ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
العلاج الوظيفي هو فرع من فروع الرعاية الصحية يساعد الأفراد على تطوير المهارات الإدراكية، والحسية، الجسدية اللازمة لإدارة الأنشطة اليومية. وبالنسبة للأطفال، قد يبدأ هذا العلاج من خطوات بسيطة مثل الإمساك بقلم التلوين، ويمتد ليشمل المشي، أو التواصل الاجتماعي باستقلالية (ملاحظة: يُعنى العلاج الوظيفي بالمهارات الحركية والحسية الممهدة للتواصل وليس إخراج الكلمات النطقية ذاتها). بالنسبة للرضع، فإن “مهنتهم” أو وظيفتهم الأساسية هي مجرد اللعب، والتعلم، والعناية الذاتية، والمشاركة الاجتماعية؛ لأن هذه الأنشطة تشكل البداية لبناء شخصية واثقة. ومن خلال القصص، والألعاب، والأنشطة المختلفة، يسعى أخصائيو العلاج الوظيفي للأطفال إلى تطوير هذه المهارات لديهم.
كما يصاب أولياء الأمور بالارتباك عندما يسمعون بمصطلح “العلاج الوظيفي”؛ فهو لا يرتبط بالوظيفة أو المهنة بمفهومها العملي، بل يرتبط بالمهارات المطلوبة لإنجاز الأنشطة اليومية، أو بعبارة أخرى: هو يغطي احتياجات الطفل، ورغباته، والتوقعات المطلوبة منه لإتمام المهام.
ماذا يمنح أخصائي العلاج الوظيفي للأطفال؟
- المهارات الحركية الدقيقة: إن حركة أصابعنا وأيدينا تؤدي الكثير من المهام؛ لذا تعتمد هذه المهارات على بناء القوة، والبراعة، والقوة العضلية، والإدراك، والتخطيط، والتنسيق لإجراء أصغر الحركات، مثل الكتابة، أو إمساك الأشياء، أو ارتداء الملابس. ويشمل ذلك استخدام المقص، والتأشير على لوحة المفاتيح، وإغلاق الأزرار، وربط الأحذية، والأكل باستخدام الأدوات، واللعب، والإمساك بالقلم، والكتابة أو الرسم.
- التنسيق الحركي الكلي: تحت هذا النوع من العلاج، تُغطى تحركات الجسم بالكامل، والتي تشمل القفز، والركض، واللعب باستخدام أنشطة علاجية قائمة على اللعب. كما يُعالج القوة العضلية الأساسية للقوام، والتنسيق بين جانبي الجسم، والقدرة التخطيطية الحركية (تدريب دماغ الطفل وجسمه على التنسيق معاً)، والتوازن، وإدراك الجسم.
- مهارات الحياة اليومية (ADLs): تشمل هذه المهارات مهام العناية الذاتية العملية واليومية التي قد لا يدرك الوالدان أنها حاسمة بالفعل للأطفال. ويركز هذا المجال الأساسي لأنشطة الحياة اليومية على العناية الذاتية، والتغذية، واستخدام دورة المياه، وتنظيم النوم، وارتداء الملابس.
- مهارات الخط والكتابة: كما يوحي الاسم، يساعد الأخصائي الأطفال عبر العلاج على تشكيل الحروف بشكل صحيح، والتحكم في مقدار الضغط المطبق على القلم، وضعية الجلوس، سرعة الكتابة، وقوة اليد.
- التكامل البصري الحركي: هو التنسيق بين ما يراه الطفل وكيفية استجابة يديه له. وهو يعبر بشكل أكبر عن التآزر بين العين واليد، ويشمل أنشطة مثل التقاط الكرة، والقراءة والكتابة، وحل الألغاز (البازل)، والتتبع البصري.
كيف يساعد العلاج الوظيفي الأطفال الذين يعانون من مشاكل حسية؟
تبدأ المشاكل الحسية لدى الطفل عندما يواجه دماغه صعوبة في استقبال المعلومات الحسية، أو تنظيمها، أو حتى الاستجابة لها. ويصبح هذا الطفل إما فائق الحساسية (يشعر بالارتباك و الإرهاق لكثرة المدخلات الحسية) أو ضعيف الحساسية (يحتاج إلى المزيد والمزيد من المثيرات الحسية). تشير الإحصاءات إلى أن نحو 5% إلى 16% من الأطفال في الهند يتعاملون مع مشاكل معالجة حسية. وعادةً ما ينظم الدماغ المعلومات من خلال اللمس، والسمع، والبصر، والحركة، والإدراك بالجسد.
الأطفال الفائقو الحساسية تكون استجابتهم مفرطة، وقد يصابون بالانزعاج والضيق الشديد من الأضواء الساطعة، أو أصوات الضوضاء العالية، أو إجبارهم على ارتداء ملابس معينة، أو طلب القيام بشيء يقاومونه بالفعل، أو حتى من أطعمة محددة. على الجانب الآخر، يكون الأطفال الضعيفو الحساسية قليلِي الاستجابة؛ حيث يقل ملاحظتهم للألم مقارنة بالأطفال الآخرين، ويسعون باستمرار إلى الحركة، أو الدوران المتكرر، أو الارتطام بالأشياء.
يقدم أخصائيو العلاج الوظيفي المساعدة للأطفال من خلال علاج التكامل الحسي، والذي يشمل:
- أنشطة الجهاز الدهليزي (توازن الحركة): تمارينات مثل الدوران، أو الحركة، أو التأرجح على أسطح غير مستقرة لمساعدة الدماغ على معالجة التوازن والحركة.
- المدخلات الحسية العميقة (إدراك المفاصل والعضلات): وتتضمن تمارين مثل السحب، والدفع، والحمل.
- التجارب اللمسية: تُستخدم ملامس وقوامات مختلفة مثل الماء، والرمال، والعجين لمساعدة الأطفال على تحمُّل الإحساس والتآلف مع الملمس المختلف.
- المدخلات السمعية: تدريبات مخصصة لمساعدة الطفل على الاستجابة للأصوات والتعامل مع الحساسيات السمعية.
- المدخلات الذوقية: أنشطة تهدف إلى مساعدة الطفل على تقبل النكهات و الملمس المختلف للأطعمة.
ما الحالات التي يمكنها الاستفادة من العلاج الوظيفي للأطفال؟
يسهم العلاج الوظيفي للأطفال في مساعدة الطفل وضمان قدرته على ممارسة حياته اليومية باستقلالية.
- اضطراب طيف التوحد: يُعد العلاج الوظيفي أحد أهم العلاجات الأساسية التي تساعد الأطفال المصابين بالتوحد؛ حيث يعمل على دعم التكامل الحسي لديهم، وتطوير روتين يومي مناسب، وتمكينهم من تعلم أساليب العناية الذاتية بشكل مستقل، وتنمية مهارات اللعب للتفاعل السليم في المواقف الاجتماعية، فضلاً عن تعزيز التنسيق الحركي الدقيق.
- اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD): بالنسبة للأطفال الذين يتعايشون مع هذا الاضطراب، يقدم العلاج الوظيفي استراتيجيات مفيدة لزيادة التركيز والتحكم في الدوافع والاندفاعات، وتنظيم المهارات في البيت والمدرسة، والمشاركة الفاعلة في الأنشطة الفصلية، والسيطرة على المشاعر في حالات الإحباط والضغط النفسي.
- التأخر النمائي: عندما يواجه الطفل تأخراً في تحقيق محطات النمو المختلفة، يتيح له العلاج الوظيفي اللحاق بهذه المحطات النمائية، وتطوير مهارات اللعب، وتحقيق الاستقلالية في أداء المهام، وتحسين التنسيق الحركي.
- الشلل الدماغي: في حالات الشلل الدماغي لدى الأطفال، يركز العلاج الوظيفي على التنسيق العضلي، واستخدام الأدوات والأجهزة التكيفية لتسهيل تنفيذ الأنشطة، وتحسين وظائف اليدين، وتمكين الطفل من العناية الذاتية المستقلة.
- اضطراب التناسق النمائي: هو اضطراب يؤثر على قدرة الطفل على تعلم الحركة المنسقة لإنجاز المهام اليومية، ويظهر في صعوبات الكتابة، و القص بالمقص، و ربط أربطة الحذاء، ورمي الكرة والتقاطها، وممارسة الألعاب الرياضية. يساعد العلاج الوظيفي الطفل على اكتساب تناسق أفضل، وتوازن، وثقة أكبر أثناء أداء مهامه اليومية.
- الخدج (الأطفال المبتسرون): قد يواجه هؤلاء الأطفال صعوبات نمائية، و حركية، وحسية نتيجة عدم اكتمال نمو الجهاز العصبي. ومن خلال العلاج الوظيفي، يتلقى الطفل رعاية متخصصة في الضبط الحسي، وتنظيم التوتر العضلي، والتغذية، وتجاوز مشاكل الحركة الدقيقة، وممارسة اللعب المناسب لعمره.
- المتلازمات/الاضطرابات الجينية: تؤثر الاضطرابات والمتلازمات الجينية على النمو البدني والمعرفي والحسي والحركي للطفل. ويمكن للعلاج الوظيفي المساعدة في كافة هذه المجالات، مثل المهارات الحركية الدقيقة، ومهارات العيش المستقل، والتكامل الحسي، والتواصل داخل البيئة المحيطة بما فيها المدرسة، والمنزل، والمجتمع.
- اضطرابات التعلم المحددة (SLD): هي مجموعة من الاضطرابات التي تجعل عملية التعلم صعبة في مرحلة الطفولة، بما في ذلك القراءة، والكتابة، والتهجئة، والرياضيات. وتشمل المجالات التي يتناولها العلاج الوظيفي هنا: الخط والكتابة، والإدراك البصري، والتنسيق الحركي الدقيق، ومشكلات الانتباه.
علامات تدل على أن طفلك قد يكون بحاجة إلى العلاج الوظيفي
المهارات الحركية الدقيقة:
- عدم القدرة على الإمساك بالقلم بشكل صحيح.
- صعوبة التلوين داخل الخطوط أو الإمساك بأقلام التلوين براحة.
- مواجهة صعوبات في استخدام المقص.
- صعوبة صعود الدرج دون الاستعانة بالدرابزين (المقبض) بعد سن الثالثة.
- عدم القدرة على التنسيق والربط بين جانبي الجسم.
المعالجة البصرية:
- صعوبة في استيعاب مفهوم الوقت.
- مستوى فهم واستيعاب القراءة أقل من المتوسط.
- النسيان المتكرر للحروف أو الأرقام.
مهارات الحياة اليومية:
- عدم القدرة على ارتداء الملابس بمفرده.
- الانتقائية الشديدة في الطعام أو الملابس (الانزعاج المفرط من أنواع معينة).
- مواجهة تحديات مستمرة ومتواصلة في التغذية وطريقة الأكل.
- ضعف مهارات النظافة الشخصية مقارنةً بمن هم في سنّه.
- ضعف التواصل البصري (إعادة النظر عينًا لعين).
- عدم الاستجابة عند المناداة باسمه.
- صعوبات في التدريب على استخدام دورة المياه (الحمام).
المهارات الاجتماعية ومهارات اللعب:
- قصر مدة الانتباه والتركيز.
- الانخراط في اللعب التكراري لفترات طويلة.
- الاعتماد على شخص بالغ في معظم أموره.
- رفض اللعب مع إخوته أو أقرانه.
- صعوبة الانضمام أو مجاراة الأطفال الآخرين أثناء اللعب.
- تأخر مهارات الكلام والنطق واللغة.
- التركيز الحصري على نقطة واحدة أو شيء واحد فقط.
- عدم القدرة على التكيف مع البيئات الجديدة أو غير المألوفة.
المهارات الحسية (والحركية الفموية):
- سيلان اللعاب الشديد أو المستمر.
- مضغ الطعام بالأسنان الأمامية بدلاً من استخدام الضروس.
- عدم القدرة على الشرب باستخدام ماصة العصير (المصاصة).
- انسكاب الكثير من الطعام أو الشراب أثناء المضغ أو الشرب، أو حتى أثناء الرضاعة الطبيعية.
ماذا يحدث أثناء تقييم العلاج الوظيفي؟
يبدأ تقييم العلاج الوظيفي (OT) بمحادثة شاملة مع أولياء الأمور، تتناول التاريخ النمائي للطفل، والمخاوف الحالية، وكافة التحديات الملحوظة في المدرسة وكذلك في المنزل.
يقوم أخصائي العلاج الوظيفي للأطفال بإجراء اختبارات لتقييم الوضع الحالي لمهارات الطفل، مثل: المهارات الحركية الدقيقة، والحركية الكلية، والمعالجة الحسية. ويسهم ذلك في فهم حالة الطفل بشكل صحيح ودقيق لتخطيط الخطوات التالية.
الخطوة التالية هي مراجعة نتائج الاختبارات ووضع خارطة طريق علاجية مخصصة للطفل بناءً على أهداف محددة.
كيف يمكن لأولياء الأمور تطبيق العلاج الوظيفي في المنزل؟
- لا تتجاهل روتين التمارين المنزلي: في معظم الحالات، يوصي أخصائي العلاج الوظيفي أولياء الأمور بممارسة بعض التمارين والاستراتيجيات الحسية في المنزل. ويمكن لهذه الجلسات التي تتراوح مدتها بين نصف ساعة إلى ساعة أن تساعد طفلك على التحسن بشكل أسرع بكثير.
- حول الأنشطة اليومية إلى ممارسة تمريضية وتدريبية: دعهم يرتدون قمصانهم بأنفسهم، ويجلبون الماء لأنفسهم، ويغلقون سحّاب (سوستة) حقيبتهم، ويأكلون طعامهم، حتى وإن استغرقوا وقتاً أطول في أداء هذه المهام. فالتدريب العملي يعمل بشكل أفضل بكثير لتطوير المهارات مقارنة بالتمارين المجردة. تنظيف الأسنان، وتمشيط الشعر، وربط الأحذية — قد تبدو هذه التمارين عادية، لكنها تساعدهم على اكتساب الثقة بنفسهم. دعهم يجاهدون ويحاولون قليلاً؛ فهذه هي الطريقة الأفضل لتحسين مهاراتهم أثناء العلاج الوظيفي.
- صمم “نظاماً حسياً” في المنزل: إذا أوصى أخصائي العلاج الوظيفي بتمارين حسية مثل الأرجحة، أو الضغط العميق، أو القفز، أو المضغ، فطبق جزءاً منها في الحياة اليومية: قبل الدراسة، وقبل الوجبات، وقبل النوم، وليس فقط أثناء الجلسة العلاجية.
- حافظ على جدول وروتين منتظمين: يحتاج الأطفال الذين يعانون من مشاكل حسية وانتباهه دائماً إلى روتين منتظم. وسيكون الجدول الزمني البصري (المصور) لفترات الصباح والمساء مفيداً جداً لهم.
- طوّر المهارات الحركية الدقيقة من خلال اللعب، وليس أوراق العمل: أول شيء، أبعدهم عن الهواتف والشاشات، ودعهم ينخرطون في أنشطة بدنية؛ مثل العجن، وتمرير الخرز، وتمزيق الورق، واللعب بالملقط والملاقط الصغيرة، والبناء باستخدام الكتل و المكعبات الصغيرة؛ حيث ستعمل هذه الأنشطة على بناء العضلات اللازمة للكتابة.
- تقبل فوضى الأكل، ومشكلات الملمس، ونوبات الغضب: هذه ليست سوء سلوك من الطفل؛ بل قد تكون ناتجة عن مشكلات حسية. اتّبع تعليمات أخصائي العلاج الوظيفي الخاص بك، ولا تضغط على طفلك بسرعة كبيرة أثناء تعرضه لهذه المثيرات؛ فالضغط على طفلك قد يجعل الأمور تسوء ويطيل فترة العلاج.
- ناقش ملاحظاتك مع أخصائي العلاج الوظيفي للأطفال: أطلِعه على ما ينجح وما لا ينجح في المنزل أو المدرسة. فالعلاج يصبح أكثر فعالية بكثير عندما يتحول إلى حوار وتواصل مستمر.
- كافئ المجهود، وليس النجاح فقط: طفلك يتعامل أيضاً مع تحديات ويحاول جاهداً؛ لذا امنحه مكافأة صغيرة أو أثنِ على جهوده، فهذا سيلهمه لبذل المزيد من الجهد لجذب انتباهك وتشجيعك.
- أشرِك الإخوة والأقارب في العلاج: حوّل التمارين الموصى بها من أخصائي العلاج الوظيفي إلى ألعاب تشمل عائلتك بأكملها (مثل مسارات الموانع للركض، والطبخ معاً، وغسيل الملابس).
- كن مستمراً ومواظباً: الاستمرارية هي المفتاح لكل شيء، حتى في تقدم طفلك. وكلما أشركتهم في الأنشطة بشكل أكبر، أصبحت عادة لديهم وتعلّموها بسرعة أكبر.
الخاتمة
تدور فكرة العلاج الوظيفي للأطفال بالكامل حول إرشاد الطفل وتدريبه على أداء الأنشطة التي تجعله أكثر استقلالية، مثل: الإمساك بالقلم، وارتداء ملابسه بمفرده، واللعب مع الأطفال الآخرين، والشعور بالراحة والاطمئنان في البيئة المحيطة به. ولأن لكل طفل تحدياته وفرادتَه الخاصة، ينبغي أن يحصل كل طفل على خطة علاجية مخصصة تناسب احتياجاته الفريدة.
إن التدخل في مرحلة مبكرة يؤدي دائماً إلى نتائج ممتازة؛ لذا، إذا كان طفلك يظهر أيّاً من العلامات أو الأعراض الموضحة في هذا الدليل، فمن الأفضل استشارة أخصائي متخصص على الفور.
المرجع:
What is Occupational Therapy for Children?
https://cradlehospital.com/what-does-an-occupational-therapist-do-for-children/





