الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

صعوبات التعلّم لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ صعوبات التعلّم لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد من القضايا المهمة التي تستحق اهتمامًا علميًا وتربويًا أوسع، نظرًا لخصوصية أنماطهم المعرفية وطرق معالجتهم للمعلومات. فكثير من هؤلاء الأطفال يُظهرون استراتيجيات معرفية لا تتوافق مع المسار النمائي المتوقع، مما يجعل عملية التعلّم لديهم مختلفة عن أقرانهم من ذوي النمو الطبيعي. ورغم ذلك، لا تزال الدراسات التي تتناول التعلّم، والقراءة، ومحو الأمية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أقل مما ينبغي مقارنة بحجم التحديات التي يواجهونها.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم عرض شامل للأدبيات العلمية المتاحة حول التعلّم واللغة والقراءة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، مع تسليط الضوء على العلاقة بين الوظائف التنفيذية والقدرات القرائية، خاصة لدى الأطفال الملتحقين بالمدارس العادية أو الخاصة. كما تسعى إلى توضيح الأسس العصبية والمعرفية التي يقوم عليها التعلّم لدى هذه الفئة، باعتبار أن فهم هذه الأسس يُعد شرطًا ضروريًا لتطوير أساليب تعليمية وتدخلات علاجية فعّالة.

التعلّم من منظور عصبي ومعرفي

رغم أن القدرة على التعلّم تُعد سمة مشتركة بين العديد من الكائنات الحية، إلا أن الإنسان يتميّز بقدرته على نقل المعرفة والتعليم بشكل مقصود ومنظّم. وتشير الدراسات إلى أن صعوبات تعلّم العلاقات الشرطية بين المثيرات والمفاهيم قد تؤدي إلى قيود كبيرة في حياة الفرد، وتحدّ من قدرته على التفاعل الاجتماعي وبناء المعنى.

تلعب عملية التواصل دورًا محوريًا في دمج المثيرات السمعية والبصرية، إذ إن فهم البيئة المحيطة لا يتحقق إلا من خلال التفاعل الاجتماعي وتبادل الخبرات بين الأفراد. ومن هذا المنطلق، فإن التعلّم يُنظر إليه بوصفه نتاجًا لعلاقات حسية واجتماعية متداخلة، وليس مجرد اكتساب معلومات منفصلة.

اللغة والعوامل الاجتماعية والمعرفية في تعلّم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

يتطوّر اكتساب اللغة غالبًا من خلال الخبرات ذات المعنى والمواقف التفاعلية، ويعتمد على سلامة النمو المعرفي والوظائف الفسيولوجية والقدرات اللغوية. غير أن البيئة المحيطة، بما تحمله من دعم أو تحديات، تؤدي دورًا حاسمًا في تشكيل مسار التعلّم لدى الطفل. فاللغة ليست مجرد بنية لغوية، بل هي نظام اجتماعي مشترك يمنح المعنى للعالم من خلال التفاعل مع الآخرين.

بالنسبة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، فإن الصعوبات اللغوية لا ترتبط بالضرورة بالبنية اللغوية نفسها، وإنما تتركز غالبًا في الجانب التداولي للغة، أي في كيفية استخدام اللغة داخل السياق الاجتماعي. وتتفاوت هذه الصعوبات بين غياب شبه تام للتواصل الاجتماعي، وصولًا إلى صعوبات دقيقة في مهارات الحوار والتفاعل. ولهذا، يصبح من الضروري فهم البيئة الخاصة بكل طفل لتقييم تأثير هذه الصعوبات بدقة، وتصميم خطط تدخل فردية تتناسب مع احتياجاته الفعلية.

تشير دراسات حديثة إلى أن إشراك الأسرة في العملية العلاجية يسهم في تحسين النتائج بشكل ملحوظ مقارنة بأساليب التدخل التقليدية الفردية. فالدعم الأسري لا يعزز فقط تطور اللغة، بل ينعكس أيضًا على الصحة النفسية والاجتماعية للطفل.

الصحة الانفعالية ودورها في التعلّم

يرى بعض الباحثين أن الصحة الانفعالية تشكّل العمود الفقري للنمو النفسي والمعرفي، إذ تهيّئ الأساس لتطور اللغة والقدرات الإدراكية، وبالتالي التعلّم الناجح. فمعالجة المعلومات الحسية وبناؤها بطريقة إيجابية، بما يسمح بالتعلّم الإبداعي والفعّال، يعتمد إلى حد كبير على الاستقرار الانفعالي.

وتُظهر الأبحاث أن تحسّن جودة حياة الوالدين ومقدمي الرعاية، وزيادة مشاركتهم في التدخلات العلاجية، له أثر إيجابي مباشر في تطور الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، سواء على المستوى اللغوي أو المعرفي.

الوظائف التنفيذية والتعلّم

تتداخل أعراض اضطراب طيف التوحد في كثير من الأحيان مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مما دفع الباحثين إلى مقارنة الأداء المعرفي بين المجموعتين. وتشمل الوظائف التنفيذية مجموعة من العمليات العقلية الضرورية لتحديد الأهداف وتحقيقها، مثل الذاكرة العاملة، والتحكم التثبيطي، والمرونة المعرفية.

تُعد الذاكرة العاملة ضرورية لاسترجاع المعلومات المخزنة واستخدامها أثناء أداء المهام، في حين يساعد التحكم التثبيطي على منع المثيرات غير ذات الصلة من تعطيل الأداء. وترتبط هذه الوظائف ارتباطًا وثيقًا بالقدرات التواصلية، والاستقلالية، والحياة الاجتماعية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد.

غير أن نتائج الدراسات حول مدى تأثر الوظائف التنفيذية لدى هذه الفئة لا تزال متباينة؛ فبعضها يشير إلى وجود قصور واضح، في حين ترى دراسات أخرى أن مستوى الأداء لا يختلف كثيرًا عن أقرانهم من ذوي الاضطرابات النمائية الأخرى أو حتى ذوي النمو الطبيعي.

تعلّم القراءة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

يكتسب الأطفال ذوو النمو الطبيعي اللغة المنطوقة بصورة تلقائية من خلال التفاعل اليومي، إلا أن تعلّم القراءة والكتابة يُعد عملية معقدة تتطلب تنسيقًا بين عدة عمليات معرفية، أبرزها الربط بين الرموز البصرية والأصوات اللغوية.

تشير الأدبيات إلى أن عددًا كبيرًا من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات في اكتساب مهارات القراءة، لا سيما في جانب الفهم القرائي، حتى وإن كانت لديهم قدرة جيدة على التعرف على الكلمات أو تهجئتها. ويُعزى ذلك إلى ضعف القدرة على دمج المعلومات، وبناء المعنى، وربط النص بالخبرات السابقة، إضافة إلى صعوبات الاستدلال وفهم المعاني الضمنية.

كما تُظهر بعض الدراسات أن الفروق الفردية في المهارات اللغوية، مثل الوعي الصوتي والدلالة والنحو، تسهم في تباين مستوى القراءة بين الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. وفي بعض الحالات، تظهر ظاهرة فرط القراءة، حيث يمتلك الطفل قدرة مبكرة ومتقدمة على فك الرموز المكتوبة، لكنها لا تكون بالضرورة مصحوبة بفهم عميق للنص.

اعتبارات تدخلية في علاج النطق واللغة

يجب أن تركّز التدخلات العلاجية على جميع جوانب اللغة الشفوية والمكتوبة التي يعاني الطفل من قصور فيها، مع الأخذ في الاعتبار القنوات الإدراكية التي يستجيب لها الطفل بشكل أفضل، سواء كانت سمعية أو بصرية أو حركية. ويساعد استخدام الوسائط المتعددة والتكنولوجيا التعليمية في تعزيز التفاعل وزيادة الدافعية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.

وتشير بعض الاتجاهات الحديثة إلى إمكانية تحقيق التعلّم من خلال التعرض المتكرر للمثيرات متعددة الحواس، حتى دون تدخل مباشر مكثف، شريطة أن تكون الخبرات ذات معنى وظيفي وقابلة للتطبيق في الحياة اليومية.

خاتمة

تؤكد الأدبيات أن البيئة الداعمة، ومشاركة الأسرة، وفهم الخصائص المعرفية واللغوية الفردية، تمثل عناصر أساسية في دعم التعلّم لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. وتتمثل الغاية النهائية من التدخلات التعليمية والعلاجية في بناء جسر يربط بين التعلّم والوظيفة العملية، بما يتيح لهؤلاء الأطفال استخدام ما يتعلمونه بصورة فعّالة في حياتهم اليومية.

 

المرجع:

Learning Disabilities in Children with Autism

https://www.researchgate.net/publication/345380545_Learning_Disabilities_in_Children_with_Autism