ترجمة : أ. نوره الدوسري
ينمو الأطفال باستمرار، ويتعلمون و يتأقلمون مع بيئتهم. وأثناء هذه الرحلة النمائية، قد يلاحظ الأهل سلوكيات تبدو مختلفة عن سلوك أقران الطفل، خصوصًا في ما يتعلّق بأمر بسيط ظاهريًا مثل طريقة الجلوس.
قد يجلس بعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد في وضعيات غير مألوفة أو يتحركون باستمرار أثناء الجلوس، أو يبدون غير قادرين على البقاء في مكان واحد لفترة قصيرة. هذه الملاحظات تثير تساؤلات لدى الأهل، مثل: “هل هذا مجرد سلوك مؤقت؟ أم أنه يشير إلى أمر أعمق؟” بل قد يتساءل البعض عمّا إذا كانت أنماط جلوس الطفل علامة على وجود اضطراب طيف التوحد.
ما هو اضطراب طيف التوحد؟
اضطراب طيف التوحد هو حالة عصبية نمائية تؤثر في الطريقة التي يتفاعل بها الفرد مع الآخرين، وكيفية تواصله، وتنظيم مشاعره، واستجابته للمحفّزات الحسيّة. يشير مصطلح “الطيف” إلى التنوّع الكبير في الأعراض وشدّتها؛ فبعض الأطفال يحتاجون إلى دعم كبير في حياتهم اليومية، بينما يتمتع آخرون بدرجة عالية من الاستقلالية، مع وجود بعض الصعوبات الدقيقة في التواصل أو التكيّف.
من الناحية العلمية، يرتبط اضطراب طيف التوحد بأنماط غير نمطية في تطور الدماغ واتصاله الداخلي. فقد أظهرت الأبحاث وجود اختلافات في طريقة تواصل الخلايا العصبية، بالإضافة إلى اختلالات في بعض النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين والـ GABA، وهي مواد كيميائية تؤثر في التفاعل الحركي و الحسي والعاطفي والانتباه.
غالبًا ما يُظهر الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد بعض السمات التالية:
- صعوبات في معالجة المحفّزات الحسيّة (فرط أو نقص استجابة للصوت، الضوء، اللمس، أو الروائح).
- فروقات في التواصل اللفظي وغير اللفظي.
- سلوكيات تكرارية أو اهتمامات محدودة.
- صعوبات في التنسيق الحركي أو التحكم في الوضعية الجسدية.
- تحدّيات في التكيّف مع التغييرات المفاجئة في الروتين أو البيئة.
كل هذه السمات قد تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على طريقة جلوس الطفل.
أنماط الجلوس الشائعة لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد
غالبًا ما تختلف أنماط الجلوس لديهم عن الأطفال النمطيين، نتيجة فروقات في الحسّية العضلية، أو القوة العضلية، أو التنظيم الحركي، أو البحث عن التوازن الجسدي. فيما يلي أبرز هذه السلوكيات:
1. الجلوس بوضعية (W-Sitting)
في هذه الوضعية، يجلس الطفل على الأرض وثني الركبتين بحيث تكون الساقان على جانبي الجسد والقدمين خلفه بشكل يشكّل حرف W. هذه الوضعية شائعة لدى الأطفال ذوي ضعف العضلات أو الفروقات النمائية، ومنهم المشخّصون باضطراب طيف التوحد.
توفر هذه الوضعية قاعدة دعم واسعة تمنح الطفل شعورًا بالثبات، خصوصًا إذا كان يعاني ضعفًا في التوازن أو في عضلات الجذع. لكنها من ناحية أخرى قد تُحدث ضغطًا غير طبيعي على الوركين والركبتين والكاحلين، كما قد تعيق تطور التحكم في الجذع و الوضعية الجيدة على المدى الطويل.
2. الحركة المستمرة أثناء الجلوس
يواجه العديد من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد صعوبة في الجلوس لفترات طويلة دون حركة. فقد يهزون أجسامهم، أو ينقرون بأقدامهم، أو يتأرجحون على الكرسي، أو يتركون مقاعدهم بشكل متكرر. هذه السلوكيات لا تُعد “مشكلات سلوكية” بالمعنى التقليدي، بل غالبًا ما تعبّر عن حاجة عصبية حقيقية للحركة تساعد على التنظيم والتركيز.
3. الجلوس في وضعيات غير اعتيادية
قد يفضل بعض الأطفال الجلوس بوضعيات تبدو غريبة: مثل الجلوس مع الساقين متقاطعتين على الكرسي، أو الركوع للخلف، أو الاتكاء جانبياً، أو حتى الوقوف بدل الجلوس. وغالباً ما تعكس هذه الوضعيات احتياجات حسّية معيّنة أو ضعفاً في الإدراك الجسدي لمكان الجسم في الفراغ (وهو ما يُعرف بالإحساس العميق أو proprioception).
4. صعوبة الجلوس نتيجة فرط الحساسية الحسيّة
قد يشعر بعض الأطفال بانزعاج من ملمس الكرسي، أو نسيج الملابس، أو الأصوات المحيطة. هذه المثيرات الحسيّة قد تكون شديدة الإزعاج، مما يجعل من الصعب عليهم البقاء جالسين في مكان محدد، خصوصًا في البيئات الجديدة أو الصاخبة.
5. تجنّب الجلوس في الأنشطة الجماعية
قد يتجنب بعض الأطفال الجلوس أثناء الأنشطة الاجتماعية أو الصفية بسبب القلق الاجتماعي أو صعوبات في التركيز المشترك مع الآخرين. وغالبًا ما يُفسّر ذلك على أنه سلوك “عدم تعاون”، بينما في الواقع قد يكون استجابة للضغوط النفسية أو الحسية أو الحاجة إلى مساحة شخصية أكبر.
لماذا يجلس الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد بطريقة مختلفة؟
لا يوجد تفسير واحد يشمل جميع الحالات، لكن يمكن تلخيص الأسباب الرئيسة فيما يلي:
1. اختلافات في المعالجة الحسيّة
يعاني العديد منهم من فرط أو نقص في استجابة الجهاز العصبي للمحفّزات الحسيّة.
- الطفل فائق الحساسية قد يجد الجلوس على كرسي صلب أو سماع الأصوات الخلفية أمرًا مزعجًا للغاية.
- بينما الطفل منخفض الحساسية قد لا يشعر بالاستقرار إلا عند الضغط أو الحركة المستمرة، لذا يسعى للحركة كوسيلة للشعور بجسده.
2. صعوبات في التخطيط الحركي والتنسيق
قد يتطلب من الطفل جهدًا ذهنيًا كبيرًا للحفاظ على وضعية جلوس متوازنة أو لتعديل جلسته. الأطفال الذين يعانون ضعفًا في توتر العضلات (hypotonia) يميلون غالبًا إلى الانحناء أو الاتكاء للمحافظة على التوازن.
3. الحاجة للتنظيم الذاتي
تُعدّ الحركة وسيلة طبيعية لدى الكثير من المشخّصين باضطراب طيف التوحد لتهدئة الجهاز العصبي. فالتأرجح أو التململ ليس سلوكًا مزعجًا، بل استراتيجية ذاتية للبقاء في حالة يقظة وتنظيم. إجبار الطفل على الثبات قد يزيد توتره أو يؤدي إلى نوبات غضب.
4. الإرهاق العاطفي والمعرفي
عندما يُواجه الطفل صعوبات في فهم اللغة أو الإشارات الاجتماعية أو التعامل مع بيئة مليئة بالمثيرات، قد يُصبح الجلوس بلا حركة عبئًا إضافيًا على دماغه، فيلجأ إلى الحركة كوسيلة للتخفيف الذاتي أو الانسحاب المؤقت من الموقف.
استراتيجيات دعم الجلوس لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد
الهدف ليس إجبار الطفل على الجلوس مثل أقرانه، بل تهيئة البيئة والدعم ليتعلم الجلوس بطريقة مريحة تُساعده على التفاعل والتعلّم.
1. توفير فترات حركة منظمة
يُفضَّل منح الطفل فرصًا قصيرة للحركة خلال اليوم. فترات “استراحة حسّية” يمكن أن تتضمن القفز، أو التمدد، أو المشي بين الأنشطة. هذه الفواصل تساعد الجهاز العصبي على استعادة التوازن والاستعداد للجلوس مجددًا.
2. استخدام مقاعد مرنة
من المفيد السماح باستخدام وسائل جلوس بديلة مثل الكرات العلاجية أو الوسائد المتحركة أو المقاعد القابلة للتأرجح أو الوسائد الأرضية. هذه الخيارات تُتيح للطفل تلبية حاجته الحركية دون مغادرة المقعد.
3. تقديم أدوات مهدّئة حسّياً
يمكن استخدام وسائد أو أغطية ثقيلة، أو سترات الضغط، أو ملابس ضاغطة للمساعدة على تعزيز الإحساس بالجسد والشعور بالاستقرار أثناء الجلوس. هذه الأدوات تُستخدم بإشراف الأخصائيين، وتكون مفيدة خصوصاً لمن يعانون نقصًا في الحسّ العميق.
4. تقليل المثيرات المزعجة
يجب الانتباه إلى عوامل مثل ملمس الكرسي، أو العلامات في الملابس، أو الأصوات العالية والإضاءة الساطعة. تقليل هذه المحفّزات يجعل الجلوس أكثر راحة.
5. تقوية عضلات الجذع والوعي الجسدي
يساعد العلاج الوظيفي على بناء قوة العضلات المسؤولة عن الجلوس المتوازن. وغالبًا ما تُقدَّم هذه التمارين في شكل ألعاب وأنشطة ممتعة تعزز الثبات والمرونة في آنٍ واحد.
6. تجنّب العقاب أو اللوم على الحركة
من المهم فهم أن التململ أو النهوض ليس عصيانًا، بل وسيلة تواصل. بدلاً من تصحيح السلوك بطريقة سلبية، يمكن تقبله وتوجيهه عبر أنشطة بديلة أو توفير أدوات حسّية تدعم التنظيم الذاتي.
متى يجب طلب الدعم ؟
إذا كان الطفل يرفض الجلوس باستمرار، أو يظهر توترًا واضحًا عند الجلوس، أو يعاني ضعفًا في التوازن أو الوضعية، فمن المهم استشارة الأخصائيين. فبينما يختلف التطور من طفل لآخر، إلا أن استمرار هذه الصعوبات قد يشير إلى حاجة لتقييم أعمق يشمل الجوانب الحركية والحسية والسلوكية.
التدخّل المبكر ضروري. فمعالجة مشكلات الجلوس في المراحل الأولى تساعد على تجنّب تأثيراتها على التعلم، والانخراط في الصف، والثقة بالنفس. الدعم المناسب من الأخصائيين في تحليل السلوك التطبيقي والعلاج الوظيفي يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في تطور الطفل ونوعية حياته.
الخلاصة:
جلوس الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد ليس مسألة التزام أو سلوك فقط، بل هو انعكاس لتفاعل معقّد بين الإدراك الحسي، والتنظيم الحركي، والحالة الانفعالية. عندما يُفهم هذا السلوك من منظور عصبي و نمائي، يصبح التعامل معه أكثر فعالية ورحمة. فبدلاً من التركيز على “الجلوس بطريقة صحيحة”، ينبغي أن يكون التركيز على تمكين الطفل من الجلوس براحة، وتنظيم ذاته، والمشاركة في التعلم والحياة اليومية بثقة واستقلالية.
المرجع :
Understanding Sitting Behaviors in Autistic Children:
https://get2theroot.com/autistic-sitting-hope





