ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
تظهر نوبات الانهيار (Meltdowns) ونوبات الغضب (Tandrums) بخصائص متشابهة، ويمثل التعامل معهما تحدياً كبيراً؛ ومع ذلك، فإن الأسباب الجذرية لنوبات الغضب تختلف تماماً عن نوبات الانهيار، ومن الضروري إدارتها بناءً على ذلك الاختلاف. ويُعد فهم هذه الفروق أمراً بالغ الأهمية، خاصة للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد ومقدمي الرعاية لهم. يحدد هذا المقال مفهوم نوبات الانهيار ونوبات الغضب، ويصف كيفية اختلافهما، كما يوفر تقنيات التهدئة والموارد اللازمة للحصول على مزيد من المعلومات.
نوبات الغضب مقابل نوبات الانهيار
نوبة الغضب (Tantrum)
تُعد نوبة الغضب انفجاراً عاطفياً له هدف أو وظيفة محددة؛ فهي استجابة سلوكية متعلمة يستخدمها الفرد لتحقيق نتيجة مرغوبة (مثل: التهرب من نشاط معين، أو الحصول على لعبة). تحدث نوبات الغضب بشكل متعمد، ويحافظ الفرد خلالها على سيطرته على جسده وعقله طوال الوقت. وعادةً ما تتوقف هذه الانفجارات فور تحقيق النتيجة المرغوبة، لذا يكون التعافي منها فورياً تقريباً.
نوبة الانهيار (Meltdown)
على النقيض من ذلك، تُعد نوبات الانهيار استجابات لاإرادية ناتجة عن حمل زائد على الجهاز العصبي؛ فهي التعبير الجسدي عن حالة من الفوضى العصبية والبيولوجية الناجمة عن شعور بتهديد للحياة. لا تُعد نوبات الانهيار استجابات سلوكية، وغالباً لا تُستخدم لتحقيق نتيجة محددة. وتكون ردة الفعل هنا لاإرادية ولا يمكن السيطرة عليها مع سيطرة المشاعر المكثفة، حيث يتم تفريغ التوتر المتراكم عبر السلوكيات النمطية (Stimming)، أو الحركات المتكررة، أو الانفصال عن الواقع (Zoning out)، أو الصراخ، أو البكاء، أو الضرب بالقدمين، وغيرها.
بمجرد وصول الفرد إلى هذه الحالة، فإنه لا يستطيع عادةً الاستجابة لإشارات أو تقنيات التهدئة السلوكية المعتادة. وقد تستغرق مدة التعافي من نوبات الانهيار 20 دقيقة أو أكثر بعد إزالة المسبب للتوتر.
الحمل الزائد على الجهاز العصبي و المعالجة الحسية
يمكن أن تؤدي الصعوبات في المعالجة الحسية إلى حدوث حمل زائد على الجهاز العصبي. وتُعد المدخلات الحسية هي الوسيلة الأولى التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا ونفهمه من خلالها؛ حيث تقوم أنظمتنا الحسية (مثل: اللمس، والشم، والسمع، والبصر) بمعالجة هذه المدخلات وترجمتها تلقائياً إلى معلومات ذات معنى. ومع ذلك، يواجه الأفراد ذوو الأجهزة العصبية المتضررة تحديات في كيفية استقبال واستخدام المدخلات الحسية بشكل مختلف.
يتم إدراك المدخلات الحسية وتفسيرها في الجزء السفلي من الدماغ (جذع الدماغ)، حيث يتم تنظيم استجاباتنا البشرية الأساسية (مثل: الغريزة، والبقاء، والاستثارة). ويدرك الدماغ المدخلات الحسية شديدة الاضطراب كتهديد حقيقي للبقاء، مما يؤدي إلى تنشيط استجابة “الكر أو الفر أو التجمد” (Fight, Flight, Freeze).
عند تلك النقطة، تتوقف المعلومات الحسية عن الانتقال إلى أجزاء الدماغ المسؤولة عن المعالجة العاطفية (الجهاز الحوفي) أو الأجزاء التحليلية (القشرة المخية الحديثة)، مما يجعل من الصعب جداً على الفرد التفكير في الموقف الراهن أو تحليله.
نوبات الانهيار واضطراب طيف التوحد
ترتبط العديد من الأعراض الأساسية لـ اضطراب طيف التوحد بالمعالجة الحسية، والتواصل، والتنظيم الانفعالي. وقد تؤدي الاختلافات في وظائف الدماغ وروابط المسارات العصبية إلى جعل الفرد ذوو اضطراب طيف التوحد أكثر عرضة لعدم انتظام المدخلات الحسية.
تقنيات التهدئة والتعافي
تستمر نوبات الانهيار حتى يشعر الفرد بالأمان والهدوء. وقد يمثل التعامل مع هذه النوبات تحدياً كبيراً لجميع المعنيين، لذا فمن الضروري معرفة الإجراءات الواجب اتخاذها عند وقوع مثل هذه المواقف. يمكن أن تؤدي نوبات الانهيار إلى مواقف غير مريحة أو خطيرة إذا استمر المسبب للتوتر ولم تتوفر فترة كافية للتعافي السليم.
بصفتك والداً أو مقدم رعاية، من الضروري أن تتذكر دائماً أن الفرد الذي ترعاه يواجه صعوبة بالغة في التحكم بمشاعره، وأنه قد يتطلع إليك للحصول على الدعم أو المساعدة. حاول التعامل مع كل حادثة فور وقوعها، وتذكر دائماً أن تظل هادئاً وأن تقدم له دعماً فعّالاً وهادفاً.
الحفاظ على التنظيم الذاتي والاستجابة الفعالة
يُعد الحفاظ على هدوئك وتنظيمك الذاتي و يقظتك أمراً ضرورياً لضمان سلامتك وسلامة الفرد الذي يمر بحالة من عدم الانضباط الانفعالي. يجب عليك أن تتواكب مع مستوى طاقة الفرد وتستجيب بسرعة لاحتياجاته، مع ضرورة إدراك الوقت المناسب لطلب المساعدة الإضافية.
ويمكن تبسيط الاستجابة الإيجابية لنوبات الانهيار في ثلاث خطوات أساسية: التنظيم، والربط، والتحليل المنطقي.
الخطوة الأولى: التنظيم (Regulate)
خلال نوبات الانهيار، يسيطر الجزء العاطفي من الدماغ على التصرفات، وقد يصعب على الفرد الاستماع أو الانتباه أثناء مرور بهذه التجربة؛ حيث إن التفسيرات والمنطق قد لا تُفهم بوضوح، بل قد تزيد من حدة الحمل الحسي الزائد. في هذه الحالات، من الأفضل ترك المساحة لـ لفرد لينظم نفسه ذاتياً.
غالباً ما تكون التنظيمات القائمة على الجسد، مثل السلوكيات النمطية (Stimming) أو القفز وغيرها، هادفة وتُستخدم كآليات للتكيف مع الاختلالات الحسية. لذا، استخدم أقل قدر ممكن من الكلمات، وقدم الطمأنينة من خلال أدوات التنظيم الذاتي والتهدئة.
من الضروري جداً البقاء حاضراً مع الفرد الذي ترعاه طوال فترة النوبة. ينصح بعض الممارسين الوالدين بمجاراة الفرد في مستواه؛ فإذا كان يقفز ويصرخ، يمكنك البدء بفعل الشيء نفسه، ففي بعض الأحيان يخلق “لقاؤه حيث هو” اتصالاً أسهل. وفي أحيان أخرى، يكون من الأفضل منحه مساحة للتنظيم الذاتي. كما يُقترح استخدام استراتيجيات الاحتواء لتهدئة نوبات الانهيار، خاصة عندما يكون الآخرون في المكان عرضة للخطر. لا توجد طريقة واحدة ثابتة للتنظيم، ولكن الأهم هو الحفاظ على تنظيمك الذاتي وتوفير حضور متفهم وداعم.
الخطوة الثانية: الربط (Relate)
من المهم بنفس القدر إظهار المحبة وإشراك الفرد الذي ترعاه في موقف داعم يشعر فيه بالأمان. حافظ على احترامه وابقِ في ذهنك أن الفرد الذي يمر بنوبة انهيار قد يواجه صدمة نفسية نتيجة فقدانه السيطرة على نفسه، حيث يمكن أن تكون هذه التجربة محبطة و مسببة للشعور بالخجل.
اترك له مساحة للراحة وامنحه الوقت الكافي ليهدأ ويسترخي. إذا كان التحدث ممكناً، فأخبره بأن الشعور بهذه الطريقة أمر طبيعي وأنه سيزول قريباً. من الضروري أن تكون متعاطفاً، وأن تتفهم مشاعره وتؤكد صحة تجربته، وتتأكد من أنه يعرف أنه ليس وحده. وإذا كان يتقبل التواصل الجسدي، فإن تقنيات اللمس المطمئنة مثل العناق، أو استخدام البطانيات الثقيلة (Weighted blankets)، أو دميته المفضلة، أو سترة مريحة، يمكن أن تخلق بيئة آمنة ومريحة له.
الخطوة الثالثة: التحليل المنطقي (Reason)
عندما يهدأ الفرد لدرجة تسمح له بالتحدث (إذا كان يتواصل لفظياً)، حاول مناقشة ما حدث معه وطمأنته بأنه في أمان. إن العمل على فهم المنطق الكامن وراء ما حدث يمكن أن يساعد الفرد في التنظيم الانفعالي وفهم ذاته بشكل أفضل.
يُرجى ملاحظة أن هذا ليس وقتاً لإلقاء المحاضرات أو اللوم؛ تذكر دائماً أن الشخص الذي يتعافى من نوبة انهيار قد مر للتو بتجربة شعر فيها بتهديد حقيقي لحياته، لذا ساعده على فهم الأسباب التي قد تكون أدت إلى إثارة ردة الفعل تلك.
المرجع:
Meltdowns & Calming Techniques in Autism
https://autism.org/meltdowns-calming-techniques-in-autism/





