ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُمثّل اللحظات الأولى من اليوم الدراسي مساحة حسّاسة تشكّل مدخل الطفل إلى بقية اليوم، خاصةً عند الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد الذين يتعاملون مع العالم من خلال حساسية عالية للمثيرات، وتفاوت كبير في تنظيمهم الحسي. في كثير من المراكز، يبدأ الصباح بروتين يبدو بسيطًا للوهلة الأولى: وقوف منظم، تحية جماعية، بعض الحركات البسيطة، وأناشيد معتادة يعرفها الجميع. لكن خلف هذا المشهد الهادئ يكمن التحدّي الأكبر لهؤلاء الأطفال؛ إذ يواجهون طوفانًا من الأصوات، الحركات، والتوقعات اللحظية، وكلها قد تضعهم أمام اختبار صعب في التنظيم السلوكي والانتباه.
حين ننظر إلى اضطراب طيف التوحد من زاوية الاستجابة الحسيّة، ندرك سريعًا أن الطفل لا يتهرّب من النشاط، وإنما يحاول حماية نفسه من فيضان من المثيرات التي لا يستطيع تنظيمها أو تصنيفها. بعضهم يتعامل مع الأصوات كأنها موجات حادة تضرب أذنيه، وبعضهم يحتاج إلى مزيد من الحركة كي يشعر بجسده ويثبت توازنه، وبعضهم الآخر ينسحب ببساطة لأن العالم حوله يبدو فوضويًا وغير قابل للتوقع. هذا الفهم هو ما يجعل التهيئة الحسية جزءًا أساسيًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن نشاط جماعي مثل “الصف الصباحي”.
فالمقالة لا تتحدث عن التوحد بوصفه اضطرابًا فقط، بل عن تجربة يومية ملموسة يعيشها الأطفال، وكيف يمكن لأساليب بسيطة ومدروسة أن تمنحهم قدرة أكبر على المشاركة، وبالتالي تعزيز ثقتهم بأنفسهم وبالبيئة المحيطة بهم. فالطفل الذي يبدأ يومه بانسجام أكبر مع جسده وحواسه هو طفل يخطو خطوات أهدأ وأكثر وعيًا خلال بقية يومه.
من هنا تبرز أهمية إعداد البيئة لتكون أكثر رحمة ومرونة. فكرة بسيطة مثل ترتيب أماكن الأطفال بناءً على حاجاتهم الحسّية قادرة على أن تغيّر شكل الصباح كاملًا. الطفل الذي يعاني من حساسية سمعية مرتفعة يمكن أن يقف بعيدًا عن مكبّرات الصوت، بينما الطفل الذي يحتاج إلى محفزات صوتية ليبقى منتبهًا قد يكون مكانه أقرب. بهذا التعديل البسيط، يصبح الصوت أداة تنشيط أو تهدئة، وليس مصدر قلق أو انهيار.
كما أنّ بعض الأطفال يجدون صعوبة في الوقوف في صفوف متقاربة بسبب حساسيتهم اللمسية، لذلك يحتاجون إلى مساحة إضافية تمنحهم قدرًا من الخصوصية الجسدية. توفير مسافة صغيرة إضافية يُشعر الطفل بالأمان ويمنعه من الدخول في حالة مقاومة أو توتر. هذه ليست “رفاهية حسّية”، بل هي خطوة واقعية تُراعي مسار الطفل وتُحسن قدرته على الاندماج.
أما الأطفال الذين يميلون إلى الحركة الزائدة أو الذين يعانون من انخفاض الاستجابة الحسية، فهم غالبًا يحتاجون إلى جرعة من الأنشطة الحركية المنظمة قبل بدء الروتين الصباحي، مثل تمارين بسيطة للتوازن، الضغط العميق، أو حركات مقاومة تساعدهم على تنبيه الجهاز الحسي الحركي. هذه الأنشطة لا تُقدّم على أنها علاج، بل كتهيئة طبيعية تجعل الطفل مستعدًا للمشاركة دون اندفاع أو تشتت.
ويبرز هنا دور الأدوات البصرية، فهي بمثابة لغة صامتة تُخاطب الطفل بطريقة لا تثير قلقه. الصور التي توضّح تسلسل خطوات النشاط، البطاقات التي تُشير إلى بداية ونهاية المهمة، والإشارات المرئية التي تختصر التعليمات—كلها تخلق بيئة يمكن التنبؤ بها، وهو ما يحتاجه الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد أكثر من أي شيء آخر. القدرة على التنبؤ تمنحه راحة نفسية تُترجم إلى سلوك أكثر هدوءًا واستجابة أقوى لمتطلبات النشاط.
ومن بين كل هذه الجوانب، يبدو الجهاز الدهليزي—المسؤول عن التوازن والحركة—الأكثر تأثيرًا في تحسين المشاركة. فعندما يُمنح الطفل فرصة للقيام بحركات بسيطة تُحفّز توازنه، يصبح أكثر قدرة على الاندماج في نشاط يتضمّن الوقوف، التحرك، والتقليد. الطفل الذي يشعر بجسده بشكل واضح يستطيع التحكم فيه، وبالتالي يستطيع تقليد الحركة، اتباع الإيقاع، والتركيز لفترة أطول. إن الشعور بالجسد ليس تفصيلًا، بل هو حجر الأساس في قدرة الطفل على التفاعل.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الممارسات كخطوات معقدة أو مكلفة، بل هي تعديلات بسيطة يمكن لأي معلم أن يُدرجها في يومه. ما يحتاجه المعلم هو الوعي بأن كل طفل يدخل الصف وهو يحمل معه “خريطة حسّية” تختلف عن غيره، وأن التعامل وفق هذه الخريطة هو ما يصنع الفرق بين صباح مضطرب وصباح ناجح. المعلم الذي يتلقى تدريبًا ولو بسيطًا على فهم الاحتياجات الحسية يصبح أكثر مرونة في إدارة الصف، وأكثر قدرة على قراءة سلوك الطفل بشكل صحيح. بدل أن يرى الطفل “غير متعاون”، يبدأ في رؤية السبب خلف السلوك، وبالتالي يستطيع تعديل البيئة بدل تصعيد التوتر.
وهنا يظهر أثر آخر لا يقل أهمية: أن البيئة المتوازنة لا تساعد الطفل وحده، بل تساعد المعلم أيضًا. عندما يعرف كل معلم ما الذي يثير حساسية الطفل وما الذي يساعده على الهدوء، تقلّ حالات الارتباك وردود الفعل اللحظية، ويصبح العمل أقرب إلى الفهم المتبادل بدل الصراع. إن الصف الذي يبدأ بصباح منظّم ومتزن يكون عادةً أكثر هدوءًا طوال اليوم.
من هنا يصبح الصف الصباحي تجربة تعليمية كاملة، ليس لأنه نشاط تقليدي يُعاد كل يوم، بل لأنه مساحة تُختبر فيها قدرة الطفل على التفاعل، التنظيم، الانتظار، التقليد، والتواصل. كل خطوة في هذا الروتين هي فرصة لتعزيز مهارة، وكل تعديل حسّي بسيط هو خطوة نحو عالم أكثر قابلية للفهم بالنسبة للطفل.
ورغم أن الأطفال يستجيبون بطرق متفاوتة، إلا أنّ الفكرة الجوهرية تبقى ثابتة: حين نتعامل مع الطفل على أنه فرد له احتياجات حسّية خاصة، ونمنحه بيئة تحترم هذه الاحتياجات، فإنه يصبح قادرًا على المشاركة بأمان وثقة. قد يستغرق بعض الأطفال وقتًا أطول للتكيف، وقد يحتاج بعضهم إلى خيارات بديلة، لكن الاستمرارية والمرونة تصنعان فارقًا عميقًا على المدى الطويل.
وفي نهاية الأمر، يكمن جمال هذا النهج في بساطته وواقعيته. نحن لا نغيّر العالم من حول الطفل، بل نعيد ترتيب تفاصيل صغيرة فيه بما يتناسب مع طريقته في استقبال العالم. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تُشكّل فارقًا كبيرًا في صباحه، وفي يومه كاملًا، وفي علاقته بمحيطه.
إن بناء بيئة صفّية تراعي حساسيته لا يعني تدليله أو إعفاءه من المشاركة، بل على العكس، هو يمنحه الأدوات التي يحتاجها كي يشارك بفعالية ودون ألم. الأطفال المصابون بالتوحد ليسوا عاجزين عن المشاركة؛ هم فقط يحتاجون جسراً حسّياً يُوصلهم إلى هذه المشاركة. والتهيئة الحسية ليست سوى هذا الجسر.
ومع استمرار الوعي والتدريب، يمكن للمعلمين والأسر أن يفتحوا نافذة جديدة في عالم الطفل، حيث يصبح الصباح بداية مشرقة بدل أن يكون تحديًا مُرهقًا. هكذا، بالتفاصيل الصغيرة والإدراك العميق، يتحول الصف الصباحي من نشاط روتيني إلى مساحة نمو حقيقية تعكس فهمًا حقيقيًا لاحتياجات الطفل وكرامة تجربته اليومية.
المرجع:
Morning line up intervention for improving sensory
integration of students with Autism





