ترجمة: أ. جنا الدوسري
يدور جدل واسع في الأوساط العلمية والمهنية حول ما إذا كان ما يُعرف بـ “اضطراب المعالجة الحسية” (Sensory Processing Disorder – SPD) يُعد اضطرابًا قائمًا بذاته بالفعل، أم أنه مجرد مجموعة من الأعراض التي تندرج تحت اضطرابات أخرى معروفة. هذا الخلاف لا يقتصر على الباحثين فقط، بل يمتد إلى الممارسين في الميدان؛ حيث يرى أخصائيو العلاج الوظيفي، الذين يتعاملون بشكل يومي مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات حسية، أن هذا الاضطراب حقيقي ويستحق الاعتراف والتشخيص المستقل. في المقابل، يبدي بعض أطباء الأطفال وأخصائيي علم النفس تحفظًا، ويعتقدون أن هذه الأعراض قد تكون جزءًا من اضطرابات نمائية أو نفسية أخرى، وليس اضطرابًا منفصلًا بحد ذاته. هذا التباين في وجهات النظر قد يضع الوالدين في حالة من الحيرة، خصوصًا عندما يكون هدفهم الأساسي هو مساعدة أطفالهم بأسرع وقت ممكن.
من الناحية العملية، لا يختلف أحد على أن هناك أطفالًا يواجهون صعوبات واضحة في التعامل مع المدخلات الحسية من البيئة المحيطة بهم. فقد يظهر الطفل انزعاجًا شديدًا من أصوات عادية بالنسبة لغيره، مثل صوت المكنسة الكهربائية أو ضوضاء الفصل الدراسي، وقد يتجنب بعض أنواع الأقمشة أو يرفض ارتداء ملابس معينة بسبب الإحساس غير المريح. في حالات أخرى، قد يسعى الطفل بشكل متكرر إلى الحصول على مدخلات حسية قوية، كأن يطلب العناق بشدة أو يستمتع بالضغط العميق على جسده، مثل القفز فوق الوسائد أو الانغماس بينها. هذه السلوكيات تشير بوضوح إلى وجود اختلاف في طريقة معالجة الجهاز العصبي للمثيرات الحسية، ولكن نقطة الخلاف تكمن في تفسير هذه الظاهرة: هل هي اضطراب مستقل، أم عرض من أعراض حالة أخرى؟
يرى أخصائيو العلاج الوظيفي أن هذه الصعوبات تمثل بالفعل اضطرابًا يُعرف باضطراب المعالجة الحسية، ويعتمدون في تدخلهم على ما يُسمى “النظام الحسي المنظم” أو “الحمية الحسية” (sensory diet). هذا المصطلح لا يشير إلى نظام غذائي بالمعنى التقليدي، بل إلى مجموعة من الأنشطة الحسية المخططة بعناية، تهدف إلى تزويد الطفل بالمدخلات الحسية التي يحتاجها بطريقة منظمة ومتوازنة. على سبيل المثال، قد يتضمن البرنامج أنشطة مثل التأرجح في أرجوحة قماشية، أو الضغط بين الوسائد، أو اللعب بمواد ذات قوام مختلف، وذلك بهدف مساعدة الجهاز العصبي على تنظيم استجاباته وتحسين قدرة الطفل على التفاعل مع بيئته بشكل أكثر توازنًا.
غالبًا ما يلاحظ الآباء تحسنًا ملحوظًا في سلوك أطفالهم بعد تطبيق هذه الاستراتيجيات، حيث يصبح الطفل أكثر هدوءًا، وأقل انزعاجًا من المثيرات، وأكثر قدرة على التركيز والمشاركة في الأنشطة اليومية. هذه التجارب الإيجابية تدعم قناعة الكثير من المختصين بفعالية هذه الأساليب. ومع ذلك، يشير بعض الباحثين إلى أن الأدلة العلمية الصارمة التي تثبت فعالية هذه التدخلات لا تزال محدودة. فالكثير من الدراسات المتوفرة لا تعتمد على تصميمات بحثية قوية بما يكفي، مثل التجارب العشوائية المحكمة، مما يجعل من الصعب الجزم بأن التحسن ناتج مباشرة عن التدخل الحسي، وليس عن عوامل أخرى مثل النضج الطبيعي للطفل أو تأثيرات بيئية مرافقة.
من جهة أخرى، يطرح أخصائيو علم النفس العصبي منظورًا مختلفًا، حيث يرون أن العديد من الأطفال الذين يتم تصنيفهم على أنهم يعانون من اضطراب المعالجة الحسية قد يكون لديهم في الواقع اضطرابات أخرى معروفة تتضمن صعوبات حسية كجزء من أعراضها. على سبيل المثال، يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الحالات التي ترتبط بوجود مشكلات في المعالجة الحسية، إذ يُظهر العديد من الأطفال المصابين به حساسية مفرطة أو منخفضة تجاه الأصوات أو اللمس أو الضوء. كذلك، يمكن أن يعاني الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) من صعوبات في تنظيم الاستجابات الحسية، مما قد يؤدي إلى سلوكيات مشابهة لتلك التي تُنسب إلى SPD. بالإضافة إلى ذلك، قد تلعب اضطرابات القلق دورًا في تضخيم الاستجابات الحسية، حيث يصبح الطفل أكثر حساسية للمثيرات نتيجة التوتر الداخلي.
انطلاقًا من هذا المنظور، يحذر بعض المختصين من التركيز على تشخيص SPD بمعزل عن غيره، لأن ذلك قد يؤدي إلى إغفال تشخيصات أخرى أكثر شمولًا ودقة، وبالتالي تأخير حصول الطفل على التدخلات العلاجية المناسبة. فمثلًا، إذا كان الطفل يعاني من اضطراب طيف التوحد، فإن التدخل المبكر القائم على برامج سلوكية وتعليمية متخصصة قد يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بالأنشطة الحسية وحدها. وبالمثل، إذا كانت المشكلة مرتبطة باضطراب القلق، فقد يكون العلاج النفسي أو السلوكي المعرفي أكثر أهمية في معالجة جذور المشكلة.
لهذا السبب، يُجمع معظم الخبراء، رغم اختلافاتهم، على أهمية إجراء تقييم شامل ودقيق قبل البدء في أي برنامج علاجي. هذا التقييم ينبغي أن يشمل جوانب متعددة من نمو الطفل، مثل المهارات الاجتماعية، واللغوية، والمعرفية، والانفعالية، بالإضافة إلى تقييم المعالجة الحسية. الهدف من ذلك هو تكوين صورة متكاملة عن حالة الطفل، تسمح بوضع خطة علاجية مناسبة تستند إلى احتياجاته الفعلية، وليس فقط إلى عرض واحد من أعراضه.
كما توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بضرورة متابعة فعالية أي تدخل علاجي بطريقة منهجية، وذلك من خلال استخدام أدوات قياس موضوعية، مثل مقاييس تقييم السلوك قبل بدء العلاج وبعده. هذه المقاييس تساعد في تحديد ما إذا كان الطفل قد أحرز تقدمًا حقيقيًا، وتوفر بيانات يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات مستقبلية بشأن استمرار العلاج أو تعديله. كذلك، يُنصح بوضع أهداف علاجية واضحة ومحددة منذ البداية، بحيث يكون من السهل تقييم مدى تحقيقها مع مرور الوقت.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الجدل حول اضطراب المعالجة الحسية يعكس تعقيد هذا المجال وتداخل العوامل العصبية والنفسية والسلوكية فيه. وبينما يختلف المختصون حول التصنيف والتسمية، فإنهم يتفقون على نقطة جوهرية، وهي أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات حسية بحاجة إلى دعم وفهم وتدخل مناسب. بالنسبة للوالدين، قد يكون الأهم من الدخول في هذا الجدل النظري هو البحث عن تقييم دقيق وشامل، والعمل مع فريق متخصص يضع مصلحة الطفل في المقام الأول، ويعتمد على أساليب علاجية مدروسة وقابلة للتقييم.
بهذا النهج المتوازن، يمكن تقليل الحيرة التي قد يشعر بها الوالدان، وضمان أن يحصل الطفل على الدعم الذي يحتاجه لتطوير مهاراته والتكيف مع بيئته بشكل أفضل، بغض النظر عن التسمية التشخيصية المستخدمة.
المرجع؛
The Debate Over Sensory Processing
https://childmind.org/article/the-debate-over-sensory-processing/





