الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

أثر التحليل السلوكي التطبيقي في تنمية المهارات الاجتماعية لدى أطفال اضطراب طيف التوحّد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري 

يُعدّ اضطراب طيف التوحّد من الاضطرابات النمائية ذات الأثر العميق على قدرة الطفل في بناء العلاقات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين، إذ يمسّ جوانب متعددة من النمو تشمل السلوك والتفاعل واللغة. ويُنظر إلى هذا الاضطراب في الأدبيات الحديثة بوصفه حالة عصبية-نمائية ترتبط بصعوبات واضحة في مهارات التواصل الاجتماعي، وتكرار السلوكيات، والميل إلى الأنماط الروتينية الصارمة. وقد لاحظ الباحثون أن ازدياد انتشار التشخيص خلال السنوات الماضية أثار اهتمام المختصين وأسر الأطفال بضرورة البحث عن تدخلات قائمة على الأدلة يمكن أن تُحدث فرقًا ملموسًا في السنوات الأولى من حياة الطفل. كما ازداد الوعي المجتمعي بضرورة التدخل المبكر، خصوصًا أن السنوات الأولى من النمو تُعدّ مرحلة حرجة تتشكل فيها الأساليب الإدراكية واللغوية التي تؤثر لاحقًا على قدرة الطفل في التفاعل والاستقلالية.

خلال العقود الأخيرة، أصبح التحليل السلوكي التطبيقي أحد أكثر الأساليب العلاجية حضورًا وفاعلية في التعامل مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. يستند هذا النهج إلى الأسس السلوكية التي قام عليها عمل سكينر، والقائمة على فكرة أن السلوك الإنساني قابل للتشكيل والتعديل عبر التعزيز وإعادة تشكيل الاستجابات المناسبة. وقد مهّد مشروع لوفاس في جامعة كاليفورنيا الطريق لتبنّي هذا المنهج على نطاق واسع، بعد أن أظهرت نتائجه تحسنًا واضحًا في أداء الأطفال، سواء في مهارات التواصل أو في السلوكيات التكيفية. وبمرور الوقت، أصبحت مبادئ التحليل السلوكي تُطبّق داخل مراكز علاجية ومدارس وبرامج منزلية تعتمد على خطط فردية مفصّلة تُصمّم بناءً على تقييم شامل لحاجات الطفل.

ومع تطور الدراسات، توسّع الاهتمام بفعالية التحليل السلوكي خصوصًا عندما يُطبّق في سن مبكرة داخل بيئة منظّمة تراعي خصائص الطفل وقدراته. وقد أشارت البحوث إلى أن تدخّلات التحليل السلوكي يمكن أن تساعد الأطفال على تطوير تواصل أكثر مرونة، وتقليل السلوكيات التقييدية، وتعزيز مهارات التفاعل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل الدمج المدرسي والاجتماعي أكثر سهولة. وتذهب بعض الدراسات إلى أبعد من ذلك حين تشير إلى أن الأطفال الذين يتلقون تدخلًا سلوكيًا مكثفًا قبل دخول المدرسة قد يطوّرون مهارات تمكّنهم من اللحاق جزئيًا بأقرانهم في المجالات اللغوية والاجتماعية.

ورغم الاختلاف في ظروف البيئات التطبيقية ومستويات التدريب لدى الأخصائيين، تتفق الأدبيات العلمية على أن فعالية التحليل السلوكي ترتبط بعدة شروط رئيسية، من أهمها: البدء المبكر، واتساق الجلسات، ووضوح الأهداف السلوكية، والتعاون المستمر مع الأسرة. وتشير العديد من الدراسات إلى أن الأطفال الذين يحصلون على تدخلات منتظمة خلال سنوات ما قبل المدرسة، يحققون تقدّمًا ملحوظًا في القدرة على التواصل، والتفاعل، واكتساب السلوكيات الاجتماعية الملائمة. كما تؤكد الأدبيات أن المتابعة المنزلية تُعدّ عاملًا حاسمًا في تثبيت السلوكيات المكتسبة داخل الجلسات.

وفي سياق الاهتمام المتزايد بفهم أثر التدخل السلوكي، جاءت هذه الدراسة لتسلّط الضوء على قدرة التحليل السلوكي التطبيقي على تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض اضطراب طيف التوحد خلال سنّ مبكرة. وقد اعتمد الباحثون في تصميم دراستهم على منهج شبه-تجريبي يقارن بين مجموعة خضعت للتدخل السلوكي المنظّم ومجموعة أخرى تلقت الأساليب التقليدية المعمول بها داخل المركز العلاجي. وركّزت الدراسة على قياس التغير في مهارات التواصل والتفاعل والمهارات الاجتماعية الأساسية لدى الأطفال، في محاولة لتحديد ما إذا كان هذا النوع من التدخل قادرًا على تعزيز قدرة الطفل على التفاعل مع أقرانه والبيئة المحيطة به، خاصة أن المهارات الاجتماعية تُعدّ من أكثر المجالات تأثرًا لدى الأطفال ذوي الطيف.

ولكي تكون نتائج الدراسة دقيقة، اعتمد الباحثون في تقييم الأطفال على دليل تقييم المهارات اللغوية والتعلمية، إلى جانب دليل “بورتيدج” المخصّص لقياس مراحل النمو من الولادة وحتى سن الخامسة. وقد ساعد هذان الدليلان على بناء أداة قياس تستند إلى مؤشرات واضحة ومحددة للمهارات الاجتماعية، مثل مهارات المشاركة داخل المجموعة، والتواصل الاجتماعي، والتفاعل مع الأقران، والسلوكيات الملائمة للمواقف المختلفة. ووفّر هذا الدمج بين أدلة القياس قدرة أعلى على تتبّع التحسن السلوكي واللغوي بشكل متوازن وشامل.

وحرص الباحثون على تطبيق إجراءات موضوعية في فرز العيّنة المشاركة، بحيث شملت الأطفال القادرين على اتباع التوجيهات الأساسية، والذين لديهم مستوى لغوي يمكّنهم من استخدام كلمات وجمل بسيطة. كما تم التأكد من تقارب القدرات المعرفية للأطفال لضمان أن يكون الاختلاف في النتائج ناتجًا عن طبيعة التدخل وليس عن عوامل أخرى قد تؤثّر على قدراتهم الاجتماعية. ويساعد هذا النوع من الضبط المنهجي على رفع موثوقية النتائج وتقليل احتمالات التحيّز.

وجرى تقديم التدخل السلوكي داخل بيئة علاجية منظمة يتولّى تنفيذها معالجون خضعوا لتدريب متخصص، لضمان تطبيق الإجراءات بطريقة متسقة. كانت الجلسات تقدَّم بشكل يومي، وفي كل جلسة يعمل المعالج مع الطفل على مجموعة من الأهداف التي تركز على السلوكيات الاجتماعية المطلوبة، مثل البدء بالتواصل، والاستجابة للمبادرات الاجتماعية، وتبادل الأدوار، وطلب المساعدة من الآخرين. وقد سُجّلت هذه السلوكيات باستخدام خطط متابعة يومية تُمكن الباحثين من مقارنة التغيرات بين بداية البرنامج ونهايته، إلى جانب ملاحظات كيفيّة تصف جودة التفاعل وليس مجرد حدوثه.

وبعد فترة من التطبيق المتواصل، أظهرت نتائج الدراسة تفوّقًا واضحًا لدى الأطفال الذين تلقوا العلاج السلوكي مقارنة بالمجموعة الأخرى. فقد ظهرت لدى الأطفال في المجموعة التجريبية بوادر تحسّن في القدرة على التفاعل مع الأقران، والانضمام للأنشطة الاجتماعية، وإظهار استجابات أكثر ملاءمة للمواقف المختلفة. كما أظهرت نتائج القياس اللاحق تقدّمًا ملحوظًا داخل المجموعة نفسها مقارنة بما كانت عليه قبل التدخل، وهو ما يشير إلى أن العلاج السلوكي أحدث تغييرًا فعليًا في سلوكهم الاجتماعي.

وتبرز هذه النتائج أهمية العمل المبكر مع الأطفال في السنوات الأولى، إذ تكون مهارات اللغة والتواصل في طور التشكل، مما يجعل التدخل في هذا العمر أكثر تأثيرًا واستدامة. إضافة إلى ذلك، تؤكد الدراسة أن دمج الأسرة في العملية العلاجية يُعزّز من نتائج التدخل، خاصة أن الطفل يقضي معظم وقته في البيئة المنزلية، مما يجعل الفرص اليومية للتفاعل والتعلم أكثر وفرة وقيمة. كما تسلط الدراسة الضوء على ضرورة تدريب الأسر على استخدام استراتيجيات بسيطة يمكن دمجها داخل الروتين اليومي، مما يدعم تعميم المهارات خارج الإطار العلاجي.

وفي ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يشجّع الباحثون الوالدين والمعالجين على تبنّي برامج سلوكية منهجية تساعد الأطفال على فهم التعزيز الاجتماعي وتنمية قدرتهم على مشاركة الآخرين. كما تؤكد الدراسة أن بناء بيئة علاجية منظمة، مدعومة بأخصائيين مؤهلين، هو مفتاح النجاح في تحسين قدرات الطفل الاجتماعية والتواصلية. وتختتم الدراسة بالإشارة إلى أن اعتماد التدخلات القائمة على الأدلة يُعدّ خطوة أساسية نحو دعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وتمكينهم من تطوير مهارات تجعل حضورهم الاجتماعي أكثر ثقة واستقلالًا.

 

المرجع:

Unlocking Social Growth: The Impact

of Applied Behavior Analysis on

Children with Autism Spectrum

Disorder

https://files.eric.ed.gov/fulltext/EJ1434676.pdf?utm_source=chatgpt.com