ترجمة: أ. جنا الدوسري
أظهرت الأبحاث انتشارًا مرتفعًا لمشكلات الصحة النفسية بين الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، بما في ذلك معدلات عالية من الاكتئاب والقلق ومحاولات الانتحار. يُعد العلاج الوظيفي مهنة ذات جذور في مجال الصحة النفسية، ويقدم تركيزًا فريدًا على الأنشطة اليومية والاحتياجات المهنية للأشخاص لدعم صحتهم النفسية. في هذا المقال التمهيدي، نقدم لمحة عن المقالات التي شملها هذا العدد الخاص من مجلة العلاج الوظيفي الأمريكية، والتي تتناول العلاقة بين التوحد والصحة النفسية، مستخدمين نموذج “الشخص–البيئة–الاحتلال” لفهم هذه الاحتياجات. تقدم هذه المقالات رؤى حول كيفية تأثير التفاعلات بين العوامل الشخصية والبيئية والأنشطة اليومية على الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، وتوضح الطرق التي يمكن من خلالها دعم الصحة النفسية عبر الانخراط في أنشطة ذات مغزى.
تشمل الفرص الممكنة لدعم الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد تعزيز المشاركة في الأنشطة التي يجدون فيها معنى، ودعم نقاط قوتهم الفردية، وتقوية شعورهم بالذات وربط هويتهم بتوحدهم. من المهم إجراء بحوث مستقبلية لاكتشاف وتقييم تدخلات جديدة لدعم العملاء المشخصين بالتوحد، مع مراعاة التواضع الثقافي والمشاركة الفاعلة للمجتمع في تصميم هذه الدراسات. وقد تم استخدام لغة “الهوية أولًا” في هذا المقال تماشيًا مع تفضيلات أعضاء مجتمع التوحد وتوصيات استخدام لغة مضادة للتمييز (Bottema-Beutel et al., 2021)، بينما قرر مؤلفو كل مقال اختيار اللغة الأنسب لموضوعهم الخاص.
يشمل هذا العدد الخاص مقالات مراجعة، ودراسات استكشافية نوعية، والتحقق من صحة أدوات التقييم، وتقديم تدخلات مبتكرة، ما يكشف عن فرص كبيرة لتطوير مجال العلاج الوظيفي، سواء على صعيد البحث العلمي أو تطوير التدخلات والدور السريري لدعم الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد على مدار حياتهم.
الصحة النفسية والرفاهية مهمة لجميع البشر، وقد حظيت هذه الاحتياجات الأساسية باهتمام عام أكبر خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تأثير جائحة كوفيد-19 التي أثرت بشكل مباشر على الصحة الجسدية والوفاة، وتركت أثرًا ملحوظًا على الصحة النفسية عالميًا. أشارت تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الصحة النفسية قد شهد زيادة ملحوظة خلال الجائحة، مع ارتفاع واضح في معدلات الاكتئاب والقلق.
لقد بدأت الأبحاث الحديثة تسلط الضوء على احتياجات الصحة النفسية والرفاهية لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، مؤيدةً التجارب الشخصية والأولويات التي يعبّر عنها المجتمع المشخص بالتوحد (Benevides et al., 2020; Morgan & Donahue, 2020). أظهرت الدراسات ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب ومحاولات الانتحار بين هؤلاء الأشخاص، لكن لا يزال هناك الكثير غير معروف حول احتياجاتهم النفسية. ما الأسباب التي تجعل الأشخاص المصابين بالتوحد أكثر عرضة لهذه التحديات؟ وما هي الوسائل المتاحة لتقليل هذه المخاطر وتعزيز الرفاهية ودعم المشخصين الذين يعانون من مشكلات نفسية مصاحبة؟
لطالما كانت مهنة العلاج الوظيفي ملتزمة بتلبية الاحتياجات النفسية لأفراد المجتمع. يعود تاريخ العلاج الوظيفي في الصحة النفسية إلى القرن الثامن عشر في أوروبا، مع بدء حركة “العلاج الأخلاقي”. ويقدم العلاج الوظيفي تركيزًا مميزًا على الانخراط في الأنشطة اليومية والمشاركة الكاملة في الحياة، وهو ما يساهم في دعم الصحة النفسية للأشخاص الذين يعانون من تحديات أو مشكلات نفسية. يعتمد العلاج الوظيفي على نهج يركز على العميل لدعم أربعة أبعاد رئيسية للصحة، وهي: الصحة النفسية والجسدية وإدارة الأعراض، المنزل والحفاظ على بيئة آمنة ومستقرة، الهدف والانخراط في أنشطة يومية ذات معنى، والمجتمع وبناء العلاقات والشبكات الاجتماعية.
في هذا العدد الخاص بعنوان “العلاج الوظيفي واحتياجات الصحة النفسية للأشخاص المشخصين بالتوحد”، استهدفنا الدراسات التي تتناول العلاقة بين التوحد والصحة النفسية بما له صلة بممارسات العلاج الوظيفي. ويقدم العدد مجموعة متنوعة من الدراسات والمقالات التي تتناول الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، بدءًا من مراجعات الأدبيات والدراسات الاستكشافية النوعية، وصولًا إلى التحقق من صحة أدوات التقييم والتدخلات المبتكرة. وتشمل الموضوعات المتعلقة بالصحة النفسية تأثيرات جائحة كوفيد-19، النهج القائم على نقاط القوة، التكيف البيئي وتعليم الممارسين لدعم الصحة النفسية، معالجة الحساسية الحسية، تجربة الألم الاجتماعي والجسدي، الرعاية الذاتية، وتقديم تدخلات لتعزيز العلاقات الصحية. كما يتيح العدد فرصة لرصد مجالات نمو محتملة لمهنة العلاج الوظيفي، سواء عبر البحث العلمي أو تطوير التدخلات والممارسات السريرية لدعم الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد على مدار حياتهم.
النظر في عوامل الشخص والبيئة والأنشطة لفهم احتياجات الصحة النفسية
يُعد نموذج “الشخص–البيئة–الاحتلال” (PEO) أداة شائعة في العلاج الوظيفي لفهم احتياجات العملاء. يأخذ النموذج في الاعتبار الشخص، بيئته، وأنشطته اليومية، بالإضافة إلى التكامل بين هذه العوامل لتحديد المجالات التي تحتاج إلى دعم وتدخل. على الرغم من أن التحديات النفسية غالبًا ما تُعزى إلى الفرد، إلا أنه من الضروري فهم التأثيرات الخارجية على الشخص وكذلك التفاعلات بين الشخص وبيئته وأنشطته اليومية على مدار حياته. لذلك، يعد نموذج PEO أداة مفيدة للممارسين والباحثين في العلاج الوظيفي عند دراسة احتياجات الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد.
يشمل هذا العدد أمثلة على العوامل الشخصية، مثل التشخيصات المصاحبة، تجارب الألم، المعالجة الحسية، ونقاط القوة؛ والعوامل البيئية، مثل البيئات الاجتماعية والمادية؛ والأنشطة اليومية، مثل الرعاية الذاتية والمشاركة الاجتماعية والعلاقات اليومية، وكيفية تفاعل هذه العوامل الثلاثة لتؤثر على الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد.
تشمل العوامل الشخصية السمات الفردية التي قد تؤثر على الصحة النفسية. على سبيل المثال، تبحث بعض الدراسات في هذا العدد في تجارب الألم الاجتماعي والجسدي وعلاقتها بالصحة النفسية. كما أظهرت دراسة أن اختلافات المعالجة الحسية مرتبطة بمستوى الاكتئاب المبلغ عنه ذاتيًا بين البالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد. من ناحية أخرى، أظهرت مراجعة لأبحاث نقاط القوة لدى المصابين بالتوحد أن التدخلات المبنية على نقاط القوة تسهم في نتائج إيجابية للصحة النفسية، مثل تقليل القلق وزيادة الرفاهية والمرونة النفسية.
هناك أيضًا أمثلة عديدة على أهمية البيئة وكيفية تفاعلها مع العوامل الشخصية والأنشطة عند التعامل مع العملاء المشخصين باضطراب طيف التوحد لفهم تحدياتهم النفسية ودعم رفاهيتهم. يمكن أن تكون البيئة المادية مصدر ضغط أو تهدئة، حسب خصائصها مثل المحفزات الحسية، الضغوط الاجتماعية، ومدى المألوفية. على سبيل المثال، قد تكون المستشفيات بيئات مثيرة للضغط لعدة أسباب، وتبين إحدى الدراسات كيف يمكن تحسين تجربة الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد عند دخول المستشفى عبر تقديم تدريب وموارد لموظفي التمريض.
أما من حيث السياق الاجتماعي، فقد أظهرت دراسة نوعية أن التجارب الاجتماعية خلال جائحة كوفيد-19 ساهمت في دعم أو عرقلة الصحة النفسية للبالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد. كما تعد الأسرة عنصرًا أساسيًا في البيئة الاجتماعية، كما أظهرت دراسة تدخلًا وساطة الأهل للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد الذين يعانون من القلق المصاحب. واستكشفت دراسة أخرى مفهوم “الألم الاجتماعي” وتسليط الضوء على سوء الفهم الذي يمكن أن يحدث بين الأشخاص المشخصين بالتوحد وغير المشخصين في المجتمع، ما يعكس ما وصفه باحثون بأن هناك “مشكلة التعاطف المزدوج” حيث يواجه الطرفان صعوبة في فهم بعضهما البعض.
أخيرًا، يركز ممارسو وباحثو العلاج الوظيفي على المشاركة في الأنشطة اليومية باعتبارها وسيلة قد يواجه من خلالها المصابون بالتوحد تحديات تسهم في تجارب سلبية للصحة النفسية، وفي الوقت نفسه، قد تكون مصدرًا لتعزيز الرفاهية النفسية. على سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أن الانخراط في أنشطة تهم الشخص كان مهدئًا وخافضًا للتوتر، ما ساعد في دعم صحته النفسية. كما ارتبط التعلم على الانخراط في علاقات صحية عبر تدخلات مبتكرة بتقليل الاكتئاب والقلق لدى المشاركين المشخصين باضطراب طيف التوحد.
فرص لدعم الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد
يوفر هذا العدد أيضًا فرصة للتفكير في طرق دعم الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد. تقدم الدراسات إرشادات مثل التكيف البيئي، تعليم المهنيين العاملين مع المشخصين بالتوحد، العمل مع الأسر، وتعزيز الرعاية الذاتية. دعم استراتيجيات التأقلم لدى الأشخاص المشخصين بالتوحد يجب أن يقترن بمساعدتهم على الدفاع عن احتياجاتهم وتقليل الوصمة والتمييز. يمكن للممارسين مساعدة هؤلاء الأشخاص على التعرف على نقاط قوتهم، وتعزيزها، واستخدامها كأدوات في البيئات مثل المدارس وأماكن العمل. من الضروري أن يكون لدى الممارسين وعي بالثقافة العصبية والتواضع الثقافي لتقديم أفضل دعم ممكن لصحة العملاء النفسية وتجنب الأذى.
توضح الدراسات كيف أثر التكيف الاجتماعي خلال جائحة كوفيد-19 على الصحة النفسية للبالغين المشخصين بالتوحد، وما الدروس المستفادة في تقديم خيارات مرنة مثل المشاركة عبر الإنترنت، والتي قد تكون مفيدة مستقبليًا.
يمكن للأبحاث المستقبلية أن تبني على الموضوعات المطروحة في هذا العدد لفهم كيفية تأثير تفاعلات الشخص والبيئة والأنشطة على تعزيز الصحة النفسية للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، مع ضرورة مشاركة المصابين أنفسهم في البحث لضمان احترام وتوافق النتائج مع احتياجات المجتمع. كما ينبغي أن يُستخدم هذا المعرفة لتحسين التعليم المهني وإعداد معالجين وظيفيين مستقبليين مؤهلين لدعم العملاء المشخصين باضطراب طيف التوحد. من خلال البحث المستمر والتعليم والممارسات المحسنة، يمكن لمهنة العلاج الوظيفي أن تقلل من مخاطر التحديات النفسية، وتفهم تجارب الحياة للمشخصين باضطراب طيف التوحد، وتعزز جودة حياتهم على مدار العمر.
المرجع:
Autism and Mental Health: The Role of Occupational Therapy
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10162488/?utm_source=chatgpt.com





