ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
ما هو التنظيم العاطفي؟
يتضمن التنظيم العاطفي عملية التعرف على العواطف وإدارتها والاستجابة لها بطريقة تكيفية، وهو أمر مهم للنمو والمشاركة في جميع مجالات الحياة. ومع ذلك، نحن لا نولد بمهارات التنظيم العاطفي بشكل فوري, فالقدرة على البقاء هادئاً ومتماسكاً أثناء المواقف الصعبة هي رحلة مدى الحياة يتم تطويرها وممارستها وصقلها بمرور الوقت.
قد يواجه الأطفال الذين يرتبكون بسرعة ويظهرون تكراراً في نوبات الغضب، أو السلوكيات العدوانية، أو الانسحاب/التجنب، تحديات خاصة في التنظيم العاطفي. يمكن أن تُستثار استجابة “الكر أو الفر أو التجمد” لديهم (وهي استجابة جهازنا العصبي للخطر) بسهولة بسبب أشياء تبدو “صغيرة”. بالنسبة لهؤلاء الأطفال، يمكن للعلاج الوظيفي (OT) – وخاصة عندما يكون موجهاً من قِبل الطفل – أن يلعب دوراً فريداً في تعزيز مهارات التنظيم العاطفي من أجل تحسين المشاركة في الأنشطة اليومية وتحسين جودة الحياة.
ما الذي يميز العلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل؟
يسمح العلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل للأطفال باختيار الأنشطة التي تهمهم أو توجيه الأخصائي نحوها، مما يشكل أساس معظم جلسات العلاج. يقوم الأخصائيون بتسهيل وتوجيه ودعم وتعديل الأنشطة نحو أهداف ذات مغزى للطفل وعائلته.
بدلاً من اتباع هيكل محدد مفروض عليهم (وهو جانب متأصل في العديد من مجالات الحياة)، يتم تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة التي تثير اهتمامهم وتجذبهم. يستفيد هذا النهج من الدافع الجوهري للطفل، و شعوره بالاستقلالية، والكفاءة الذاتية للأفراد. كما أنه يبني علاقة علاجية إيجابية وقائمة على الثقة بين الطفل وأخصائي العلاج الوظيفي الخاص به، مما يخلق شعوراً بالأمان والتفاهم.
كيف يساعد العلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل في التنظيم العاطفي؟
يعزز الشعور بالراحة والتنظيم
يتمثل أحد المكونات الرئيسية للعلاج الموجه من قِبل الطفل في الانخراط في أنشطة يستمتع بها الطفل ويجدها محفزة. وهذا يخلق تجارب إيجابية ومنظمة، مما يؤدي إلى إطلاق ناقلات عصبية “للشعور بالسعادة” مثل السيروتونين والدوبامين. هناك العديد من جوانب حياة الطفل التي لا يملك السيطرة عليها، والشعور بفقدان السيطرة يمكن أن يؤثر على التنظيم العاطفي للأطفال. يوفر العلاج الموجه من قِبل الطفل الوقت والمساحة لاتخاذ القرارات، وقيادة الأنشطة، وإثبات الذات. إن امتلاك الشعور بالسيطرة يساعد في تقليل مشاعر العجز أو الإحباط، والتي تعد محفزات شائعة للخلل في التنظيم العاطفي. عندما يشعر الأطفال بالتمكين، فمن المرجح أن ينظموا أنفسهم ذاتياً في لحظات التوتر.
ينمي الوعي العاطفي واستراتيجيات التأقلم
خلال جلسات العلاج الموجه من قِبل الطفل، يواجه الأطفال حتماً مشاعر صعبة، مثل الإحباط الناتج عن سقوط برج المكعبات أو الغضب عندما يستخدم شخص آخر لعبة يرغبون بها. توفر هذه التحديات فرصاً لممارسة التنظيم العاطفي في الوقت الفعلي. يمكن للأخصائيين تسمية المشاعر والتحقق من صحتها ومناقشتها أثناء ظهورها بشكل طبيعي. كما يمكنهم مساعدة الطفل على تحديد الشعور، واستكشاف استراتيجيات التأقلم، وحل المشكلات بطرق مختلفة للتعامل مع الموقف. يمكن للأخصائيين أيضاً دمج مفاهيم التنظيم العاطفي خلال فترات الاندماج الإيجابي في النشاط الموجه من قِبل الطفل، عندما يكون الطفل أكثر تنظيماً وانتباهاً للأفكار. وبمرور الوقت، يساعد هذا الأطفال على تطوير وعي عاطفي أكبر، ومهارات تأقلم، وإدارة ذاتية للأطفال.
يبني المهارات والثقة للأنشطة الصعبة
غالباً ما يتم وضع أهداف علاج وظيفي للأطفال تتعلق بمهام تؤدي عادةً إلى خلل في التنظيم العاطفي. ومن الميزات الرئيسية للعلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل أنه يبني الثقة ويوفر مكاناً آمناً للمشاركة في الأنشطة الصعبة أو غير المألوفة أو التي يتم تجنبها عادةً. يمتلك الأخصائيون نظرة ثاقبة لرفع مستوى النشاط أو خفضه أو تعديله لخلق “التحدي المناسب تماماً” (Just Right Challenge)، مما يسهل مشاعر النجاح والاندماج الإيجابي. كما يبحث الأخصائيون في المجالات المحددة التي قد تؤثر على اندماج الطفل (مثل المهارات الحركية، الوظائف التنفيذية، الثقة، إلخ) ويجدون طرقاً إبداعية للعمل على هذه المهارات أثناء الجلسات للأطفال.
يدعم المعالجة الحسية
تسير المعالجة الحسية والتنظيم العاطفي جنباً إلى جنب. في العلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل، يدمج الأخصائيون استراتيجيات حسية مصممة خصيصاً لاحتياجات الطفل. يمكن أن يشمل ذلك مدخلات حسية مهدئة (مثل الضغط العميق أو الملامس الناعمة)، أو مدخلات محفزة (مثل القفز أو التأرجح)، أو تعديل البيئة الحسية (مثل تقليل المدخلات السمعية والبصرية). كما يوفر الأخصائيون استراتيجيات حسية للأطفال وعائلاتهم لاستخدامها خارج نطاق العلاج الوظيفي. فكلما تمت تلبية احتياجات الطفل الحسية، زادت قدرته على تنظيم عواطفه.
يخلق التواصل والثقة والدعم
يتمثل أحد الجوانب الحاسمة للعلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل في بناء علاقة علاجية قائمة على الثقة والدعم بين الطفل والأخصائي. فالتفاعلات الإيجابية مع شخص بالغ غير الوالدين يمكن أن تعزز شعور الطفل بقيمة الذات، وتوفر فرصاً خارج المنزل للشعور بالتقدير والقدرة. غالباً ما تتحسن مجالات أخرى دون معالجتها بشكل مباشر بسبب هذه العلاقة العلاجية؛ مثل حماس الطفل للحضور إلى العلاج ليخبر الأخصائي بأنه استخدم المرحاض لأول مرة أو ليريه ملاحظات جيدة في مخطط سلوكه المدرسي. كما يتعاون أخصائيو العلاج الوظيفي مع الآباء/ومقدمي الرعاية ويقدمون الدعم لهم، وهو أمر لا يقل أهمية !
في الختام…
يُقدم العلاج الوظيفي الموجه من قِبل الطفل نهجاً فريداً واستثنائياً في تمكين الأطفال من تطوير مهارات التنظيم العاطفي بشكل مستدام. إن هذا النموذج لا يقتصر فقط على تقديم تجارب منظمة عاطفياً في اللحظة الحالية، بل تمتد فوائده الجوهرية لتشمل كافة مجالات حياة الطفل الأخرى، مما يعزز من مرونته وقدرته على التكيف مع مختلف المتطلبات البيئية والاجتماعية للأطفال.
ومن خلال الاستكشاف القائم على اللعب في بيئة علاجية تتسم بالأمان التام والثقة المتبادلة، يجد الأطفال مساراً مثالياً لتعلم وممارسة المهارات المعقدة اللازمة للتنقل بوعي عبر مشاعرهم المتنوعة. إن هذا النهج يضع حجر الأساس ويُمهد الطريق لتحسين قدرات التنظيم العاطفي في الأنشطة اليومية الروتينية، ويمنح الأطفال الأدوات اللازمة للتعامل مع تحديات الحياة بمزيد من الاستقلالية والثقة طوال مراحل نموهم.
المرجع:
The Unique Role of Child-Led Occupational Therapy in Emotional Regulation





