ترجمة: أ. سما خالد
تُعدّ الرياضة أحد المداخل غير الدوائية الفعّالة التي حظيت باهتمام متزايد في مجال التدخلات المساندة للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. ففي ظل الطبيعة المعقدة لهذا الاضطراب، الذي يتسم بصعوبات في التواصل الاجتماعي، وأنماط سلوكية متكررة، وتحديات في التنظيم الحسي والانفعالي، برزت الحاجة إلى تدخلات شمولية لا تقتصر على الجوانب المعرفية أو السلوكية فقط، بل تمتد لتشمل الجسد بوصفه مدخلًا أساسيًا لفهم وتنظيم الخبرة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تُمثّل الرياضة وسيلة متعددة الأبعاد تسهم في تحسين الأداء الوظيفي العام لدى الأطفال، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي.
تشير الأدبيات العلمية إلى أن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد غالبًا ما يُظهرون انخفاضًا في مستوى النشاط البدني مقارنةً بأقرانهم من غير المشخّصين، ويرتبط ذلك بعوامل متعددة، منها صعوبات التفاعل الاجتماعي، وانخفاض الدافعية، والحساسيات الحسية، بالإضافة إلى محدودية الفرص المتاحة لهم للمشاركة في الأنشطة الجماعية. هذا الانخفاض لا يؤثر فقط على الصحة الجسدية، بل يمتد ليشمل الجوانب النفسية والانفعالية، حيث يرتبط قلة النشاط البدني بزيادة مستويات القلق، وضعف تقدير الذات، وصعوبات التنظيم الانفعالي.
تُظهر الدراسات أن إدماج الأطفال المشخّصين ضمن برامج رياضية منظمة يساهم في تحسين عدد من المهارات الأساسية. فعلى الصعيد الجسدي، تساعد الرياضة في تطوير التوازن، والتناسق الحركي، والقدرة على التحكم بالجسم، وهي جوانب يعاني العديد من الأطفال المشخّصين من تحديات فيها. كما أن الأنشطة الحركية المنتظمة تسهم في تحسين الصحة العامة، وتقليل خطر الإصابة بالمشكلات المرتبطة بقلة الحركة، مثل السمنة وضعف اللياقة القلبية التنفسية.
أما على المستوى النفسي، فقد ثبت أن للرياضة دورًا مهمًا في تقليل السلوكيات النمطية والتكرارية، والتي تُعد من السمات الأساسية لاضطراب طيف التوحد. ويُفسّر ذلك من خلال قدرة النشاط البدني على تفريغ الطاقة الزائدة، وتعزيز إفراز النواقل العصبية المرتبطة بالشعور بالراحة مثل الإندورفين، مما يسهم في تحسين المزاج العام وتقليل التوتر. كما تُساعد الرياضة في تعزيز القدرة على التركيز والانتباه، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الأداء الأكاديمي والسلوكي.
وفيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية، تُوفّر الرياضة بيئة طبيعية لتعلم مهارات التفاعل مع الآخرين، مثل الانتظار، وتبادل الأدوار، وفهم القواعد، والتواصل غير اللفظي. وعلى الرغم من أن هذه المهارات قد لا تتطور بشكل تلقائي لدى الأطفال المشخّصين، إلا أن دمجهم في أنشطة رياضية مهيكلة ومدعومة بإرشاد متخصص يمكن أن يُسهم بشكل كبير في تعزيز هذه الجوانب. كما أن النجاح في أداء المهام الرياضية، مهما كان بسيطًا، يُعزز من الشعور بالكفاءة الذاتية ويُسهم في بناء صورة إيجابية عن الذات.
تختلف فعالية الرياضة باختلاف نوع النشاط الممارس. فبعض الدراسات تشير إلى أن الأنشطة الفردية مثل السباحة وركوب الدراجة قد تكون أكثر ملاءمة في المراحل الأولى، نظرًا لقلة متطلباتها الاجتماعية، مما يُتيح للأطفال فرصة التكيف التدريجي دون ضغط تفاعلي مرتفع. في المقابل، تُعد الأنشطة الجماعية مثل كرة القدم أو كرة السلة فرصة متقدمة لتطوير المهارات الاجتماعية، بشرط أن يتم تقديمها ضمن بيئة داعمة ومراعية للفروق الفردية.
ومن المهم التأكيد على أن نجاح البرامج الرياضية يعتمد على مدى تكييفها لتتناسب مع خصائص الأطفال المشخّصين. فالأطفال قد يواجهون تحديات حسية، مثل الانزعاج من الأصوات العالية أو اللمس، مما يتطلب بيئة تدريبية منظمة وقابلة للتنبؤ. كما أن استخدام استراتيجيات قائمة على تحليل السلوك التطبيقي يمكن أن يُعزز من فاعلية هذه البرامج، مثل استخدام التعزيز الإيجابي، وتجزئة المهارات، والتدرج في تقديم المتطلبات.
كذلك، يلعب الوالدان والمختصون دورًا محوريًا في دعم مشاركة الأطفال في الأنشطة الرياضية. فالتشجيع المستمر، وتوفير الفرص المناسبة، والتعاون مع المدربين لفهم احتياجات الأطفال، جميعها عوامل تسهم في تعزيز الاستمرارية وتحقيق الفائدة المرجوة. كما أن إشراك الأطفال في اختيار نوع النشاط يُعزز من دافعيتهم ويزيد من احتمالية التزامهم.
ورغم الفوائد المتعددة، لا بد من الإشارة إلى أن الرياضة ليست بديلًا عن التدخلات الأساسية، بل تُعد مكمّلة لها. إذ ينبغي أن تُدمج ضمن خطة تدخل شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأهداف الفردية لكل طفل، وتُبنى على تقييم دقيق لقدراته واحتياجاته. كما أن هناك حاجة لمزيد من الدراسات التي تستكشف أنواع الأنشطة الأكثر فاعلية، والجرعات المناسبة من التمارين، وآليات التأثير العصبي والسلوكي المرتبطة بها.
في الختام، يمكن القول إن الرياضة تمثل أداة فعّالة وشاملة لدعم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، حيث تسهم في تحسين جوانب متعددة من حياتهم، بدءًا من الصحة الجسدية، مرورًا بالتنظيم النفسي، ووصولًا إلى التفاعل الاجتماعي. ومع تزايد الوعي بأهمية التدخلات متعددة الأبعاد، تبرز الحاجة إلى دمج النشاط البدني كعنصر أساسي ضمن البرامج العلاجية والتربوية، بما يضمن تحقيق نمو متكامل ومستدام لهؤلاء الأطفال.
المراجع (APA 7):
Bremer, E., Crozier, M., & Lloyd, M. (2016). A systematic review of the behavioural outcomes following exercise interventions for children and youth with autism spectrum disorder. Autism, 20(8), 899–915.
Lang, R., Koegel, L. K., Ashbaugh, K., Regester, A., Ence, W., & Smith, W. (2010). Physical exercise and individuals with autism spectrum disorders: A systematic review. Research in Autism Spectrum Disorders, 4(4), 565–576.
Pan, C. Y. (2010). Effects of water exercise swimming program on aquatic skills and social behaviors in children with autism spectrum disorders. Autism, 14(1), 9–28.





