ترجمة: أ. سما خالد
يُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية المعقّدة التي تتجاوز في مظاهرها الصعوبات المرتبطة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي والسلوكيات المتكررة، إذ يتداخل معه في نسبة مرتفعة من الحالات حضور اضطرابات نفسية مصاحبة مثل القلق، الاكتئاب، الوسواس القهري، واضطرابات التنظيم الانفعالي. هذا التداخل يجعل الصورة السريرية أكثر تعقيدًا، ويضع الفريق العلاجي أمام تحدٍ يتمثل في التفريق بين السلوكيات المرتبطة بالسمات النمائية الأساسية، وتلك الناتجة عن اضطرابات نفسية قابلة للاستجابة للتدخلات الدوائية. ضمن هذا السياق، يبرز استخدام مضادات الاكتئاب، وخاصة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، كخيار علاجي يُناقش بحذر في الممارسات السريرية مع الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
تعمل مضادات الاكتئاب على تعديل التوازن الكيميائي العصبي المرتبط بتنظيم المزاج، والقلق، والوساوس، والنوم، والاستجابة للضغوط. وتشير الدراسات العصبية إلى وجود اختلافات في أنظمة السيروتونين والدوبامين لدى نسبة من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وهو ما يفسر جزئيًا الاهتمام باستخدام هذه الفئة الدوائية في معالجة الأعراض المصاحبة. إلا أن الهدف من وصف مضادات الاكتئاب لا يتمثل في معالجة السمات الأساسية للاضطراب النمائي، بل في تقليل شدة الأعراض النفسية المصاحبة التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة، والقدرة على التعلم، والاستفادة من التدخلات السلوكية والتعليمية.
في الممارسات السريرية، يُلاحظ أن بعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يُظهرون أعراض قلق مفرط، وسلوكيات وسواسية متكررة، وانسحابًا اجتماعيًا ذا طابع اكتئابي، إضافة إلى صعوبات واضحة في التنظيم الانفعالي. هذه الأعراض قد لا تستجيب بشكل كافٍ للتدخلات السلوكية وحدها، مما يدفع الفريق العلاجي للنظر في الخيارات الدوائية كعامل مساعد. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الفلوكسيتين والسيرترالين قد يسهمان في خفض شدة السلوكيات الوسواسية والقلق لدى نسبة من الأطفال الأكبر سنًا، مما ينعكس إيجابًا على مشاركتهم الاجتماعية وقدرتهم على الانخراط في الأنشطة اليومية.
غير أن نتائج الدراسات ليست متجانسة؛ فالمراجعات المنهجية تشير إلى أن فعالية مضادات الاكتئاب لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد قد تكون محدودة أو متباينة، خاصة لدى الفئات العمرية الأصغر. ويُعزى ذلك إلى الفروق الفردية الكبيرة في الخصائص العصبية والحسية والمعرفية، والتي تجعل الاستجابة الدوائية غير متوقعة في بعض الحالات. هذه الفروق تفرض ضرورة تبني نهج فردي دقيق عند اتخاذ قرار وصف الدواء.
من الظواهر المهمة المرتبطة باستخدام مضادات الاكتئاب لدى هذه الفئة ما يُعرف بالتنشيط السلوكي، حيث قد يظهر الأطفال زيادة في فرط الحركة، والاندفاعية، والتهيج، واضطرابات النوم، وارتفاع في شدة السلوكيات النمطية. هذه التغيرات قد تُفسَّر خطأً على أنها تدهور في الحالة النمائية، بينما تكون في الواقع استجابة دوائية تتطلب تعديل الجرعة أو إيقاف العلاج. لذلك تؤكد الإرشادات السريرية على البدء بجرعات منخفضة جدًا، وزيادتها بشكل تدريجي بطيء، مع مراقبة دقيقة للتغيرات السلوكية اليومية.
تُشير الأدلة إلى أن الجهاز العصبي لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يتميز بحساسية مختلفة تجاه التغيرات الكيميائية العصبية، مما يجعلهم أكثر عرضة للآثار الجانبية السلوكية مقارنة بغيرهم. كما أن الحساسية الحسية المرتفعة قد تزيد من شدة الاستجابة للدواء، سواء إيجابًا أو سلبًا. لذلك يصبح رصد التغيرات الدقيقة في النوم، والشهية، ومستوى النشاط، وأنماط التفاعل الاجتماعي، جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية.
يبرز هنا دور التكامل بين التدخلات الدوائية والتدخلات السلوكية مثل تحليل السلوك التطبيقي. ففي بعض الحالات، يؤدي تقليل القلق والاكتئاب دوائيًا إلى تحسين القدرة على التركيز، وزيادة الاستجابة للتعليمات، وتقليل السلوكيات التجنبية، مما يعزز فاعلية البرامج السلوكية. وفي حالات أخرى، قد تؤدي الآثار الجانبية إلى زيادة السلوكيات الصعبة، مما يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الأخصائيين والأطباء لتعديل الخطة العلاجية بما يتناسب مع استجابة الأطفال.
من المهم التأكيد على أن مضادات الاكتئاب لا تُستخدم لمعالجة السلوكيات المتكررة بحد ذاتها، إلا إذا كانت ذات طابع وسواسي واضح، أو مرتبطة بقلق شديد. كما لا يُنصح باستخدامها لمجرد وجود انسحاب اجتماعي، ما لم يكن مصحوبًا بأعراض اكتئابية واضحة ذات تأثير وظيفي. هذا التفريق التشخيصي الدقيق يمنع الاستخدام غير المبرر للأدوية، ويضمن توجيه العلاج نحو الأعراض الفعلية المؤثرة.
تلعب العوامل الفردية دورًا حاسمًا في تحديد الاستجابة الدوائية، مثل العمر الزمني، مستوى اللغة، شدة الأعراض، وجود اضطرابات نمائية أو عصبية أخرى، ونمط الحساسية الحسية. هذه العوامل قد تفسر التباين الكبير في النتائج السريرية بين الأطفال، وتؤكد أهمية التقييم الشامل قبل اتخاذ القرار العلاجي.
من الناحية المهنية، يتطلب وصف مضادات الاكتئاب توعية الأسر بشكل واضح حول التوقعات الواقعية للعلاج، والآثار الجانبية المحتملة، وأهمية المتابعة الدقيقة. كما يجب إشراك الأسر في مراقبة السلوكيات اليومية، لأنهم الأكثر قدرة على ملاحظة التغيرات الدقيقة التي قد لا تظهر خلال الجلسات العلاجية القصيرة.
توصي الإرشادات العالمية باللجوء إلى مضادات الاكتئاب بعد استنفاد التدخلات غير الدوائية، أو عندما تكون الأعراض المصاحبة شديدة لدرجة تعيق الحياة اليومية بشكل واضح. ويُشدد على ضرورة وجود خطة متابعة منتظمة تشمل التقييم السلوكي والنفسي والطبي بشكل متكامل.
تُظهر الأدبيات الحديثة أن الحاجة لا تزال قائمة لإجراء دراسات تجريبية محكمة تركز على تحديد المؤشرات التي تتنبأ بالاستجابة الإيجابية لمضادات الاكتئاب لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. فالفهم الأعمق للفروق الفردية قد يسهم في تحسين دقة القرارات العلاجية وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المناسب.
كما يُلاحظ في بعض الحالات أن التحسن الدوائي يفتح نافذة تعليمية مهمة، حيث يصبح الأطفال أكثر قدرة على الاستفادة من استراتيجيات تغيير السلوك، والتدريب على المهارات الاجتماعية، وبرامج التنظيم الانفعالي. هذا التكامل يؤكد أن الدواء ليس بديلاً عن التدخلات السلوكية، بل عاملًا مساعدًا في تهيئة الظروف الملائمة لنجاحها.
في المقابل، قد يؤدي الاستخدام غير الدقيق لمضادات الاكتئاب إلى زيادة التعقيد السلوكي، مما ينعكس سلبًا على جودة الحياة اليومية. لذلك فإن القرار العلاجي يجب أن يكون نتاج تقييم تشاركي بين الطبيب، والأخصائيين، والأسرة، قائم على ملاحظة دقيقة للأعراض، وليس على افتراضات عامة.
في الختام، يمكن القول إن مضادات الاكتئاب تمثل خيارًا علاجيًا قد يكون ذا فائدة لبعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد عند وجود اضطرابات نفسية مصاحبة واضحة ومؤثرة وظيفيًا. إلا أن استخدامها يتطلب حذرًا علميًا، وتقييمًا دقيقًا، ومتابعة مستمرة، وتكاملًا مع التدخلات السلوكية والتعليمية. إن الفهم العميق للفروق الفردية، والتواصل المستمر بين الفريق العلاجي والأسرة، يشكلان حجر الأساس في تحقيق أقصى فائدة ممكنة وتقليل المخاطر المحتملة.
المراجع (APA 7)
Williams, K., Brignell, A., Randall, M., Silove, N., & Hazell, P. (2013). Selective serotonin reuptake inhibitors (SSRIs) for autism spectrum disorders (ASD). Cochrane Database of Systematic Reviews, (8).
Vasa, R. A., & Mazurek, M. O. (2015). Anxiety in youth with autism spectrum disorders. Current Opinion in Psychiatry, 28(2), 83–90.
Hollander, E., Phillips, A., & Chaplin, W. (2005). A placebo controlled crossover trial of liquid fluoxetine on repetitive behaviors in childhood and adolescent autism. Neuropsychopharmacology, 30, 582–589.
Posey, D. J., Erickson, C. A., & McDougle, C. J. (2006). Developing drugs for core social and communication impairment in autism. Child and Adolescent Psychiatric Clinics, 15(1), 245–268.





