ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
يُعد الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والتحرش الجنسي، ليس فقط بسبب ضعف مهارات التواصل الاجتماعي أو اللغوي، بل أيضًا لصعوبة تعبيرهم عن معاناتهم أو تفسيرهم للتجربة المؤذية. وقد يمر الاعتداء دون أن يُكتشف لفترات طويلة، لأن علامات التحذير قد تختلف عن تلك المألوفة لدى الأطفال الآخرين. هذه المقالة نسلط الضوء على العلامات السلوكية والانفعالية والجسدية التي قد تُشير إلى احتمالية تعرض الطفل ذي اضطراب طيف التوحد للتحرش، وتستعرض سبل التقييم والاستجابة المناسبة.
لماذا يزداد خطر التحرش لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟
تشير الدراسات إلى أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أكثر عرضة للتحرش الجنسي بثلاثة إلى أربعة أضعاف مقارنة بأقرانهم النمائيين، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها:
صعوبات في إدراك النوايا الاجتماعية للآخرين
ضعف القدرة على التعبير اللفظي عن الألم أو الرفض أو ما حدث
الاعتماد الكبير على البالغين في الرعاية اليومية
نقص مهارات الحماية الذاتية
صعوبة في التمييز بين العلاقات الاجتماعية الآمنة وغير الآمنة
كل هذه العوامل تجعل من الضروري أن يكون الأهل والمختصون أكثر وعيًا ودقة في ملاحظة التغيرات السلوكية التي قد تشير إلى التعرض للتحرش.
علامات قد تشير إلى التعرض لتحرش جنسي لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد
أولاً: تغيّرات سلوكية مفاجئة وغير مفسّرة
نوبات غضب متكررة أو شديدة دون سبب واضح
سلوكيات انسحابية بعد أن كان الطفل اجتماعيًا نسبيًا
تكرار سلوكيات إيذاء الذات (مثل القرص، الضرب، أو شد الشعر)
رفض مفاجئ للذهاب إلى أماكن أو مقابلة أشخاص معينين
ظهور مخاوف أو قلق من الاستحمام، أو تغيير الملابس، أو دخول الحمام
تراجع مفاجئ في المهارات المكتسبة (كاللغة أو النظافة الشخصية)
ثانيًا: إشارات جسدية
وجود كدمات أو خدوش في مناطق حساسة
شكاوى متكررة من الألم في المناطق التناسلية أو الشرجية
نزيف غير مفسر أو التهابات متكررة
حكة أو سلوكيات لمس مفرطة أو متكررة لأعضاء الجسم الخاصة
ثالثًا: سلوكيات جنسية غير نمائية
تمثيل سلوكيات جنسية غير مناسبة لعمر الطفل أو لخبراته
أسئلة أو تعليقات ذات طابع جنسي لم يسبق له قولها
محاكاة جنسية أثناء اللعب أو الانخراط في سلوكيات جنسية مع الدمى أو الأطفال الآخرين
رابعًا: تعبيرات غير لفظية أو لعب تعبيري
بعض الأطفال غير اللفظيين قد يُظهرون عبر الرسم أو اللعب الرمزي مؤشرات على التجربة المؤلمة، مثل:
رسم أشخاص بلا ملابس أو مشاهد ذات طابع عدائي
استخدام دمى في تمثيل اعتداء أو إيذاء
صراخ أو بكاء أثناء اللعب دون سبب واضح
الفروق بين المؤشرات والسلوكيات النمطية
من المهم التمييز بين السلوكيات النمطية المرتبطة بالتوحد وتلك الناتجة عن تجربة مؤذية. على سبيل المثال:
السلوك | سلوك نمطي | مؤشر خطر |
لمس الأعضاء | متكرر، في أوقات متشابهة، بهدف التهدئة الحسية | مفاجئ، مفرط، في مواقف غير معتادة |
الانسحاب الاجتماعي | دائم ومستقر | حديث ومفاجئ بعد تفاعل جيد سابقًا |
الغضب | يحدث عند التغيرات أو بسبب الإحباط | موجه نحو أشخاص محددين أو مواقف بعينها دون سبب واضح |
كيف يمكن للأسرة والمختصين التعامل مع هذه العلامات؟
1. الاستماع بلغة الجسد والسلوك
يجب على الأهل أن يُصغوا لطفلهم ليس فقط بالكلمات، بل من خلال الملاحظة الدقيقة لتغيراته السلوكية، والانفعالية، والجسدية، مع تجنب التقليل من شأنها أو نفيها.
2. التقييم النفسي المتخصص
عند ملاحظة تغيرات مقلقة، من المهم التوجه إلى مختص نفسي مدرّب في العمل مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، لإجراء تقييم باستخدام أدوات مناسبة، مثل:
المقابلة القائمة على السلوك
تحليل السياق والتاريخ النمائي
أدوات تقييم الصدمة مثل Trauma Symptom Checklist for Young Children (TSCYC)
3. توفير بيئة آمنة للتعبير
من المهم دعم الأطفال بوسائل تعبير بديلة، مثل:
اللعب الرمزي
الرسم الحر
الصور التعبيرية
بطاقات المشاعر
4. عدم مواجهة الأطفال أو الضغط عليه للإفصاح
الضغط على الأطفال للحديث عمّا حدث، خاصة إذا لم يكن قادرًا لغويًا، قد يؤدي إلى تشويش إضافي أو خوف من العقاب. الأهم هو مراقبة الأنماط، وجمع الأدلة السلوكية، والتحرك وفقًا للمؤشرات.
الوقاية: أفضل من الانتظار
للوقاية من تعرض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد للتحرش، يُنصح بما يلي:
تعليم قواعد الجسد الآمن باستخدام لغة بسيطة ومرئية
تعليم الطفل الفرق بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة
تدريب الطفل على قول “لا” بطرق لفظية وغير لفظية
مراقبة بيئة الطفل باستمرار، خاصة مع مقدمي الرعاية أو الزوار المتكررين
تقوية التواصل مع المدرسة أو المراكز التي يتردد عليها الطفل
الخاتمة
قد لا يقول الطفل “لقد تم إيذائي”، لكنه يقولها بألف طريقة أخرى: في سلوكه، في انسحابه، في نوبات غضبه، أو في تغير نظرته للعالم من حوله. إن رصد علامات التحرش الجنسي لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يتطلب حسًا عاليًا من اليقظة، ومرونة في الفهم، وتعاطفًا لا يحدّه التفسير السلوكي التقليدي. بحماية يقظة، ودعم نفسي مبكر، يمكننا أن نصنع فارقًا كبيرًا في سلامة هؤلاء الأطفال، وحقهم في النمو الآمن.
المراجع (APA 7):
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR).
Sullivan, P. M., & Knutson, J. F. (2000). Maltreatment and disabilities: A population-based epidemiological study. Child Abuse & Neglect, 24(10), 1257–1273.
Mandell, D. S., Walrath, C. M., Manteuffel, B., Sgro, G., & Pinto-Martin, J. A. (2005). The prevalence and correlates of abuse among children with autism served in comprehensive community-based mental health settings. Child Abuse & Neglect, 29(12), 1359–1372.
Stokes, M. A., Newton, N., & Kaur, A. (2007). Stalking, and social and romantic functioning among adolescents and adults with Autism Spectrum Disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 37(10), 1969–1986.
National Child Traumatic Stress Network. (2010). Sexual abuse: Information for parents of children with autism spectrum disorders.





