ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد صعوبات التعلم من الاضطرابات النمائية الشائعة التي تؤثر على الأداء الأكاديمي والنفسي والاجتماعي للأطفال في المراحل الدراسية المختلفة. ولا تقتصر التحديات التي يواجهها هؤلاء الأطفال على جوانب التحصيل الدراسي فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب أعمق تتعلق بطريقة معالجة المثيرات الحسية وتكوين صورة إيجابية عن الذات. تشير الأدبيات الحديثة إلى أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم يعانون بدرجة أعلى من مشكلات في المعالجة الحسية، إضافة إلى انخفاض ملحوظ في مستوى تقدير الذات، وهي جوانب لا تحظى بالاهتمام الكافي ضمن البرامج العلاجية والتربوية التقليدية.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن التدخلات القائمة على الأنشطة الحسية، عند دمجها مع تقنيات العلاج المعرفي السلوكي، قد تسهم في تحسين كفاءة المعالجة الحسية وتعزيز تقدير الذات لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم. وتهدف الدراسة إلى استكشاف أثر هذا النوع من التدخلات بطريقة تطبيقية ضمن البيئة المدرسية، بما ينسجم مع نموذج التعليم الشامل ودور العلاج الوظيفي المدرسي.
اعتمدت الدراسة على تصميم كمي من نوع الحالة الواحدة باستخدام القياس القبلي والبعدي، وهو تصميم مناسب لدراسة التغيرات الفردية الدقيقة التي قد لا تظهر بوضوح في الدراسات واسعة النطاق. تم اختيار المشاركين بطريقة العينة الملائمة والعينة القصدية، حيث شملت العينة طلابًا في المرحلة المتوسطة تتراوح أعمارهم بين الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة، وجميعهم مشخصون بصعوبات تعلم، ويظهرون صعوبات واضحة في المعالجة الحسية، إلى جانب انخفاض في مستوى تقدير الذات.
ركزت الدراسة على استخدام أدوات مقننة وموثوقة لجمع البيانات، بما يضمن مصداقية النتائج. قام معلمو الصفوف بتعبئة مقياس معالجة الحس في البيئة الصفية، وهو مقياس يتيح تقييم استجابات الطفل للمثيرات الحسية المختلفة داخل الفصل الدراسي، مثل الأصوات، والحركة، والتنظيم الحسي، والتفاعل الاجتماعي. في المقابل، قام الأطفال أنفسهم بالإجابة على مقياس تقدير الذات، الذي يقيس نظرة الفرد إلى ذاته وشعوره بالكفاءة والقيمة الشخصية.
تم تطبيق برنامج التدخل الذي يجمع بين أنشطة قائمة على المدخلات الحسية وتقنيات معرفية سلوكية، حيث صُممت الأنشطة الحسية بهدف تحسين تنظيم المدخلات الحسية ومساعدة الطفل على الاستجابة للمثيرات بطريقة أكثر تكيفًا. شملت هذه الأنشطة خبرات حسية منظمة تساعد على تعزيز الوعي بالجسم، وتنظيم الحركة، وتحسين الانتباه داخل الصف. أما الجانب المعرفي السلوكي، فقد ركز على دعم الطفل في التعرف على أفكاره السلبية حول ذاته، وتعديلها، وتعزيز السلوكيات الإيجابية، وبناء صورة ذاتية أكثر توازنًا.
بعد الانتهاء من فترة التدخل، أُعيد تطبيق أدوات القياس لمقارنة النتائج القبلية والبعدية. أظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في جوانب محددة من المعالجة الحسية لدى كلا المشاركين، لا سيما في المجالات المرتبطة بالتنظيم الحسي والاستجابة للمثيرات داخل البيئة الصفية. ويشير هذا التحسن إلى أن التدخلات الحسية يمكن أن تلعب دورًا فعالًا في مساعدة الأطفال ذوي صعوبات التعلم على التكيف بشكل أفضل مع متطلبات البيئة التعليمية.
أما فيما يتعلق بتقدير الذات، فقد أظهرت النتائج تباينًا بين المشاركين. حيث شهد أحد الأطفال تحسنًا كبيرًا في مستوى تقدير الذات، وهو ما قد يعكس استفادته الإيجابية من الدمج بين الأنشطة الحسية والدعم المعرفي السلوكي، وربما يرتبط أيضًا بعوامل فردية مثل الاستعداد النفسي أو الدعم البيئي. في المقابل، أظهر الطفل الآخر انخفاضًا طفيفًا في مستوى تقدير الذات بعد التدخل، مما يشير إلى أن تأثير التدخلات على الجوانب النفسية قد يكون أكثر تعقيدًا ويتأثر بعوامل متعددة، مثل طبيعة الصعوبات التي يعاني منها الطفل، أو خبراته السابقة، أو مستوى الدعم الأسري والمدرسي.
تسلط هذه النتائج الضوء على حقيقة مهمة، وهي أن تحسين المعالجة الحسية لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن تلقائي في تقدير الذات لدى جميع الأطفال. فبينما قد يستجيب بعض الأطفال بشكل إيجابي وسريع، قد يحتاج آخرون إلى تدخلات أعمق أو أطول زمنًا، أو إلى تعديل في الاستراتيجيات المستخدمة بما يتناسب مع احتياجاتهم الفردية.
تؤكد الدراسة في ختامها على أهمية تبني تدخلات شاملة داخل البيئة المدرسية، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الحسية والنفسية معًا. كما تقدم دعمًا عمليًا لدور الأخصائيين في العلاج الوظيفي المدرسي، من خلال توفير أدلة قائمة على الممارسة تساعدهم على تصميم تدخلات فعالة تسهم في تحسين التوافق بين الطالب وبيئته التعليمية. ويُعد هذا التوافق عنصرًا أساسيًا في تعزيز المشاركة التعليمية وتحقيق الأداء الوظيفي الأمثل داخل المدرسة.
بشكل عام، تشير نتائج الدراسة إلى أن التدخلات القائمة على المدخلات الحسية، عند دمجها بأساليب معرفية سلوكية، تمثل نهجًا واعدًا لدعم الأطفال ذوي صعوبات التعلم. ومع ذلك، توصي الدراسة بضرورة إجراء مزيد من الأبحاث باستخدام عينات أكبر وتصاميم بحثية متنوعة لفهم التأثير طويل المدى لهذه التدخلات، وتحديد العوامل التي تسهم في تعزيز تقدير الذات بشكل أكثر استقرارًا واستدامة
وتبرز أهمية هذه الدراسة أيضًا في تسليط الضوء على الفروق الفردية بين الأطفال ذوي صعوبات التعلم، إذ توضح النتائج أن الاستجابة للتدخلات ليست نمطية أو موحّدة. فكل طفل يمتلك خصائص حسية ونفسية مختلفة، تتأثر بخبراته السابقة، وبطبيعة بيئته المدرسية، وبأساليب الدعم المقدمة له من المعلمين والأسرة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تصميم برامج تدخل مرنة وقابلة للتعديل، تراعي الخصوصية الفردية لكل طفل بدل الاعتماد على برامج موحدة قد لا تلبي احتياجات الجميع.
كما تشير الدراسة ضمنيًا إلى أن تقدير الذات يُعد بناءً نفسيًا معقدًا، لا يتأثر بعامل واحد فقط، بل يتشكل نتيجة تفاعل مستمر بين الخبرات الأكاديمية، والعلاقات الاجتماعية، والشعور بالنجاح أو الفشل، إضافة إلى الطريقة التي يدرك بها الطفل ذاته مقارنة بأقرانه. وعليه، فإن التدخلات قصيرة المدى قد تكون كافية لتحسين الجوانب الحسية الوظيفية، لكنها قد لا تكون كافية وحدها لإحداث تغيير مستدام في صورة الطفل عن نفسه، ما لم تُدعم باستراتيجيات طويلة المدى تشمل البيئة الصفية بأكملها.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة على أهمية التعاون بين فريق المدرسة متعدد التخصصات، بما يشمل الأخصائي النفسي، وأخصائي العلاج الوظيفي، والمعلم، لضمان تكامل الأدوار وتحقيق أفضل النتائج. فالتدخل الفعّال لا يعتمد فقط على نوع الأنشطة المقدمة، بل على الاتساق في تطبيقها، واستمراريتها، وملاءمتها للسياق التعليمي اليومي للطفل.
المرجع:
Sensory-Based Interventions for Children with Learning Disabilities: Self-Esteem and Sensory Processing





