ترجمة : أ. نوره الدوسري
يُعد تعليم مهارة التقليد الصوتي للأطفال من المهارات الأساسية التي تشكل قاعدة للتواصل الفعّال. يُعرف التقليد الصوتي، أو التقليد اللفظي، بأنه القدرة على تكرار الأصوات أو الكلمات أو العبارات بعد سماعها. وتمثل هذه المهارة أهمية خاصة للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، إذ تُسهم في تطوير اللغة وتعزز التفاعل الاجتماعي لديهم. في هذا المقال، نستعرض استراتيجيات عملية لتعليم التقليد الصوتي للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، أهمية هذه المهارات في العلاج النطقي، وكيفية دمجها ضمن جلسات تحليل السلوك التطبيقي (ABA) وغيرها من الأنشطة المخصصة للأطفال ذوي اضطرابات النمو.
أهمية مهارة التقليد الصوتي
قبل استعراض الاستراتيجيات العملية، من المهم فهم السبب وراء أهمية مهارة التقليد الصوتي. تلعب هذه المهارة دورًا جوهريًا في العلاج النطقي، حيث تساعد الأطفال على تعلم كلمات وأصوات جديدة ضمن سياق طبيعي. من خلال التقليد الصوتي، يتمكن الطفل من ممارسة مهارات النطق والفونيمات (الأصوات اللغوية) في بيئة داعمة، مما يعزز قدرته على التعبير والتواصل بشكل أفضل.
بالنسبة للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، يشكل التقليد الصوتي بوابة لتعلم مهارات لغوية أكثر تعقيدًا. فهو يشجعهم على الانخراط في المحادثات والاستجابة بشكل مناسب، مما يعزز قدراتهم الاجتماعية. كما يمكن دمج التقليد الصوتي في الأنشطة اليومية والروتين اليومي للأطفال لتسهيل التعبير عن احتياجاتهم ومشاعرهم بشكل أوضح وأكثر فعالية.
استراتيجيات فعّالة لتعليم التقليد الصوتي
1. نمذجة الأصوات والكلمات
إحدى الاستراتيجيات الأكثر فاعلية هي نمذجة الأصوات والكلمات، أي القيام بنطق واضح للأصوات أو الكلمات المراد من الطفل تقليدها. يُنصح بالنطق بطريقة بطيئة ومبالغ فيها قليلًا لتسهيل عملية التقليد.
نصيحة عملية: استخدم سياقات متنوعة لنمذجة الكلمات. على سبيل المثال، عند تعليم صوت “مو” لصوت البقرة، أظهر صورة البقرة أثناء النشاط ليتمكن الطفل من الربط بين الصورة والصوت، مما يعزز تجربة التعلم.
يمكن استخدام بطاقات تعليم النطق التي تحتوي على أصوات مكونة من نمط CVCV (حروف ساكنة – حروف متحركة) سواء بنسخة رقمية أو مطبوعة، لتكون وسيلة ممتعة وفعّالة أثناء التعليم.
2. دمج الأغاني والأناشيد
تُعد الموسيقى أداة ممتازة لتعليم التقليد الصوتي. إذ يمكن أن تجعل الغناء والأناشيد التعليمية عملية التعلم ممتعة وجاذبة للأطفال. تساعد الأنماط الإيقاعية والتكرارات في تذكر الأصوات والكلمات بسهولة أكبر.
نصيحة عملية: اختر أغاني تحتوي على عبارات بسيطة ومتكررة. على سبيل المثال، الأغاني الكلاسيكية مثل “Twinkle, Twinkle, Little Star” أو “Baa, Baa, Black Sheep” تساعد في تشجيع التقليد الصوتي بطريقة ممتعة ومرحة.
يمكن أيضًا استخدام أنشطة قائمة على الأغاني لتعزيز ممارسة التقليد الصوتي، حيث توفر هذه الأنشطة بيئة محفزة للطفل وتجعل التعلم ممتعًا وفعّالًا.
3. استخدام الوسائل البصرية الداعمة
تُعزز الوسائل البصرية، مثل البطاقات التعليمية أو الكتب المصورة، مهارات التقليد الصوتي. عند رؤية الطفل للصور المرتبطة بالأصوات أو الكلمات، يصبح من الأسهل عليه فهم ما يجب تقليده.
نصيحة عملية: أنشئ مجموعة بطاقات تحتوي على صور حيوانات أو أشياء مع كتابة الصوت المقابل لها. على سبيل المثال، صورة كلب مع كلمة “bark” تساعد الطفل على الربط بين الجانب البصري والسمعي للكلمة.
الوسائل البصرية تعد من الأدوات الأساسية في التعلم، حيث يمكن استخدامها لتقوية الكلمات التي يتم نمذجتها صوتيًا وتعزيز الفهم لدى الطفل.
4. التعزيز الإيجابي
يُعد التعزيز الإيجابي عنصرًا أساسيًا في تعليم التقليد الصوتي. يجب الاحتفال بمحاولات الطفل لتقليد الأصوات والكلمات، حتى وإن لم تكن دقيقة تمامًا. هذا التشجيع يبني الثقة ويحفز الطفل على الاستمرار في المحاولة.
نصيحة عملية: استخدم المكافآت الملموسة أو الثناء اللفظي عند تقليد الطفل للصوت أو الكلمة بنجاح. على سبيل المثال، تصفيق أو ملصق يمكن أن يكون حافزًا فعالًا خلال جلسات ABA.
5. الممارسة المتكررة
الممارسة المنتظمة هي المفتاح لإتقان مهارة التقليد الصوتي. يجب خلق فرص للطفل لتكرار الأصوات والكلمات على مدار اليوم، ودمج هذه الممارسات خلال أوقات اللعب، والوجبات، وغيرها من الأنشطة اليومية لتعزيز التعلم.
نصيحة عملية: حول الأنشطة اليومية إلى ألعاب تقليد صوتي. على سبيل المثال، أثناء تناول وجبة خفيفة، نمذج صوت الطعام مثل “قرقعة” للشيبس، وشجع الطفل على تكراره.
يمكن الاستفادة أيضًا من جلسات التدريب القائمة على التجربة المتقطعة (Discrete Trial Training) أو التعليم في البيئة الطبيعية (Natural Environment Training) لتعزيز ممارسة التقليد الصوتي بطرق ممتعة وواقعية.
متى يُفضل التركيز على مهارة التقليد الصوتي؟
معرفة الوقت المناسب لممارسة التقليد الصوتي لا يقل أهمية عن الاستراتيجيات نفسها. أفضل الأوقات تشمل:
- الروتين اليومي: دمج التقليد الصوتي خلال أنشطة مثل تنظيف الأسنان أو ارتداء الملابس.
- الأنشطة المنظمة: خلال جلسات العلاج النطق والتخاطب أو جلسات ABA للتركيز على أصوات أو كلمات محددة.
- وقت اللعب: استخدام الألعاب التفاعلية والأنشطة التعليمية لجعل التعلم ممتعًا ومحفزًا.
تشجيع التقليد الصوتي في الحياة اليومية يساهم في تعزيز ثقة الأطفال في مهارات النطق لديهم. ومع الصبر والإبداع، يمكن لهذه الاستراتيجيات أن تمهد الطريق للتواصل الفعّال وتحسين التفاعل الاجتماعي.
خلاصة
يمكن القول إن دمج هذه الاستراتيجيات في تعليم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد مهارة التقليد الصوتي يسهم بشكل كبير في تطوير قدراتهم اللغوية والتواصلية. استخدام النمذجة، الأغاني، الوسائل البصرية، التعزيز الإيجابي، والممارسة المنتظمة يُشكل نهجًا متكاملًا يساعد الطفل على اكتساب مهارة أساسية للتواصل الفعّال.
كما أن الموارد المخصصة للتقليد الصوتي، مثل بطاقات النطق أو أنشطة الأغاني والألعاب التفاعلية، تضيف بعدًا ممتعًا وعمليًا للتعلم، مما يحفز الطفل ويجعل التجربة التعليمية أكثر جدوى وفعالية.
باختصار، مهارة التقليد الصوتي ليست مجرد نشاط تعليمي، بل هي خطوة أساسية لبناء لغة الطفل وتطوير قدراته على التعبير الاجتماعي واللغوي بشكل مستقل وواثق.
المرجع :
Strategies for Teaching Vocal Imitation to Children:





