ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعدّ تدريب المعلّمين على الأساليب السلوكية واحدًا من أكثر التدخلات فعالية في التعامل مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال داخل البيئة الصفّية. فالمعلم هو الشخص الأكثر احتكاكًا بالطفل خلال النشاطات اليومية، ولذلك فإن تزويده بالأدوات المناسبة لإدارة السلوك قدَّم عبر السنوات نتائج إيجابية وملموسة. ورغم أن البرامج المتوفرة حاليًا أثبتت فعاليتها، إلا أن حجم تأثيرها غالبًا ما يتراوح بين الضعيف والمتوسط، مما يشير إلى وجود مساحة كبيرة للتطوير وتعزيز الفاعلية.
من بين الاستراتيجيات السلوكية الشائعة، تبرز مجموعتان أساسيتان من التقنيات:
الأولى التقنيات السابقة للسلوك، والمعروفة بتقنيات “ضبط المثيرات”، مثل وضع هيكل واضح للدروس، وتحديد قواعد الصف، وتقديم تعليمات مباشرة وبسيطة للطفل. أما المجموعة الثانية فهي التقنيات اللاحقة للسلوك، أو ما يُعرف بإدارة العواقب، وتشمل الثناء، ونظام المكافآت، والتجاهل المخطط للسلوكيات غير المرغوبة. عادةً ما يتلقى المعلّمون تدريبًا يجمع بين المجموعتين في الوقت نفسه، فتُستخدم التعليمات الواضحة كتهيئة مسبقة للسلوك المطلوب، ثم تُعزَّز الاستجابة المناسبة من خلال الثناء أو المكافأة.
ورغم أن الدراسات التحليلية الشاملة السابقة أشارت إلى فعالية كل من التقنيات السابقة واللاحقة في تحسين الأعراض السلوكية لدى الأطفال المشخّصين بفرط الحركة أو السلوكيات المعارضة، إلا أن هذه الدراسات لم تكن قادرة على عزل أثر كل تقنية وحدها؛ لأن برامج التدريب غالبًا ما تجمع عددًا كبيرًا من المكوّنات في الوقت نفسه. ولحل هذا الإشكال ظهرت منهجية الميكروترايل، وهي طريقة بحثية تهدف إلى اختبار فعالية مكوّن واحد من التدخلات السلوكية عبر تطبيقه بشكل قصير ومركّز، ثم قياس نتائجه على مخرجات سلوكية محددة وقريبة من الحدث.
في دراسة سابقة لنفس الفريق البحثي، طُبّقت هذه المنهجية على مجموعة من الأطفال الذين أظهروا سلوكيات يصعب ضبطها داخل الصف، مثل صعوبة التركيز أثناء العمل الفردي أو كثرة الكلام خلال الشرح الجماعي. وقد أظهرت النتائج حينها أن التدخل القائم على التقنيات السابقة للسلوك، وكذلك التدخل القائم على التقنيات اللاحقة للسلوك، كانا فعّالين بشكل واضح في تقليل هذه السلوكيات، بل واستمرت التحسّنات إلى ما بعد ثلاثة أشهر من انتهاء التدريب، مما فتح الباب للتساؤل حول إمكانية امتداد هذه النتائج إلى تقييمات أشمل.
ورغم النتائج الواعدة، بقيت هناك فجوتان مهمتان تستحقان الدراسة.
الأولى: هل يمتد تأثير هذه التدخلات إلى الأعراض الأشمل للاضطراب، مثل مجموع الأعراض المرتبطة بالانتباه والاندفاع وفرط النشاط؟
والثانية: هل تنعكس هذه التغيرات السلوكية على مستوى الخلل الوظيفي الذي يواجهه الطفل داخل الصف، وهو الجانب الأكثر إزعاجًا للمعلمين وغالبًا ما يكون الدافع الأساسي لطلب المساعدة؟
سعت الدراسة الحالية إلى سد هاتين الفجوتين من خلال اختبار مدى فعالية التقنيات السابقة واللاحقة في تحسين الأعراض الكاملة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بالإضافة إلى السلوكيات المعارضة، إلى جانب تقييم التغيرات في مستوى الإعاقة الوظيفية داخل الفصل. لم تقتصر الدراسة على تقييمات المعلمين فقط، بل شملت أيضًا ملاحظات صفّية مقنّعة، يجريها مقيمون غير مشاركين في التدخل ولا يعرفون تفاصيل المجموعات، مما يمنح النتائج مصداقية أعلى ويقلّل تأثير التحيّز.
شملت العينة 90 طفلًا يعانون من أعراض ظاهرة أو شبه سريرية للاضطراب، تتراوح أعمارهم بين ستة واثني عشر عامًا. تم توزيع المعلمين عشوائيًا على ثلاث مجموعات: مجموعة طبّقت فقط التقنيات السابقة للسلوك، ومجموعة طبّقت فقط التقنيات اللاحقة، ومجموعة ثالثة وُضعت على قائمة الانتظار دون تدخل. حصلت المجموعتان التدخليتان على تدريب قصير ومكثف مكوّن من جلستين فرديتين، صُمِّمت بشكل يراعي احتياجات كل طفل وسلوكياته الأكثر إشكالية.
أُجريت التقييمات في ثلاث مراحل: قبل التدخل، مباشرة بعده، ثم بعد ثلاثة أشهر. ولرفع موثوقية النتائج، خُصِّص جزء من الأطفال لإجراء ملاحظات صفّية مباشرة من قبل مقيمين مستقلين.
أظهرت نتائج التحليل الإحصائي متعدد المستويات أن كلا المجموعتين التدخليتين حققتا انخفاضًا واضحًا في أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وفق تقييم المعلمين. لم يقتصر التحسن على ما بعد التدريب مباشرة، بل استمر حتى ثلاثة أشهر، ما يشير إلى أن هذه الاستراتيجيات القصيرة والمركزة يمكن أن تترك أثرًا طويل الأمد. كما أظهرت الملاحظات الصفية أن الأطفال أصبحوا أقل تشتتًا وأكثر قدرة على متابعة الأنشطة الصفّية، وكانت التحسّنات أوضح في جانب ضعف الانتباه مقارنة بفرط الحركة.
ورغم هذه النتائج المشجعة، لم تُظهر الدراسة أي تحسن يُذكر في السلوكيات المعارضة أو التحدّية حسب تقييمات المعلمين أو الملاحظات الصفّية. يمكن تفسير ذلك بأن التدخل كان موجَّهًا تحديدًا لأعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه، بينما تحتاج السلوكيات المعارضة عادةً لتدخلات أوسع وأكثر شمولية تُعالج الجوانب العاطفية والانفعالية.
أما على مستوى الإعاقة الوظيفية داخل الصف، فقد ارتفع الأداء اليومي للأطفال الذين تلقوا التدخل، ودعم هذا التحسن رؤية المعلمين بأن الطفل أصبح أكثر قدرة على المتابعة والاستجابة، وأقل تسببًا في تعطيل سير الدرس. ورغم أن هذا التحسن لم يصل إلى درجة التحولات الكبيرة، إلا أنه يُعدّ مؤشرًا مهمًا على أن التغييرات السلوكية—even عندما تكون محدودة نسبيًا—يمكن أن تنعكس إيجابًا على الأداء الصفّي.
تؤكد نتائج هذه الدراسة أن تقنيات السلوك البسيطة والمركّزة، سواء كانت مسبقة أو لاحقة للسلوك، قادرة على إحداث تحسن معتبر في أعراض الاضطراب داخل البيئة الصفّية، حتى عندما يتم تطبيقها من خلال تدخل قصير جدًا لا يتجاوز جلستين. وهذا يشير إلى قيمة كبيرة لهذه الأساليب، خصوصًا في المدارس التي تواجه ضغطًا في الوقت أو الموارد، وتحتاج إلى تدخلات عملية وسريعة وقابلة للتطبيق.
كما تعطي الدراسة دعمًا إضافيًا لفعالية التدخلات الفردية المخصّصة، والتي تركز على السلوكيات الأكثر إزعاجًا للطفل والمعلم معًا، بدلًا من تطبيق برامج عامة وشاملة قد تستنزف الوقت دون أن تعالج جذور المشكلة اليومية.
تفتح هذه الدراسة الباب أمام التفكير في تطوير برامج تدريب المعلّمين بطريقة أكثر ذكاءً ومرونة، بحيث تُركّز على المكوّنات الأكثر تأثيرًا بدلًا من حشر العديد من العناصر في برنامج واحد. كما تشجع على دمج التقييمات اللحظية والسياقية—مثل التقييم اليومي للسلوك—لأنها تعطي صورة واقعية ودقيقة للحظة التي يحدث فيها السلوك فعلًا.
وفي النهاية، تؤكد النتائج أن التدخلات السلوكية القصيرة، عندما تكون مصممة بعناية وموجهة نحو السلوكيات الأشد تأثيرًا على الأداء الصفّي، يمكن أن تكون أداة قوية لتحسين حياة الأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ولتخفيف العبء الواقع على المعلّم، ولتعزيز جوّ تعليمي أكثر استقرارًا وكفاءة.
المرجع:
Effectiveness of Specific Techniques in Behavioral Teacher Training
for Childhood ADHD Behaviors: Secondary Analyses of a Randomized
Controlled Microtrial
https://link.springer.com/content/pdf/10.1007/s10802-021-00892-z.pdf#page8





