ترجمة : أ. نوره الدوسري
معالجة تحديات النوم لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد من خلال استراتيجيات سلوكية قائمة على الأدلة
تُعد اضطرابات النوم شائعة للغاية بين الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، حيث تؤثر على ما يصل إلى 80% من هذه الفئة. وتتراوح هذه المشكلات بين صعوبة البدء في النوم، والاستيقاظ الليلي المتكرر، والاستيقاظ المبكر، مما ينعكس سلبًا على الأداء اليومي وجودة حياة الأسرة. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن العلاج السلوكي، ولا سيّما الأساليب المستندة إلى تحليل السلوك التطبيقي (ABA) والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، يوفر حلاً واعدًا وغير دوائي لمعالجة مشكلات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
المكوّنات الأساسية لخطة التدخل السلوكي للنوم
تشمل خطة التدخل السلوكي الفعالة لتحسين النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد عدة عناصر أساسية تهدف إلى تحسين جودة النوم وترسيخ عادات نوم صحية.
تُعد الروتينات الثابتة من الخطوات التأسيسية. إن تحديد أوقات نوم واستيقاظ منتظمة، إلى جانب أنشطة مهدئة قبل النوم، يساعد الأطفال على التنبؤ بوقت النوم والاستعداد له، مما يقلل من القلق والمقاومة. كما أن تهيئة بيئة نوم مريحة—مثل غرفة مظلمة وهادئة وذات درجة حرارة مناسبة—إلى جانب استخدام وسائل حسية مخصصة مثل الأغطية ذات الوزن أو الملاءات الضاغطة، يُعزز من جودة النوم.
تُعد ممارسات النظافة السليمة للنوم أمرًا بالغ الأهمية، وتشمل: الالتزام بأوقات نوم واستيقاظ منتظمة، تقليل استخدام الشاشات قبل النوم، وإزالة الألعاب المثيرة أو الأجهزة الإلكترونية من غرفة النوم. وتُسهم تقنيات الإشارات البصرية والروتينات المصورة في مساعدة الأطفال—وخاصة من لديهم مهارات لفظية محدودة—على التعرف على وقت النوم وتسلسل خطواته.
تُعد استراتيجيات التعزيز الإيجابي من الوسائل المشجعة على تبنّي سلوكيات النوم المستقلة. فمكافأة الطفل على التزامه بروتين النوم أو بقائه في السرير يعزّز من بناء العادات الصحية. كما تُستخدم أدوات معالجة القلق والحساسية الحسية مثل البطانيات ذات الوزن، أو تقنيات التهدئة كالتدليك أو الاستيقاظ المجدول لتقليل حالات الخوف، والكوابيس، أو فرط الاستثارة.
تُعد تدريبات الوالدين وتخصيص الاستراتيجيات من المحاور الأساسية. حيث يتم تدريب مقدّمي الرعاية على ملاحظة وفهم إشارات النوم الخاصة بأطفالهم ومسبباتها، وتعديل التدخلات حسب الحاجة. ويمكن النظر في الجمع بين التقنيات السلوكية وخيارات دوائية مثل الميلاتونين، وذلك تحت إشراف طبي متخصص.
ويُعد الرصد المستمر أمرًا ضروريًا لتقييم فعالية التدخل. فاستخدام مفكرات النوم، أو الأجهزة القابلة للارتداء، أو تقارير الوالدين، يتيح تتبع التقدّم وتحليل البيانات، وتعديل الاستراتيجيات لتحقيق أفضل نتائج ممكنة.
بوجه عام، إن النهج المصمم خصيصًا الذي يشمل الروتينات، والبيئة، والحساسية الحسية، ومشاركة الأسرة، هو الأكثر فاعلية في تحسين أنماط النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
استراتيجيات وتقنيات سلوكية فعالة
استكشاف استراتيجيات مثبتة لإدارة تحديات النوم لدى الأطفال المشخّصين بالتوحد
ما هي الاستراتيجيات السلوكية الفعالة لمعالجة مشكلات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف لتوحد؟
يواجه العديد من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد صعوبات في النوم، مثل صعوبة البدء في النوم، والاستيقاظ الليلي المتكرر، والمقاومة عند وقت النوم. وللتعامل مع هذه التحديات، تُعد الاستراتيجيات السلوكية التي تعزز من ثبات الروتين وتقليل المقاومة للنوم ضرورية.
يُعتبر تأسيس روتين مهدّئ ومتوقع لوقت النوم من أكثر الاستراتيجيات فعالية. قد يتضمّن هذا الروتين أنشطة مثل قراءة قصة اجتماعية عن النوم، أو ممارسة أنشطة حسية مهدئة، أو إجراء تدليك لطيف لمساعدة الطفل على الاسترخاء.
تُعد الدعائم البصرية والقصص الاجتماعية أدوات فعالة في تهيئة الطفل للنوم. فعرض خطوات ما قبل النوم من خلال جداول مصورة (مثل: تنظيف الأسنان، ارتداء البيجاما، الاستلقاء في السرير) يمنح الطفل إشارات واضحة ويقلل من توتره. كما يُشجع تعزيز السلوكيات الإيجابية عبر المكافآت مثل الملصقات أو الثناء الأطفال على اتباع الروتين وتبني عادات نوم صحية.
يتطلب تهيئة بيئة مناسبة للنوم تقليل المحفزات الحسية. يشمل ذلك خفض الضوضاء، إيقاف الشاشات قبل النوم، وضبط العوامل البيئية مثل الإضاءة ودرجة الحرارة. وقد تساعد الأدوات الحسية مثل البطانيات ذات الوزن أو الملاءات الضاغطة الأطفال على الشعور بالأمان، رغم أن تأثيرها على مدة النوم قد يختلف.
وتُعد الأنشطة المهدئة مثل التدليك أو تمارين الاسترخاء التدريجي للعضلات مفيدة لتصفية الذهن قبل النوم. كما أن الاستيقاظ المجدول، خصوصًا للأطفال المعرضين للكوابيس أو الذعر الليلي، يُستخدم بفعالية عبر إيقاظ الطفل بلطف قبل الوقت المتوقع لتلك النوبات.
وقد تتضمن التدخلات السلوكية أيضًا تقنيات الانقراض، حيث يُقلّل الأهل تدريجيًا من الاستجابات التي تعزز من السلوكيات غير المرغوب بها وقت النوم. ويساعد الرصد المستمر من خلال مفكرات النوم أو تقارير الأهل في ضبط الاستراتيجيات بما يتناسب مع احتياجات كل طفل.
يُسهم اعتماد هذه الاستراتيجيات في تقليل وقت الاستغراق في النوم، وزيادة مدته، وتحسين السلوك والمزاج خلال النهار. كما أن التعاون مع معالج سلوكي أو أخصائي نوم يتيح تعديل الخطط لتحقيق أقصى استفادة ممكنة للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
الأدلة العلمية التي تدعم العلاج السلوكي لمشكلات النوم في اضطراب طيف التوحد
ما هي الأدلة العلمية التي تدعم فعالية العلاج السلوكي في معالجة صعوبات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود أدلة قوية تدعم فعالية العلاج السلوكي في تحسين مشاكل النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. فقد أظهرت دراسات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية—بما في ذلك تجارب عشوائية محكمة وثلاث دراسات تدخل قبلية وبعدية—تحسنًا كبيرًا في جودة النوم بعد تطبيق التدخلات السلوكية.
وقد راقبت هذه الدراسات مجموعة من مؤشرات النوم مثل: مدة الاستغراق في النوم، وعدد مرات الاستيقاظ ليلاً، ومدة النوم الكلية، باستخدام أدوات مثل مفكرات النوم، وأجهزة تتبع النوم، والملاحظة المباشرة. وقد أظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات النوم، بالإضافة إلى تأثيرات إيجابية على سلوكيات النهار مثل انخفاض التهيج والنشاط الزائد.
شملت الاستراتيجيات السلوكية المستخدمة في هذه الدراسات تقنيات متعددة، منها:
- تأسيس روتينات نوم منتظمة
- استخدام الدعائم البصرية والإشارات البصرية
- تنفيذ بروتوكولات التحكم بالمحفزات
- تقليل مقاومة النوم عبر التعزيز الإيجابي
كما أظهر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) المصمم خصيصًا لمخاوف النوم—مثل الخوف من الوحوش أو مشكلات الأمان—نتائج واعدة. ففي دراسة تجريبية شملت أطفالًا مشخّصين باضطراب طيف التوحد ويعانون من الأرق، أظهر 85% من الأطفال تحسّنًا كبيرًا واختفاء الأرق بعد ثماني جلسات من العلاج، واستمرت النتائج لمدة شهر بعد العلاج.
كما أفاد أولياء الأمور بانخفاض الإرهاق وتحسن نومهم الشخصي، مما يبرز الأثر الإيجابي الشامل لهذه التدخلات. وتُعد هذه الأساليب مقبولة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع، خاصةً في ظل التوسع في أساليب تقديمها عن بُعد مثل الجلسات عبر الإنترنت.
أصبحت التدخلات السلوكية تُعتبر اليوم العلاج الأول لمعالجة مشكلات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، بدعم من قاعدة أدلة علمية متنامية تُثبت فعاليتها السريرية.
التعديلات البيئية الداعمة وأثرها
تعزيز راحة النوم: دور التعديلات البيئية في دعم النوم لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد
كيف يمكن أن تدعم التعديلات البيئية التدخلات السلوكية للنوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد؟
إن تهيئة بيئة صديقة للنوم تُعد عنصرًا أساسيًا لنجاح التدخلات السلوكية لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. تسهم هذه التعديلات في تقليل الحمل الحسي، وتهدئة مستويات الاستثارة العصبية، وتسهيل الانتقال إلى النوم.
من الطرق الشائعة تعديل ظروف الغرفة مثل التحكم بالإضاءة، والضوضاء، ودرجة الحرارة. يمكن استخدام الستائر المعتمة لتقليل الضوء، وتقليل الضجيج البيئي، وضبط درجة الحرارة إلى مستوى مريح وبارد.
وتُستخدم أيضًا أدوات حسية مخصصة مثل البطانيات ذات الوزن أو الملاءات الضاغطة، والتي تساعد الأطفال على إدارة حساسية الحواس من خلال توفير ضغط مهدّئ يُعزز من جودة النوم. رغم أن تأثير هذه الأدوات على مدة النوم قد يختلف، إلا أن العديد من الأطفال يفضلونها ويجدون فيها راحة.
تُعد الوسائل البصرية مثل القصص الاجتماعية والجداول المصورة فعالة في مساعدة الأطفال على فهم روتينات النوم. وتُقلل هذه الأدوات من التوتر والمقاومة من خلال توفير إشارات واضحة ومتوقعة حول ما يجب فعله.
وعند دمج بيئة نوم إيجابية وثابتة مع استراتيجيات سلوكية مثل التعزيز الإيجابي وتلاشي الحافز (stimulus fading)، فإن ذلك يُعزز من فعالية التدخل. وتدعم هذه التعديلات العوامل العصبية والحسية التي تسهم غالبًا في صعوبات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
تشير الأبحاث إلى أن مثل هذه التعديلات البيئية تُعد من أفضل الممارسات لتحسين النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. وعندما تُخصص لتتناسب مع الملف الحسي لكل طفل، يمكن أن تُحسن بشكل كبير من مدة الاستغراق في النوم، وتقلل من الاستيقاظ الليلي، وتعزز من جودة النوم بشكل عام.
العملية العلاجية ودور الأسرة
فهم دوركم: مشاركة الأسرة في التدخلات السلوكية للنوم في اضطراب طيف التوحد
ما الذي يجب أن يتوقعه الوالدان ومقدّمو الرعاية من التدخلات السلوكية للنوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد؟
ينبغي أن يتوقع أولياء الأمور ومقدّمو الرعاية مشاركة تعاونية وفردية عند تطبيق التدخلات السلوكية للنوم. غالبًا ما تبدأ هذه التدخلات بتقييمات شاملة، مثل التقييمات الوظيفية للسلوك (FBA)، لتحديد المثيرات والسلوكيات التي تؤثر في النوم.
وبناءً على نتائج التقييم، يعمل المتخصصون مع الأسر لتطوير استراتيجيات مخصصة، والتي قد تشمل: إنشاء روتينات ثابتة للنوم، استخدام الدعائم البصرية، تنفيذ استراتيجيات تدرّج الانفصال (fading)، أو تطبيق تقنيات الانقراض لتقليل الاستيقاظ الليلي. الهدف هو تعزيز فترات النوم الأطول والأكثر راحة مع تقليل المقاومة والقلق.
يتطلب تنفيذ هذه الاستراتيجيات التزامًا وثباتًا من الأسرة. ورغم أن العديد من التقنيات—وخاصةً تلك المعتمدة على الانقراض—أثبتت نجاحًا كبيرًا، إلا أنها قد تسبب توترًا لدى الأهل نتيجة البكاء أو الآثار السلوكية المؤقتة. لذا، فإن الدعم المستمر والتوجيه الواضح من المعالجين أمر بالغ الأهمية.
ينبغي أن يتوقع مقدّمو الرعاية أن التحسن قد يستغرق عدة أسابيع، وقد يتطلب التعديلات. فالصبر، والممارسة، والمرونة عوامل مهمة في تعديل الاستراتيجيات حسب الحاجة.
بوجه عام، يركز التدخل على تحسين أنماط النوم، مما يُسهم في تعزيز الصحة النفسية، وتقليل التحديات السلوكية، وتحسين رفاهية الطفل والأسرة بشكل عام.
تحويل أنماط النوم نحو نتائج أفضل
يوفر العلاج السلوكي نهجًا عمليًا ومدعومًا علميًا لمعالجة اضطرابات النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. من خلال الجمع بين الروتينات المنظمة، والتعديلات البيئية، والدعائم البصرية، والتقنيات السلوكية مثل التعزيز والسيطرة على المحفزات، يمكن للأسر تحقيق تحسّن كبير في جودة النوم. وتُعد مشاركة الأسرة، والتقييم المستمر، وتخصيص الخطط عوامل حاسمة للنجاح. ومع تطور الأبحاث، من المتوقع أن تعزز الوسائل الحديثة مثل الرعاية عن بُعد (telehealth) من سهولة الوصول إلى هذه العلاجات الفعالة. وفي النهاية، فإن تحسين النوم لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد لا يصبّ فقط في مصلحة صحة الطفل وسلوكه، بل يرفع كذلك جودة حياة الأسرة بأكملها.
المرجع:
The Role of Behavioral Therapy in Addressing Sleep Problems in Children with Autism Spectrum Disorder:





