصدمات الكهربائية الثنائية المستمر أمرًا بالغ الأهمية للحد من تكرار أعراض الجمود
خلصت مراجعة دي يونغ وآخرون إلى أن الأبحاث الحالية واعدة، لكنها أشارت إلى ضرورة توخي الحذر عند تقديم توصيات العلاج. وأكدوا بشدة على الحاجة إلى مزيد من الدراسات القوية والمضبوطة وعالية الجودة لتحديد سلامة وفعالية هذه العلاجات بشكل أدق. ويتفق دوش مع هذا الرأي، مؤكدًا على ضرورة تقييم العلاجات بشكل أوسع مع ازدياد الأبحاث، لكنه يشدد على أن هذه العلاجات هي أفضل التوصيات المتاحة حاليًا، استنادًا إلى الأبحاث السريرية الحالية، لتحقيق نتائج إيجابية.
يُسهم رفع مستوى الوعي باحتمالية تطور تدهور شبيه بالجمود لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، من قِبل القائمين على رعايتهم وتعليمهم، في ضمان التقييم والعلاج المناسبين، أو الإحالة الملائمة، عند ظهور الأعراض. فعند إهمال العلاج أو سوء معاملته، قد يصبح الاضطراب مزمنًا أو يتطور إلى أشد حالاته إن المعرفة التي يكتسبها الآباء، والمتخصصون الطبيون، و المعلمون المتخصصين، والأطباء، وجميع من يعتنون بالأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد ويعملون معهم، من شأنها أن تقلل من احتمالية استمرار بقاء هذه الحالة المُنهكة “خفية رغم وضوحها” (آسبي وغروسمان،).
مراجع
Understanding, Diagnosing, and Treating Catatonia in Individuals with Autism Spectrum Disorders





