الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

فهم اضطراب طيف التوحد غير المُشخّص لدى الإناث البالغات

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

يُعد اضطراب طيف التوحد، المعروف أيضًا باسم “التوحد”، حالة نمائية عصبية يتم تشخيصها عادة في مرحلة الطفولة المبكرة. ومع ذلك، قد لا يتم تشخيص بعض الأشخاص، وخاصة الإناث اللاتي يُحددن عند الولادة (AFAB)، إلا في مرحلة البلوغ. ويُلاحظ أن الفجوة في التشخيص بين الذكور والإناث ما زالت واسعة، رغم أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن عدد الإناث المشخّصات أقل بكثير من العدد الفعلي.

تشير التقديرات التقليدية إلى أن الذكور أكثر عرضة للتشخيص بأربع مرات مقارنة بالإناث. إلا أن الخبراء بدأوا يدركون أن نسبة كبيرة من الإناث قد يعانين من اضطراب طيف التوحد دون تشخيص، حيث تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن ما يقارب 80% من الإناث المشخّصات باضطراب طيف التوحد لا يتم تشخيصهن قبل سن الثامنة عشرة.

إن الحصول على تشخيص في مرحلة البلوغ قد يكون تجربة مريحة ومهمة لكثير من النساء، إذ يفسر لهن صعوبات طالما عشنها دون تفسير واضح. كما أن التشخيص يفتح المجال للحصول على الدعم والخدمات الصحية اللازمة.

أسباب عدم تشخيص التوحد لدى الإناث

لا يوجد اختبار طبي محدد يمكن من خلاله تشخيص اضطراب طيف التوحد، بل يعتمد المختصون على التاريخ النمائي، وتقييم السلوك، وملاحظة التفاعل الاجتماعي. ولكي يتم التشخيص، يجب وجود دليل على:

  • صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي

  • سلوكيات مقيدة أو متكررة

لكن لدى الإناث، قد لا تكون هذه العلامات واضحة أو سهلة الاكتشاف للأسباب التالية:

1. الاعتقاد التاريخي بأن التوحد حالة ذكورية

لفترة طويلة، كان يُعتقد أن اضطراب طيف التوحد أكثر شيوعًا لدى الذكور. وبناءً على ذلك، ركزت معظم الدراسات على الذكور، مما جعل فهمنا للتوحد قائمًا بشكل كبير على الذكور. نتيجة لذلك، يتم إحالة الذكور للتشخيص بمعدل أعلى بكثير من الإناث.

2. اختلاف مظاهر التوحد لدى الإناث

قد تظهر علامات التوحد لدى الإناث بشكل مختلف مقارنة بالذكور، خاصة في الطفولة. وغالبًا ما تكون هذه العلامات أقل وضوحًا أو لا تتجاوز السلوكيات الاجتماعية المقبولة.

من أبرز الخصائص:

  • صعوبات اجتماعية أقل وضوحًا: قد تكون الإناث أكثر دافعية للتفاعل الاجتماعي وبناء الصداقات.

  • أعراض داخلية: مثل القلق أو الاكتئاب بدلًا من السلوكيات الظاهرة كفرط الحركة أو السلوك العدواني.

  • اهتمامات خاصة تبدو طبيعية: مثل الاهتمام بالمشاهير أو الحيوانات، وهي اهتمامات شائعة بين الأطفال عمومًا.

ومع التقدم في العمر، قد تتغير هذه الصورة، حيث تظهر صعوبات اجتماعية أو تواصلية أكثر وضوحًا في مرحلة المراهقة والبلوغ.

إخفاء الأعراض (التخفي الاجتماعي)

تُظهر الدراسات أن العديد من الإناث المشخّصات باضطراب طيف التوحد ينجحن في إخفاء أو “تخفي” أعراضهن، وهو ما يُعرف بـ”التمويه الاجتماعي”. يحدث ذلك عندما تقوم الفتاة بتقليد السلوكيات الاجتماعية المحيطة بها من أجل الاندماج.

قد تتعلم الإناث كيفية التصرف اجتماعيًا من خلال الملاحظة أو مشاهدة الآخرين أو وسائل الإعلام، مثل تقليد تعابير الوجه أو أساليب الحديث. ورغم أن هذه الاستراتيجيات تساعدهن على الاندماج، إلا أنها تسبب إجهادًا نفسيًا كبيرًا وقلقًا وتعبًا ذهنيًا مستمرًا.

علامات اضطراب طيف التوحد لدى الإناث البالغات

قد تعيش الإناث غير المُشخّصات سنوات طويلة مع شعور بأن هناك شيئًا مختلفًا دون القدرة على تفسيره. وغالبًا ما يحاولن التكيف مع المعايير الاجتماعية رغم استمرار التحديات الداخلية.

1. صعوبات اجتماعية

قد تواجه النساء صعوبة في قراءة الإشارات الاجتماعية أو فهم السياقات الاجتماعية، مما يسبب لهن قلقًا قبل وبعد المواقف الاجتماعية. وغالبًا ما يفضلن التفاعل الفردي على المجموعات، وقد يجدن صعوبة في التواصل البصري رغم محاولاتهن المستمرة.

2. الحساسية الحسية

قد يعاني الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد من حساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأضواء أو الروائح أو اللمس. هذه الحساسية قد تكون شديدة لدرجة تؤدي إلى الانسحاب من المواقف المزعجة. كما قد تؤثر على النوم، مثل الانزعاج من الأصوات البسيطة أو الإضاءة الخفيفة.

3. صعوبات في تنظيم الذات والوظائف التنفيذية

قد يواجهون صعوبة في التنظيم، وإكمال المهام، وإدارة الوقت، خاصة إذا كانت المهام غير ممتعة لهم. كما قد تظهر تحديات في الذاكرة العاملة، والتحكم في الانفعالات، والتكيف مع التغيرات. وقد تؤدي هذه الصعوبات إلى نوبات انفعالية أو شعور بالإرهاق العاطفي.

4. الاهتمامات الشديدة

تميل الإناث إلى تطوير اهتمامات قوية وعميقة في مواضيع معينة، وقد يستمر هذا الاهتمام حتى مرحلة البلوغ. وغالبًا ما تكون هذه الاهتمامات متنوعة أكثر من الذكور.

5. السلوكيات التكرارية

قد يظهر ما يُعرف بـ”السلوكيات التكرارية” أو “السلوك التحفيزي الذاتي”، مثل تكرار الحركات أو الكلمات أو لمس الأشياء بشكل متكرر. ومع البلوغ، قد تصبح هذه السلوكيات أكثر خفاءً مثل لف الشعر .

الحالات المصاحبة

لا يُعد اضطراب طيف التوحد حالة تتدهور مع الوقت، لكنه غالبًا ما يترافق مع اضطرابات أخرى، خاصة عند عدم التشخيص المبكر. وتشمل الحالات المصاحبة:

  • القلق

  • اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)

  • الاكتئاب

  • اضطرابات الأكل

  • اضطراب الوسواس القهري

  • اضطرابات النوم

  • اضطرابات التشنجات العصبية

أهمية التشخيص والدعم

لا يشترط الحصول على تشخيص رسمي للاستفادة من الخدمات المتخصصة، لكن التشخيص قد يساعد في الوصول إلى الدعم العلاجي والخدمات المساندة، إضافة إلى إمكانية الحصول على حقوق ضمن القوانين والتشريعات الخاصة بالإعاقة.

ينصح بمراجعة مقدم الرعاية الصحية الأولية، والذي يمكنه تحويل الحالة إلى مختصين لتقييم أدق. كما يُنصح باللجوء إلى الاستشارات النفسية، خاصة في حال وجود اضطرابات مصاحبة تؤثر على جودة الحياة.

خاتمة

إن فهم اضطراب طيف التوحد لدى الإناث البالغات يمثل خطوة مهمة نحو تقليل حالات عدم التشخيص وتحسين جودة الحياة. فالكثير من الإناث يعشن سنوات طويلة دون تفسير واضح لتجاربهن، ومع تطور الوعي الطبي والنفسي، أصبح من الممكن التعرف على هذه الحالات بشكل أفضل وتقديم الدعم المناسب لها في الوقت المناسب.

المرجع

Understanding undiagnosed autism in adult females https://www.uclahealth.org/news/article/understanding-undiagnosed-autism-adult-females