ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يواجه عدد كبير من الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد صعوبة واضحة في الجلوس لفترات زمنية متواصلة، سواء داخل الفصل الدراسي أو في المنزل أو أثناء الأنشطة اليومية المختلفة. قد يظهر ذلك في صورة حركة مستمرة، تململ متكرر، الوقوف دون سبب واضح، أو التجول أثناء وقت يتطلب الجلوس والتركيز. من المهم التأكيد على أن هذه السلوكيات لا تعكس تحديًا متعمدًا أو عدم رغبة في الالتزام، بل غالبًا ما تكون استجابة طبيعية لصعوبات تتعلق بالمعالجة الحسية، والتنظيم الذاتي، أو القدرة على التعامل مع المثيرات البيئية المحيطة.
إن فهم هذه الصعوبات يمثل خطوة أساسية في دعم الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، حيث يساعد هذا الفهم على تقديم تدخلات مناسبة تحترم احتياجات الطفل الفردية وتدعم نموه وتطوره. في أكاديمية CST، يتم التعامل مع هذه التحديات من منظور شامل يركز على الطفل ككل، من خلال توفير بيئة داعمة واستراتيجيات قائمة على الأدلة العلمية، تهدف إلى تعزيز التركيز، وتنمية مهارات الجلوس، وبناء الثقة بالنفس دون الضغط على الطفل أو تجاهل احتياجاته الحسية والنمائية.
لماذا يواجه بعض الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد صعوبة في الجلوس؟
تعود صعوبة الجلوس لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد إلى عدة عوامل متداخلة، تختلف من طفل لآخر حسب احتياجاته وقدراته الفردية.
أحد أبرز هذه العوامل هو الاختلاف في المعالجة الحسية. قد يكون لدى الطفل حساسية مفرطة لبعض المثيرات مثل الأصوات أو الإضاءة أو ملمس الكرسي، مما يجعله يشعر بعدم الراحة عند الجلوس. في المقابل، قد يسعى بعض الأطفال إلى الحصول على مدخلات حسية إضافية، فيلجؤون إلى الحركة المستمرة كوسيلة لتنظيم أجسامهم.
كما تلعب صعوبات التنظيم الذاتي دورًا مهمًا، حيث قد يواجه الطفل تحديًا في إدارة طاقته الجسدية أو حالته الانفعالية، خاصة أثناء الأنشطة المنظمة التي تتطلب الانتباه لفترة زمنية محددة.
تُعد التحديات المرتبطة بالوظائف التنفيذية عاملًا إضافيًا، وتشمل هذه الوظائف مهارات مثل التركيز، والتخطيط، وضبط الاندفاع، والانتقال بين المهام. عندما تكون هذه المهارات غير مكتملة النمو، يصبح الجلوس لفترة طويلة أمرًا شاقًا على الطفل.
إضافة إلى ذلك، قد تؤثر عوائق التواصل على قدرة الطفل على التعبير عن احتياجاته أو شعوره بعدم الارتياح، فيلجأ إلى الحركة الجسدية كوسيلة للتواصل. ولا يمكن إغفال الفروق النمائية الطبيعية، إذ ينمو كل طفل وفق وتيرته الخاصة، وقد يحتاج بعض الأطفال إلى وقت أطول ودعم أكثر لاكتساب مهارات الجلوس والتركيز.
أهمية الفهم بدلًا من تصنيف السلوك
يُعد تغيير النظرة إلى سلوك الطفل خطوة جوهرية في دعمه. فعوضًا عن تصنيف الحركة المستمرة كسلوك غير مرغوب فيه، ينبغي النظر إليها كمؤشر على حاجة غير ملباة. هذا التحول في الفهم يساعد المختصين والأسر على تبني استراتيجيات أكثر فاعلية وإنسانية، تركز على تهيئة البيئة وتقديم الدعم بدلًا من فرض التوقعات غير المناسبة لقدرات الطفل الحالية.
عندما يشعر الطفل بأن احتياجاته مفهومة ومحترمة، يكون أكثر استعدادًا للتعلم والمشاركة، وتزداد فرص نجاح التدخلات التعليمية والعلاجية.
كيف تساعد أكاديمية CST الأطفال على بناء التركيز والشعور بالراحة؟
تعتمد أكاديمية CST نهجًا فرديًا قائمًا على التعاطف لفهم احتياجات كل طفل وتصميم خطة دعم مناسبة له. ترتكز البرامج العلاجية والتعليمية على الدمج بين الجوانب الحسية، والنمائية، والسلوكية، من خلال بيئة منظمة وآمنة.
بيئة داعمة للمعالجة الحسية
تم تصميم الفصول الدراسية بحيث تقلل من المثيرات المزعجة وتعزز الشعور بالأمان. تشمل البيئة زوايا هادئة، وأدوات حسية مهدئة، ومساحات مرنة تتيح للطفل اختيار المكان الذي يشعره بالراحة. يساعد هذا التنظيم على تقليل التوتر وزيادة القدرة على الجلوس والمشاركة.
فترات حركة منظمة
تُدمج فترات حركة قصيرة ومخطط لها ضمن الروتين اليومي، مما يسمح للطفل بتفريغ طاقته بطريقة منظمة. تساهم هذه الفترات في تحسين التركيز عند العودة إلى الأنشطة التي تتطلب الجلوس، كما تعزز وعي الطفل بجسده وقدرته على تنظيم حركته.
تدخلات يقودها مختصون
يعمل مختصو العلاج الوظيفي على استخدام استراتيجيات التكامل الحسي لمساعدة الطفل على التعامل مع المثيرات المختلفة. تشمل هذه التدخلات أنشطة الإحساس العميق، والضغط المنظم، واستخدام أدوات تساعد على التهدئة وتنظيم الاستجابة الحسية.
خيارات جلوس مرنة
تُوفر الأكاديمية بدائل متعددة للجلوس، مثل الكراسي المرنة، والوسائد الأرضية، والطاولات التي تسمح بالوقوف، مما يمنح الطفل شعورًا بالتحكم والراحة، ويقلل من مقاومة الجلوس.
التعلم القائم على اللعب والحركة
يتم دمج الحركة في الأنشطة التعليمية بهدف جعل التعلم أكثر جذبًا وتفاعلًا. يتيح هذا الأسلوب للطفل ممارسة مهارات الجلوس والتركيز في سياق ممتع وغير ضاغط، مما يعزز التعلم الطبيعي والتدريجي.
الشراكة مع الأسرة
تؤمن أكاديمية CST بأن الأسرة شريك أساسي في نجاح الطفل، لذلك يتم العمل بشكل مستمر مع الوالدين لتزويدهم باستراتيجيات قابلة للتطبيق في المنزل، بما يضمن استمرارية الدعم وتعميم المهارات المكتسبة في مختلف البيئات.
استراتيجيات عملية لدعم الطفل في المنزل
يمكن للأسر تطبيق العديد من الاستراتيجيات البسيطة والفعالة لدعم الطفل في بيئته اليومية. من أهمها تخصيص مساحة هادئة تحتوي على أدوات حسية تساعد الطفل على التنظيم الذاتي، واستخدام الجداول البصرية لتوضيح الروتين اليومي وتحديد مدة الجلوس المطلوبة.
كما يُنصح بإدخال فترات حركة منتظمة خلال اليوم، وتوفير خيارات جلوس مرنة، وتعزيز المحاولات الإيجابية للطفل من خلال الثناء والتشجيع. تقسيم الأنشطة الطويلة إلى مهام قصيرة يساعد الطفل على البقاء منخرطًا دون الشعور بالإرهاق أو الإحباط.
أثر تنمية مهارات الجلوس والتركيز على حياة الطفل
إن دعم مهارات الجلوس والتركيز لا يقتصر أثره على البيئة التعليمية فقط، بل يمتد ليشمل جوانب متعددة من حياة الطفل. تساعد هذه المهارات على تحسين التفاعل الاجتماعي، وتعزيز المشاركة في الأنشطة الجماعية، وتنمية الاستقلالية في الروتين اليومي.
كما يسهم النجاح في الجلوس والتركيز في بناء ثقة الطفل بنفسه، ويعزز شعوره بالإنجاز، مما ينعكس إيجابًا على دافعيته للتعلم واستعداده لتجربة مهارات جديدة.
لماذا تختار الأسر أكاديمية CST؟
تثق الأسر في أكاديمية CST لما تقدمه من رعاية شاملة قائمة على الفهم العميق لاحتياجات الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد. يتميز الفريق بتعدد تخصصاته وخبرته، وتُصمم البرامج بشكل فردي يراعي قدرات الطفل وأهدافه. كما توفر الأكاديمية بيئة شاملة وداعمة، مع تركيز قوي على التعاون مع الأسرة لضمان استمرارية التقدم.
خاتمة
إن صعوبة الجلوس لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد ليست عائقًا دائمًا، بل تحديًا يمكن التعامل معه من خلال الفهم والدعم المناسبين. عندما يتم احترام احتياجات الطفل، وتوفير بيئة مرنة، وتطبيق استراتيجيات مدروسة، يصبح من الممكن مساعدة الطفل على تطوير التركيز والتنظيم الذاتي وبناء مسار ناجح نحو التعلم والاستقلالية.
المرجع
Supporting Children with Autism Who Struggle to Sit Still: A Path to Focus and Success





