ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعد التعامل مع السلوكيات الصعبة لدى الأفراد ذوي الإعاقات النمائية أو صعوبات التعلم الشديدة أحد أكبر التحديات التي تواجه مقدمي الرعاية والخدمات التأهيلية في المجتمع. فالأشخاص الذين يعانون من احتياجات معقدة وإعاقات تعلم شديدة قد يظهرون أنماطاً سلوكية صعبة مثل العدوان، أو إيذاء الذات، أو السلوكيات التخريبية، وهي سلوكيات قد تعيق اندماجهم في المجتمع وتؤثر في جودة حياتهم وجودة حياة من يعتنون بهم.
في كثير من الحالات، يتم اللجوء إلى الإجراءات التقييدية مثل التقييد الجسدي أو العزل أو استخدام الأدوية المهدئة للسيطرة على هذه السلوكيات. إلا أن التوجهات الحديثة في مجال التأهيل والرعاية تؤكد على ضرورة تقليل هذه الأساليب قدر الإمكان، واستبدالها ببرامج تدخل إيجابية قائمة على فهم أسباب السلوك وتعديل البيئة المحيطة بالفرد. ومن أبرز هذه الأساليب الدعم السلوكي الإيجابي (Positive Behavior Support) الذي يعتمد على تحليل الوظيفة السلوكية وفهم العوامل التي تدفع الفرد إلى إظهار السلوك الصعب.
ومع ذلك، تشير بعض الأدبيات إلى أن برامج الدعم السلوكي الإيجابي غالباً ما تركز على العوامل البيئية والسلوكية المباشرة، بينما قد لا تعطي اهتماماً كافياً للعوامل الحسية التي قد تلعب دوراً مهماً في ظهور بعض السلوكيات الصعبة، خصوصاً لدى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحد. وهنا يظهر مفهوم التكامل الحسي بوصفه عاملاً محتملاً يمكن أن يساهم في فهم السلوكيات الصعبة وإدارتها بطريقة أكثر شمولية.
مفهوم التكامل الحسي وعلاقته بالسلوك
يشير التكامل الحسي إلى العملية العصبية التي يقوم الدماغ من خلالها بتنظيم المعلومات الحسية القادمة من البيئة ومن الجسم نفسه، مثل اللمس والحركة والتوازن والصوت والضوء. عندما تحدث صعوبات في هذه العملية، قد يواجه الفرد مشكلات في تفسير المحفزات الحسية أو الاستجابة لها بشكل مناسب.
الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في المعالجة الحسية قد يظهرون حساسية مفرطة لبعض المثيرات مثل الأصوات أو اللمس، أو قد يبحثون بشكل مفرط عن التحفيز الحسي مثل الحركة أو الضغط الجسدي. هذه الاختلافات في المعالجة الحسية قد تكون أحد العوامل التي تفسر بعض السلوكيات التي تُصنف على أنها “سلوكيات صعبة”.
على سبيل المثال، قد يقوم شخص يعاني من حساسية عالية للأصوات بإظهار سلوك عدواني أو محاولة الهروب من البيئة عندما يتعرض لضوضاء مرتفعة. وفي المقابل، قد يلجأ شخص آخر يعاني من نقص في التحفيز الحسي إلى سلوكيات متكررة أو حركات نمطية بهدف الحصول على مدخلات حسية إضافية.
لذلك ظهرت فكرة دمج استراتيجيات التكامل الحسي ضمن برامج التدخل السلوكي، بحيث يتم التعامل مع السلوك الصعب ليس فقط من خلال تعديل العوامل البيئية أو تعليم مهارات بديلة، بل أيضاً من خلال معالجة الاحتياجات الحسية للفرد.
هدف الدراسة
سعت هذه الدراسة إلى استكشاف ما إذا كان يمكن أن يكون للتكامل الحسي دور فعّال ضمن التدخلات السلوكية متعددة المكونات المستخدمة لإدارة السلوكيات الصعبة لدى البالغين الذين يعانون من إعاقات تعلم شديدة ويعيشون في المجتمع.
كما هدفت الدراسة إلى تحليل العوامل المرتبطة بنجاح هذه التدخلات، وفهم الكيفية التي يمكن من خلالها دمج الاستراتيجيات الحسية مع البرامج السلوكية المنظمة لتحسين إدارة السلوكيات الصعبة وتقليل الاعتماد على الإجراءات التقييدية.
منهجية الدراسة
اعتمد الباحثان على مراجعة منهجية للأدبيات العلمية المتعلقة بالموضوع. وقد تم إجراء بحث شامل في مجموعة من قواعد البيانات الإلكترونية المتخصصة في مجالات التربية الخاصة، وعلم النفس، والتأهيل، بالإضافة إلى مراجعة المراجع الموجودة في الدراسات ذات الصلة، والبحث اليدوي في بعض المصادر العلمية.
بعد عملية البحث والفرز، تم تحديد عدد محدود من الدراسات التي تستوفي معايير الإدراج في المراجعة. في النهاية، تم اختيار سبع دراسات تناولت تدخلات مرتبطة بالتكامل الحسي أو التدخلات السلوكية متعددة العناصر لإدارة السلوكيات الصعبة لدى البالغين ذوي صعوبات التعلم.
خضعت هذه الدراسات لعملية تقييم نقدي لتحليل جودة الإجراءات البحثية المستخدمة فيها، وكذلك لفهم طبيعة التدخلات والنتائج التي تم التوصل إليها.
ورغم أن عدد الدراسات المتاحة كان محدوداً نسبياً، كما أن جودة بعض الإجراءات البحثية كانت متفاوتة، إلا أن تحليل هذه الدراسات أظهر مجموعة من الأنماط والنتائج المشتركة التي يمكن الاستفادة منها في فهم دور التكامل الحسي في إدارة السلوكيات الصعبة.
نتائج المراجعة
أظهرت النتائج أن الدراسات السبع التي تم تحليلها استخدمت مجموعة متنوعة من أساليب التدخل.
ففي دراستين تم استخدام العلاج بالتكامل الحسي بشكل مباشر كجزء من التدخل العلاجي. بينما اعتمدت ثلاث دراسات على تدخلات سلوكية متعددة المكونات تتضمن استراتيجيات مختلفة مثل تعديل البيئة، وتعليم مهارات بديلة، وتعزيز السلوكيات المرغوبة.
كما استخدمت إحدى الدراسات التحفيز البيئي ضمن إطار تدخل سلوكي متعدد العوامل، بينما طبقت دراسة أخرى استراتيجيات حسية محددة ضمن برنامج سلوكي منظم.
أما بالنسبة لخصائص المشاركين في هذه الدراسات، فقد تبين أن معظمهم كانوا من الذكور، وأن نسبة كبيرة منهم كانت تعاني من اضطراب طيف التوحد إلى جانب صعوبات التعلم الشديدة. وقد استخدمت الدراسات أدوات تقييم متنوعة لقياس التغيرات في السلوكيات الصعبة، بما في ذلك ملاحظات مباشرة للسلوك، ومقاييس تقييم معيارية، وتقارير مقدمي الرعاية.
ورغم اختلاف طرق القياس والتدخل بين الدراسات، إلا أن العديد منها أشار إلى أن دمج الاستراتيجيات الحسية ضمن برامج التدخل السلوكي يمكن أن يساهم في تقليل السلوكيات الصعبة وتحسين قدرة الأفراد على التكيف مع البيئة المحيطة.
مناقشة النتائج
تشير نتائج هذه المراجعة إلى أن التدخلات السلوكية التي تتضمن عناصر حسية قد تكون أكثر فعالية في بعض الحالات مقارنة بالتدخلات التي تعتمد فقط على التحليل السلوكي التقليدي.
فعندما يتم أخذ الاحتياجات الحسية للفرد في الاعتبار، يصبح من الممكن تصميم بيئة أكثر ملاءمة له، وتقليل العوامل التي قد تؤدي إلى ظهور السلوكيات الصعبة. كما يمكن استخدام أنشطة حسية منظمة لتوفير بدائل آمنة ومقبولة للحصول على المدخلات الحسية التي يحتاجها الفرد.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن الأدلة العلمية المتاحة لا تزال محدودة، وأن هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات ذات الجودة المنهجية العالية لتحديد الدور الحقيقي للتكامل الحسي ضمن التدخلات السلوكية.
الاستنتاج
لا تزال الإجراءات التقييدية تُستخدم في بعض البيئات الخدمية لإدارة السلوكيات الصعبة، رغم التوصيات المهنية التي تدعو إلى تقليل استخدامها. وتشير نتائج هذه المراجعة إلى أن دمج استراتيجيات التكامل الحسي ضمن برامج التدخل السلوكي المنظمة قد يكون أحد الأساليب الواعدة لتحسين إدارة هذه السلوكيات.
كما أظهرت الدراسات أن التدخلات السلوكية التي تأخذ في الاعتبار الجوانب الحسية يمكن أن تساعد الأفراد ذوي الإعاقات الشديدة على التكيف بشكل أفضل مع البيئة المجتمعية، وتقلل من الحاجة إلى الأساليب التقييدية.
وفي ضوء ذلك، توصي الدراسة بضرورة تطوير برامج تدخل شاملة تجمع بين التحليل السلوكي والاستراتيجيات الحسية، إضافة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بين المعالجة الحسية والسلوكيات الصعبة بشكل أعمق.
المرجع:
Can sensory integration have a role in multi‐element behavioural intervention? An
evaluation of factors associated with the management of challenging behaviour in
community adult learning disability services
https://pure.ulster.ac.uk/ws/files/78221777/BILD_Critical_review_accepted_version_1_.pdf/1000





