الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

دعم الأطفال ذوي الفروقات في المعالجة الحسية في مرحلة الطفولة المبكرة

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تعد المعالجة الحسية عملية عصبية يقوم من خلالها الدماغ بتسجيل المعلومات الحسية، ومن ثم اختيارها وتفسيرها وتنظيمها وربطها بهدف تطوير استجابات مناسبة للمواقف والمهام المختلفة. وتعتمد هذه العملية على قدرتين رئيسيتين: التمييز الدقيق للمعلومات الحسية وفهم معانيها، مثل التعرف على الحروف أو الأصوات أو تحديد موقع الجسم في الفضاء، وكذلك القدرة على ضبط الاستجابة للمثيرات بطريقة لا تكون مفرطة أو ناقصة، وهو ما يُعرف باسم “التعديل الحسي”. وتكاد تكون كل نشاطات الإنسان اليومية مرتبطة بعملية معقدة لاستقبال المعلومات الحسية وتنظيمها من الجسم والبيئة المحيطة. وتأتي المعلومات الحسية من سبع حواس رئيسية: البصر، والشم، والسمع، والتذوق، واللمس، والحاسة الدهليزية المسؤولة عن التوازن، وحاسة الإحساس بالوضعية الجسمانية أو الاستيعاب الجسدي عبر الإشارات القادمة من العضلات والمفاصل ومختلف مستقبلات الجسم.

يحتاج الدماغ البشري إلى كمية كافية من المدخلات الحسية لتنشيط الجهاز العصبي، وتتفاوت العتبات العصبية للأفراد بين منخفضة وعالية. أي أن هناك اختلافات كبيرة في كيفية إدراك الناس للمثيرات الحسية واستجابتهم لها. فبعض الأشخاص لديهم عتبة منخفضة أو حساسية مفرطة تجاه بعض الحواس، ما يجعلهم يلتقطون التفاصيل الحسية الدقيقة ويستجيبون لها بشكل أكبر، بينما قد يكون لدى آخرين عتبة عالية فتقل لديهم الاستجابة لبعض المعلومات الحسية، أو قد لا يلاحظونها على الإطلاق.

الأطفال الذين يعانون من فروقات في المعالجة الحسية قد يقومون بتسجيل ومعالجة المعلومات الحسية من أجسامهم وبيئتهم بطرق غير معتادة. وقد تحدث هذه الفروقات في حاسة واحدة أو أكثر، مما يؤثر على سلوكياتهم ومشاعرهم وأنماط انتباههم. فالأطفال ذوو العتبة العالية تجاه المثيرات يحتاجون إلى محفزات قوية لتنشيط نظامهم العصبي، وقد يتجاهلون بعض المثيرات أو يسعون للحصول على محفزات أقوى بشكل متعمد. أما الأطفال ذوو العتبة المنخفضة فيلاحظون المثيرات البسيطة بسرعة ويستجيبون لها، وقد يجدون بعض الأحاسيس اليومية مزعجة أو مؤلمة. كما أنهم قد يواجهون صعوبة في استخدام آلية الدماغ في تصفية أو تجاهل المثيرات غير المهمة أو المتكررة، وهي ما تُعرف باسم “البوابة الحسية”، مما يجعلهم غير قادرين على تجاهل أصوات معينة، مثل طنين أضواء الفلورسنت بمجرد ملاحظتها. من الجدير بالذكر أن العتبات قد تختلف من حاسة لأخرى، وقد يعاني الطفل من صعوبة في دمج المعلومات الحسية القادمة من حواس متعددة، وهو ما يُعرف بالتكامل الحسي المتعدد.

تحدث فروقات المعالجة الحسية نتيجة لخصائص معينة في البنية العصبية للدماغ، وتبدأ العمليات المرتبطة مثل البوابة الحسية والتكامل الحسي المتعدد في النمو منذ مرحلة الطفولة المبكرة، ولكنها تنضج بشكل مختلف لدى الأطفال ذوي فروقات المعالجة الحسية. ويمكن ملاحظة هذه الاختلافات في سلوكيات الرضع، وغالبًا ما تستمر حتى سن الثامنة تقريبًا. من المهم أن نؤكد أن هذه الفروقات ليست نتيجة سوء تربية أو اضطرابات سلوكية، رغم أن الأطفال المولودين قبل الأوان يكونون أكثر عرضة لها. كما يمكن أن تظهر هذه الفروقات بشكل مستقل، أو كجزء من تشخيص آخر، مثل اضطرابات طيف التوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وتتنوع أنواع هذه الفروقات وشدتها، فقد يعاني الأطفال من صعوبات في تعديل الاستجابات للمثيرات أو في تمييز المعلومات الحسية، أو من صعوبات حسية مرتبطة بالمهارات الحركية، مثل عسر الحركة أو اضطراب التنسيق الحركي التطوري.

يمكن ملاحظة بعض العلامات لدى الأطفال ذوي فروقات المعالجة الحسية. إذ تعمل المعالجة الحسية كنظام إدارة يمكّن الأطفال من استقبال الأحاسيس ومعالجتها بطريقة هادئة ومنظمة، وعندما يحدث خلل في هذا النظام، يشعر الطفل بالفوضى الداخلية. وتتنوع السلوكيات الناتجة عن ذلك، لكنها غالبًا تعكس محاولات الطفل التكيف مع المثيرات الحسية لتجنب الانزعاج. وقد تشمل هذه الفروقات تأثيرات على نمط النوم، أو مشكلات مثل المغص المعوي، كما أن تحديات المعالجة الحسية قد تتغير خلال اليوم أو من يوم لآخر، وتختلف باختلاف السياق.

الأطفال ذوو الحساسية المفرطة قد يكونون حساسون تجاه لمسات خفيفة جدًا، أو أصوات عالية، أو روائح قوية، أو أحاسيس لمسية معينة، مثل استخدام الألوان أو اللعب الفوضوي، أو أثناء ممارسة أنشطة العناية الذاتية كالاستحمام وغسل الشعر وتنظيف الأسنان، أو تناول بعض أنواع الطعام. وقد يتجنبون المشاركة في الأنشطة الجماعية، أو البيئات المزدحمة، أو الأضواء الساطعة، أو الاتصال البصري، ويظهرون غالبًا خوفًا، أو انفعالًا، أو قلقًا مفرطًا، أو على العكس، عنادًا وتمسكًا بالروتين. كما أن ردودهم العاطفية على المثيرات الحسية قد تكون سريعة وشديدة وطويلة المدى، فقد يصابون بالهلع إذا صدمهم أحد، أو يبالغون في الاستجابة للألم. وقد يرفضون بعض الملابس أو الأنشطة الحركية التي تتضمن تغيرات في الوضعية، ويعانون غالبًا من ضعف في مهارات ضبط النفس، فيظهرون سلوكيات “مواجهة” كالانفعال والبكاء، أو “هروب” كالانسحاب أو الجري.

أما الأطفال ذوو الاستجابة المنخفضة للمثيرات فيبدون أقل استجابة أو متأخرين في الاستجابة للمحفزات، بما في ذلك الألم أو سماع اسمهم، وغالبًا ما يكونون غير مدركين لما حولهم، مثل عدم الانتباه إلى وجوههم المتسخة أو سقوط شيء من أيديهم. وقد يكونون أخرقين، أو يستخدمون قوة زائدة دون إدراك، ويميلون إلى الاقتراب الشديد من الآخرين بسبب ضعف إدراكهم للمساحة الشخصية. وغالبًا ما يكونون غير مهتمين أو منعزلين اجتماعيًا، وكسالى، ويميلون إلى النوم كثيرًا.

الأطفال الباحثون عن التحفيز الحسي يسعون بشكل مفرط إلى الحصول على الأحاسيس، مثل إصدار أصوات عالية، أو تفضيل روائح قوية، أو لمس كل شيء، أو الاقتراب الشديد من الآخرين، أو السلوك العدواني أحيانًا. وقد يخاطرون بشكل مفرط أو يسعون لتجارب حركة مكثفة مثل الدوران أو الركض أو التسلق، أو يتعرضون للضغط الجسدي عبر المصارعة أو الدفع. وغالبًا ما يكونون في حركة مستمرة، يمضغون ملابسهم، أو يستخدمون أصابعهم في لمس أجسامهم، أو يكررون أصواتًا مثل الهمهمة أو الغناء. ويجدون صعوبة في الهدوء والاسترخاء قبل النوم.

تؤثر فروقات المعالجة الحسية على التعلم والنمو لدى الأطفال بشكل واضح، إذ يحتاج الأطفال لمعالجة المعلومات من العالم من حولهم لتطوير المهارات الأكاديمية والحركية وإدارة الأنشطة اليومية. وتدعم المعالجة الحسية الأطفال على التركيز والانتباه، وتنفيذ المهام والأنشطة، ما يجعلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتحصيل الأكاديمي في مرحلة الطفولة المبكرة والانتقال إلى المدرسة. وقد يعاني الأطفال ذوو الفروقات الحسية من صعوبة في الحفاظ على مستوى انتباه مناسب أو حالة تأهب ملائمة، ما يؤدي إلى زيادة القلق والتوتر. كما قد يواجهون صعوبة في تحويل المعلومات الحسية إلى تخطيط وتنفيذ للحركات، ما يؤثر على متعتهم بالأنشطة، ويضعف احترامهم لذاتهم وثقتهم بأنفسهم.

تؤثر هذه الفروقات أيضًا على قدرة الأطفال على ضبط النفس وتنظيم العواطف. فعلى الرغم من أن السبب الأساسي للفروقات الحسية هو اختلافات عصبية، إلا أنها قد تؤدي إلى مشاكل عاطفية إذا لم يمتلك الأطفال المهارات اللازمة لملاحظة محرضاتهم الحسية والبحث عن استجابات مناسبة، مثل الانتقال إلى زاوية هادئة للاسترخاء. وبدون وعي بالمحفزات، قد يشعر الأطفال بالإرهاق بسرعة ويعبرون عن مشاعرهم من خلال العدوان أو الانسحاب، مما يؤدي إلى فترات متكررة من الانفعالات السلبية المكثفة، وقد تتطور لاحقًا إلى اضطرابات قلق. وقد لوحظ أن الفروقات الحسية تسبب ضغطًا مزمنًا، والاكتئاب، وضعف الثقة بالنفس في الأطفال في سن المدرسة، كما لوحظت أيضًا لدى بعض الأفراد الذين يعانون من مشاكل نفسية متنوعة. لذلك، من المهم دعم الأطفال لتطوير مهارات تنظيم العواطف والبحث عن طرق للتكيف مع المثيرات الحسية المزعجة.

تؤثر الفروقات الحسية أيضًا على التفاعلات الاجتماعية، إذ قد يؤدي الانسحاب أو الدفاعية الاجتماعية الناتجة عن الاستجابة المفرطة للمثيرات الحسية إلى تقليل فرص التجارب الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين. وقد يتصرف الأطفال الباحثون عن التحفيز بشكل متهور دون التفكير في تأثير سلوكهم على الآخرين، ما يضعف مهاراتهم الاجتماعية. كما تؤثر هذه الفروقات على الأسرة بأكملها، إذ تشير الدراسات إلى أن الأمهات اللواتي لديهن أطفال ذوو حساسية غذائية يعانين من مستويات أعلى من القلق والاكتئاب وانخفاض الكفاءة الذاتية. ويصف الآباء شعورهم بالإرهاق بسبب حساسية أطفالهم، ما يحد أحيانًا من الأنشطة الأسرية ويؤثر على رفاهية الأسرة. وقد يؤثر الإجهاد على قدرة مقدمي الرعاية على الاستجابة بدقة وحساسية لاحتياجات الطفل، مما يعيق بناء علاقات التعلق الإيجابية الضرورية للنمو المبكر للذات وتنظيم العواطف وتطور الدماغ.

كما أن الفروقات الحسية لدى الأطفال يمكن أن تسبب تحديات للمجموعة الأوسع، إذ أن حاجة الأطفال إلى المدخلات الحسية قد تؤدي إلى سلوكيات تشتت انتباه الآخرين، ويحتاج الأطفال غالبًا إلى تحفيز أكبر للحفاظ على الانتباه. وقد يتحركون بشكل مفرط أو يصدرون أصواتًا مستمرة، ما يؤثر على قدرتهم وقدرة الآخرين على المشاركة في الأنشطة.

يمكن للمعلمين دعم الأطفال ذوي الفروقات الحسية بتوفير بيئة تعليمية مريحة ومتوازنة بين الأنشطة النشطة والهادئة، وتقديم الفرص للأطفال للمشاركة في أنشطتهم الحسية المفضلة لدعم استقرارهم وجاهزيتهم للتعلم والتفاعل. وقد تساعد الحركة في تهدئة وتنظيم الجهاز الحسي، خاصة الأنشطة التي توفر ضغطًا من خلال العضلات والمفاصل مثل القفز والدفع والسحب والرفع. كما يمكن أن تهدئ الأنشطة مثل التأرجح والدوران بعض الأطفال، بينما تثير آخرين. ويجب تعديل البيئة التعليمية لتجنب البيئات المزدحمة أو المزعجة، وتخفيف توقعات السلوك بما يتناسب مع قدرات الأطفال، مثل السماح بفترات حركة واستراحة. ويُفضل استخدام أصوات هادئة بدلاً من العالية لمساعدة الأطفال على تنظيم أنفسهم، ومراجعة المدخلات البصرية مثل الإضاءة والألوان وكمية الصور والملصقات على الجدران لتقليل التحفيز الزائد.

باختصار، يتطلب دعم الأطفال ذوي الفروقات في المعالجة الحسية فهمًا دقيقًا لطبيعة هذه الفروقات وتوفير بيئة مرنة ومتجاوبة تلبي احتياجاتهم، ما يتيح لهم التعلم، والنمو الاجتماعي، والعاطفي، والجسدي بشكل متوازن وآمن.

المرجع:

Supporting children with sensory processing differences in early childhood

https://theeducationhub.org.nz/supporting-children-with-sensory-processing-differences-in-early-childhood/