الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

 الهوية الاجتماعية والصحة النفسية لدى ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)

 

ترجمة: أ. سوار الماجري

 

يُعد اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) تاريخياً وطبياً مجرد تشخيص إكلينيكي يصف مجموعة من التحديات السلوكية والمعرفية المتعلقة بالتركيز والاندفاعية. ومع ذلك، يشهد العصر الحالي تحولاً فكرياً واجتماعياً بارزاً؛ حيث بدأ يُنظر إلى هذا الاضطراب ليس فقط كحالة طبية، بل كـ “هوية اجتماعية” ينتمي إليها الأفراد ويشكلون من خلالها مجتمعات تدعم بعضها البعض. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تأثير هذا المفهوم الجديد للهوية على الرفاهية النفسية وجودة الحياة للأشخاص البالغين الذين يعيشون مع هذا التشخيص.

ويستند هذا التحول الفكري إلى “نظرية الهوية الاجتماعية”، حيث يمنح الانتماء إلى مجموعة تتشارك نفس التحديات شعوراً بالقيمة والدعم المتبادل، مما يساعد البالغين على الانتقال من محيط الوصمة والنعوت السلبية—مثل التكاسل أو الفوضوية—إلى فهم أعمق للذات في إطار التنوع العصبي. ومع ذلك، فإن مجرد الارتباط القوي بالاضطراب كـ “هوية” لا يضمن تلقائياً خفض مستويات القلق أو الاكتئاب، بل يكمن الرابط الحقيقي في تحقيق “الرضا عن الذات” (Satisfaction) والتصالح مع الطبيعة العصبية للفرد، وهو ما ينعكس إيجاباً على تقدير الذات والرفاهية العامة.

وقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر في تشكيل هذه الهوية الحديثة وتكريسها كمصدر أساسي للتعلم وتبادل التجارب الحية خارج الأطر الطبية التقليدية. وتمتاز ديموغرافية صناعة المحتوى الرقمي الخاص بالاضطراب بهيمنة ساحقة للأفراد المشخصين أنفسهم بنسبة تتراوح بين 60% إلى 92%، حيث يظهر الفرد كمتحدث فاعل يشرح معاناته وخبرته الذاتية مباشرة أمام الكاميرا، في حين يظل حضور المتخصصين ضئيلاً (أقل من 30%) مع انعدام شبه تام للمشاركة العائلية.

ورغم دور هذه الفضاءات الرقمية في تعزيز التضامن الاجتماعي، إلا أنها تفرض تحديات عيادية وتربوية نتيجة تمرير ادعاءات مضللة وخلط المفاهيم العلمية؛ كتوظيف مفهوم “دوام الأشياء” (Object Permanence) بشكل مشوه لتفسير النسيان، أو تصوير السلوكيات البشرية الطبيعية الناتجة عن الإجهاد والتشتت المؤقت كأدلة قطعية تبرر التبني والتشخيص الذاتي للاضطراب.

ويتجلى عمق اندماج الاضطراب في الهوية الشخصية عبر جدلية المصطلحات اللغوية المعرّفة للذات؛ حيث تنقسم الخيارات بين لغة “الشخص أولاً” (مثل: شخص مشخّص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه) وهي الصيغة التي تفضلها الأغلبية بهدف الفصل بين كينونة الإنسان والحالة الطبية، وبين لغة “الهوية أولاً” (مثل: مشخّص بالـ ADHD) التي يميل إليها الأفراد الأكثر ارتباطاً بالاضطراب كركيزة أساسية في حياتهم اليومية، وغالباً ما يترافق ذلك مع الاستخدام المستمر للأدوية العلاجية.

1. مفهوم الهوية الاجتماعية في سياق الاختلاف العصبي

يرتبط اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) تاريخياً وطبياً بكونه تشخيصاً إكلينيكياً يصف مجموعة من التحديات السلوكية والمعرفية المتعلقة بالتركيز والاندفاعية. ومع ذلك، يشهد العصر الحالي تحولاً فكرياً واجتماعياً بارزاً؛ حيث لم يعد يُنظر إليه مجرد حالة طبية، بل كـ “هوية اجتماعية” ينتمي إليها الأفراد ويشكلون من خلالها مجتمعات تدعم بعضها البعض. وتستند الفكرة الأساسية في هذا السياق إلى “نظرية الهوية الاجتماعية”، والتي تشير إلى أن شعور الفرد بالانتماء إلى مجموعة معينة تشاركه نفس الصفات أو التحديات يمكن أن يمنحه شعوراً بالقيمة والدعم المتبادل. في حالة بالغي اضطراب (ADHD)، فإن تبني هذا التشخيص كجزء من الهوية يمثل خطوة محورية للانتقال من محيط الوصمة والنعوت السلبية (مثل التكاسل أو الفوضوية) إلى فهم أعمق للذات في إطار التنوع العصبي.

ومع ذلك، يطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول كيفية تأثير هذا المفهوم الجديد للهوية على الرفاهية النفسية وجودة الحياة للأشخاص البالغين. وتظهر الدراسة بُعداً معقداً في هذا الإطار: إن مجرد الارتباط القوي بالاضطراب كـ “هوية” لا يضمن تلقائياً تحسين الصحة النفسية أو خفض مستويات القلق والاكتئاب. بل إن الرابط الحقيقي والأكثر أهمية يكمن في جانب محدد من هذه الهوية وهو “الرضا عن الذات” (Satisfaction) والتصالح التام مع الطبيعة العصبية للفرد. فعندما يصل الشخص البالغ إلى مرحلة التصالح والرضا القائم على فهم طبيعته العصبية، ينعكس ذلك إيجاباً وبشكل مباشر على تقديره لذاته ورفاهيته العامة، مما يساهم بطريقة غير مباشرة في حماية صحته النفسية وتعزيز جودة حياته.

2. جدلية المصطلحات: لغة “الشخص أولاً” مقابل “الهوية أولاً”

من المحاور الرئيسية للموضوع هي الطريقة التي يفضل بها الأفراد تعريف أنفسهم لغوياً، وهي مسألة تعكس عمق اندماج الاضطراب في الهوية الشخصية:

  • لغة “الشخص أولاً” (Person-first language): مثل عبارة “شخص مشخّص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه”. تُظهر التوجهات أن غالبية البالغين يفضلون هذه الصيغة. الهدف منها هو الفصل بين كينونة الإنسان كشخص كامل وبين الاضطراب، بحيث يُنظر إلى (ADHD) كحالة طبية يمتلكها الفرد أو يتعايش معها، وليست السمة الأساسية المعرّفة له.

  • لغة “الهوية أولاً” (Identity-first language): مثل وصف الشخص لنفسه بأنه “مشخّص بالـ ADHD” (بصيغة تجعل الاضطراب صفة ملازمة للذات). يميل إلى هذا الخيار الأشخاص الأكثر ارتباطاً بالاضطراب كـ “هوية اجتماعية” مركزية في حياتهم، وغالباً ما يترافق ذلك مع استخدام الأدوية العلاجية التي تؤكد على الوجود اليومي والمستمر لأثر الاضطراب في حياتهم.

3. دور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية

يرتبط تشكيل هذه الهوية الحديثة ارتباطاً وثيقاً بـ منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما منصات مثل “تيك توك” و”يوتيوب”، والتي أصبحت مصدراً أساسياً للتعلم واكتساب المعرفة حول الاضطراب. فخلافاً للمصادر الطبية التقليدية، توفر وسائل التواصل الاجتماعي مساحات رقمية مفتوحة لمشاركة التجارب الحية، مما يسهل على البالغين العثور على أقران يشبهونهم. هذا التفاعل الرقمي يساهم بشكل مباشر في رفع مستوى “تحديد الهوية الاجتماعي” بالاضطراب والشعور بالانتماء إلى مجتمع يضم ذوي الاختلاف العصبي.

ومع ذلك، فإن هذا التمثيل الرقمي للاضطراب يفرض تحديات بالغة التعقيد تتعلق بدقة وموثوقية المعلومات الطبية المتداولة، حيث يلاحظ جنوح مستمر ومتسارع نحو ما يُعرف بـ “توسيع المفهوم السريري وتعميمه”. فغالباً ما تركز مقاطع الفيديو بشكل غير متكافئ على معايير “تشتت الانتباه” كالنسيان المتكرر وصعوبة تنظيم المهام اليومية، في مقابل تهميش واضح لمعايير فرط الحركة والاندفاعية السلوكية. كما يجري تضخيم سمات سريرية غير رسمية لا تندرج كمعايير أساسية في الأدلة الطبية المعتمدة ورفعها إلى مصاف الخصائص الجوهرية، مثل “شلل الـ ADHD” (حالة العجز الكامل والتجمد المعرفي بسبب تراكم الضغوط والحمل المعرفي الزائد)، وقصور الوظائف التنفيذية المرتبطة بضعف الذاكرة العاملة وإدارة الوقت، بالإضافة إلى ظاهرة “التركيز المفرط” (الانتباه الانتقائي الكثيف لمهام تثير شغف الفرد مع عزله عن محيطه الخارجي وتجاهل التزاماته الأساسية).

علاوة على ذلك، يساهم الفضاء الافتراضي في تمرير ادعاءات مضللة وخلط المفاهيم العلمية؛ كتوظيف مفهوم “دوام الأشياء” (Object Permanence) بشكل مشوه لتفسير نسيان الأفراد للأشياء المادية بمجرد غيابها عن خط بصرهم المباشر. كما تعمد العديد من الفيديوهات إلى تقديم سلوكيات طبيعية وعادية جداً تدخل في إطار النسيان أو الإجهاد البشري المعتاد وتصويرها كدلائل قطعية تكفي لتبني تشخيص ذاتي بالاضطراب، مما يؤدي إلى تحديات وعقبات تؤثر على المسارات التشخيصية والعيادية والتربوية.

خلاصة واستنتاج

إن الفهم المعاصر لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) لدى البالغين يتجاوز النطاق الطبي الضيق ليتشابك بعمق مع أبعاد الهوية الاجتماعية والصحة النفسية. ويتضح أن هذا الاضطراب لم يعد مجرد تشخيص عيادي يُعالج عيادياً بالأدوية، بل تحول إلى تجربة إنسانية وهوية اجتماعية يبحث أصحابها عن التوازن بين الاعتراف بالاختلاف العصبي كجزء من الذات وبين الحفاظ على هويتهم الشخصية.

ويكشف الموضوع أن العلاقة بين التقييم الطبي والتقييم الذاتي الاجتماعي تتجلى في ثلاثة محاور رئيسية:

  • جدلية المصطلحات اللغوية: تنقسم الخيارات بين لغة “الشخص أولاً” التي تفضلها الأغلبية بهدف الفصل بين كينونة الإنسان والحالة الطبية، وبين لغة “الهوية أولاً” التي يميل إليها الأفراد الأكثر ارتباطاً بالاضطراب كركيزة أساسية في حياتهم اليومية، مترافقاً ذلك غالباً مع الاستخدام المستمر للأدوية.

  • دور الفضاء الرقمي: ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل هذه الهوية وتكريسها كمصدر لتبادل التجارب الحية، وسط هيمنة ساحقة للأفراد المشخصين أنفسهم بنسبة تتراوح بين 60% إلى 92%، على الرغم مما يفرضه ذلك من تحديات عيادية وتربوية نتيجة تمرير ادعاءات مضللة وخلط المفاهيم العلمية وتوسيع المفهوم السريري وتعميمه.

  • الرضا عن الذات والرفاهية: يتأكد أن مجرد الارتباط القوي بالاضطراب كـ “هوية” لا يضمن تلقائياً خفض مستويات القلق أو الاكتئاب، بل يكمن الرابط الحقيقي في تحقيق “الرضا عن الذات” والتصالح مع الطبيعة العصبية للفرد، وهو ما ينعكس إيجاباً على تقدير الذات والرفاهية العامة كأفراد مستقلين لا يختصرهم أي تشخيص طبي.

المرجع :

Understanding ADHD identity and preferred terminology for adults with ADHD in the UK: associations with medication use, well-being and mental health 

https://www.cambridge.org/core/services/aop-cambridge-core/content/view/5734C21E12AFF9A8835B4EE9EE16ECE4/S0007125026106527a.pdf/understanding-adhd-identity-and-preferred-terminology-for-adults-with-adhd-in-the-uk-associations-with-medication-use-well-being-and-mental-health.pdf