الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تأثير غياب الوالدين وصعوبات التعلم على القبول الاجتماعي بين الأقران

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تتناول هذه الدراسة قضية مهمة في مجال علم النفس التربوي، حيث تهدف إلى فهم كيفية تأثير وضع الأطفال الذين يُتركون من قبل والديهم ووجود صعوبات التعلم على علاقات القبول والرفض الاجتماعي بين أقرانهم في المرحلة الابتدائية. وتمثل هذه الدراسة خطوة متميزة لأنها تركز على تقاطع هاتين الهويتين الاجتماعيتين، وهو جانب قلما تم التطرق إليه في الدراسات السابقة التي غالبًا ما درست كل فئة على حدة، دون النظر إلى تأثير تفاعلهما المشترك على العلاقات بين الأطفال داخل الصفوف المدرسية.

تعتمد الدراسة على فرضية شائعة في الأدبيات التربوية والاجتماعية، مفادها أن الانتماء إلى فئات تُصنف على أنها هشة أو معرضة للخطر، مثل الأطفال الذين يُتركون من قبل والديهم أو الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم، يؤدي إلى انخفاض مستوى القبول الاجتماعي وزيادة احتمالية الرفض من قبل الأقران. ومع ذلك، تسعى الدراسة إلى اختبار هذا الافتراض بشكل نقدي، من خلال دراسة ما إذا كان التفاعل بين وضع الأطفال الذين يُتركون وصعوبات التعلم ينتج آثارًا مركبة أو مختلفة على مستوى العلاقات الاجتماعية.

تم جمع البيانات من عينة واسعة من تلاميذ المرحلة الابتدائية في عدد من المدارس الريفية، حيث شملت العينة طلابًا من فصول متعددة. وتم استخدام أداة متخصصة لقياس الاندماج الاجتماعي والقبول بين الأقران، بهدف تقييم مستوى القبول والرفض الذي يتلقاه الأطفال من زملائهم في سياقين رئيسيين: السياق الأكاديمي، مثل المشاركة في الأنشطة الجماعية داخل الصف، وسياق اللعب والتفاعل الحر، مثل الأنشطة الترفيهية أو أوقات الاستراحة.

أظهرت النتائج أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم يواجهون، بشكل عام، مستويات أقل من القبول الاجتماعي ومستويات أعلى من الرفض مقارنة بزملائهم الذين لا يواجهون صعوبات تعليمية. وتتفق هذه النتائج مع الدراسات السابقة التي أشارت إلى التحديات الاجتماعية للأطفال ذوي الصعوبات التعليمية، بما في ذلك صعوبة تكوين الصداقات، والتعرض للتنمر أو التهميش، والشعور بالعزلة داخل الصف. وتعكس هذه النتائج حقيقة أن الصعوبات التعليمية لا تقتصر آثارها على الأداء الأكاديمي فقط، بل تمتد لتؤثر على التفاعلات الاجتماعية والعاطفية للأطفال، مما قد يخلق دورة من الإحباط والتباعد الاجتماعي مع مرور الوقت.

في المقابل، أظهرت النتائج المتعلقة بالأطفال الذين يُتركون من قبل والديهم نتائج غير متوقعة. فقد بينت الدراسة أن هؤلاء الأطفال غالبًا ما يحظون بمستوى أعلى من القبول الاجتماعي ومستوى أقل من الرفض مقارنة بالأطفال الذين يعيشون مع والديهم. وهذا يشكل تحديًا للتصورات السائدة التي تُصوّر هؤلاء الأطفال على أنهم دائمًا في وضع هش أو معرضون للتهميش الاجتماعي. ويمكن تفسير ذلك بالخصوصية الثقافية والاجتماعية للبيئة الريفية، حيث يُنظر إلى الأطفال الذين يُتركون ضمن جزء طبيعي من المجتمع، وقد يطورون مهارات اجتماعية أكبر نتيجة اعتمادهم على أنفسهم أو على شبكات الدعم البديلة مثل الأجداد والإخوة أو مجموعات الأقران. كما أن تجربة الاعتماد على الذات المبكر قد تمنح هؤلاء الأطفال قدرة أكبر على حل النزاعات والتفاوض الاجتماعي، وهي مهارات تساعدهم على بناء علاقات أكثر إيجابية مع زملائهم.

وتبرز أهمية الدراسة أكثر عند النظر إلى تفاعل الفئتين معًا، أي الأطفال الذين يجمعون بين كونهُم يُتركون من قبل والديهم ويواجهون صعوبات تعلم. فقد أظهرت النتائج أن هؤلاء الأطفال حظوا بدرجات قبول اجتماعي أعلى مقارنة بالأطفال ذوي صعوبات التعلم الذين يعيشون مع والديهم. ويشير ذلك إلى أن وضع الأطفال الذين يُتركون قد يعمل في بعض الحالات كعامل حماية جزئي ضد بعض التأثيرات السلبية المرتبطة بصعوبات التعلم فيما يخص العلاقات مع الأقران. وقد يُفسر هذا من خلال احتمالية أن هؤلاء الأطفال يُنظر إليهم بتعاطف أكبر من قبل زملائهم، أو أنهم يندمجون في شبكات اجتماعية بديلة، مما يعزز قبولهم الاجتماعي. ويعكس ذلك أيضًا فكرة أن التجارب الحياتية المعقدة يمكن أن تنمي لدى الأطفال مرونة نفسية واجتماعية، تساعدهم على التكيف مع تحديات التعلم والاندماج في المجموعات.

تشير النتائج إلى أن الهويات الاجتماعية لا تؤثر دائمًا بشكل تراكمّي يؤدي إلى مضاعفة الحرمان أو العزلة، كما تفترض بعض النماذج النظرية، بل إن تأثيرها يعتمد على السياق الاجتماعي والثقافي وطبيعة التفاعل بين الهويات المختلفة. ويكشف ذلك عن ضرورة إعادة التفكير في تصورات المجتمع والممارسات التعليمية التي تميل إلى افتراض أن جميع الأطفال في فئات معينة معرضون للخطر أو للعزلة.

في هذا الإطار، تؤكد الدراسة على أهمية تبني سياسات تعليمية شاملة تراعي التنوع الاجتماعي والثقافي، وتشجع على دمج جميع الأطفال في الحياة الصفية والأنشطة الاجتماعية، بدل الاقتصار على التدخلات الأكاديمية أو العلاجية المنعزلة. وتشدد على أن البرامج التعليمية لا ينبغي أن تُركز فقط على دعم التعلم الأكاديمي، بل يجب أن تشمل دعم المهارات الاجتماعية والعاطفية، لتقوية شعور الأطفال بالانتماء وقدرتهم على التفاعل الإيجابي مع أقرانهم. كما تدعو الدراسة إلى تجاوز النظرة الاختزالية للأطفال وفق خصائص محددة، والنظر إليهم كفاعلين اجتماعيين قادرين على التكيف وبناء العلاقات بطرق أحيانًا غير متوقعة، مع الأخذ في الاعتبار تأثير التجارب الفردية والبيئة المحيطة على سلوكياتهم الاجتماعية.

ختامًا، تسلط هذه الدراسة الضوء على ديناميات القبول والرفض بين الأقران من منظور أكثر شمولية، مؤكدة أن التجارب الشخصية والسياق الاجتماعي والثقافي للطفل يمكن أن تلعب دورًا أكثر أهمية من الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة. وتبرز الحاجة إلى تصميم برامج تدخلية مرنة وشاملة تعزز الشعور بالانتماء والمشاركة الاجتماعية لكل الأطفال، بغض النظر عن خلفياتهم أو ظروفهم الفردية، مع التركيز على بناء مهارات التكيف الاجتماعي والقدرة على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية المصاحبة لصعوبات التعلم أو غياب أحد الوالدين.

وتؤكد هذه الدراسة أن القبول والرفض بين الأقران لا يتحدد فقط بوجود صعوبات التعلم أو غياب الوالدين، بل يتأثر بشكل كبير بالسياق الاجتماعي والثقافي والتفاعلات اليومية بين الأطفال. وتبرز النتائج أن الأطفال الذين يُتركون من قبل والديهم قد يطورون مهارات اجتماعية وقدرة على التكيف تساعدهم على تجاوز بعض التحديات المرتبطة بصعوبات التعلم. ومن هنا، يصبح من الضروري تصميم سياسات تعليمية شاملة وبرامج دعم مرنة، تعزز الانتماء الاجتماعي والاندماج الإيجابي، مع الاهتمام بتطوير المهارات العاطفية والاجتماعية لجميع الأطفال، لضمان بيئة تعليمية أكثر شمولية وعدالة.

 

المرجع:

Interplay of Left-Behind Status and Special Educational Needs and Disabilities (SEND) in Social Acceptance and Rejection Dynamics in Rural China

https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/chso.70021?af=R