ترجمة: أ. جنا الدوسري
تشير الأدلة المستمدة من دراسات التوائم إلى أن التزامن الشائع بين أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبات القراءة لا يحدث بالصدفة، بل يعود بدرجة كبيرة إلى عوامل وراثية مشتركة بين الحالتين. هذا الترابط يطرح تساؤلًا مهمًا في المجال النفسي والمعرفي: ما هي العمليات العقلية التي تشكل الجسر بين هذين الاضطرابين؟ بمعنى آخر، رغم أن كلًا من اضطراب فرط الحركة وصعوبات القراءة يرتبطان بوجود مجموعة من أوجه القصور المعرفي، إلا أن الصورة لا تزال غير واضحة حول أي من هذه الصعوبات المعرفية تشترك في نفس المسار السببي الذي يؤدي إلى ظهور الأعراض معًا.
من هنا جاءت أهمية هذه الدراسة، التي سعت إلى تفكيك هذا التعقيد من خلال التركيز على مجموعة من الأطفال التوائم، بهدف تحديد العمليات المعرفية التي يمكن أن تفسّر التداخل بين أعراض تشتت الانتباه وصعوبات القراءة. وقد اعتمدت الدراسة على مجموعة متنوعة من المؤشرات المعرفية التي سبق ربطها بكل من اضطراب فرط الحركة وصعوبات القراءة، في محاولة لبناء فهم أعمق للعلاقة بينهما.
منهجية الدراسة
اعتمد الباحثون على عينة كبيرة من الأطفال التوائم في مرحلة الطفولة المتوسطة، وهي مرحلة حاسمة لنمو المهارات الأكاديمية والمعرفية. وتم استخدام تقييمات متعددة المصادر، حيث تم جمع بيانات حول أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من خلال ملاحظات الوالدين والمعلمين، مع التركيز على بُعدين رئيسيين: ضعف الانتباه والنشاط الزائد/الاندفاعية. أما صعوبات القراءة، فقد تم تقييمها بناءً على تقارير الوالدين.
إلى جانب ذلك، تم قياس عدد من العمليات المعرفية التي يُعتقد أنها تلعب دورًا في هذه الاضطرابات، ومنها: القدرة على كبح الاستجابات غير المناسبة (الضبط المثبط)، والتقلب في سرعة الاستجابة، والذاكرة اللفظية قصيرة المدى، والذاكرة العاملة، بالإضافة إلى الاندفاعية في اتخاذ القرار. وقد تم تحليل هذه البيانات باستخدام نماذج إحصائية متقدمة تُعرف بالنمذجة البنائية متعددة المتغيرات، والتي تسمح بفحص العلاقات المعقدة بين العوامل الوراثية والمعرفية والسلوكية في آن واحد.
النتائج
أظهرت النتائج أن هناك ثلاث عمليات معرفية رئيسية ترتبط بشكل ملحوظ بكل من أعراض ضعف الانتباه وصعوبات القراءة، سواء على المستوى الظاهري (أي في السلوك الملحوظ) أو على المستوى الوراثي. هذه العمليات هي: التباين في زمن الاستجابة، والذاكرة العاملة اللفظية، والذاكرة قصيرة المدى.
التباين في زمن الاستجابة يشير إلى عدم استقرار سرعة الاستجابة لدى الطفل، حيث قد يكون أداؤه سريعًا في بعض الأحيان وبطيئًا في أحيان أخرى دون نمط ثابت. هذا التذبذب يعكس صعوبة في الحفاظ على مستوى ثابت من الانتباه، وهو ما يتوافق مع طبيعة اضطراب تشتت الانتباه، كما يؤثر أيضًا على القدرة على معالجة المعلومات أثناء القراءة.
أما الذاكرة العاملة اللفظية، فهي تمثل القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات اللفظية ومعالجتها في نفس الوقت، مثل تذكر جملة وفهم معناها أثناء القراءة. وقد تبين أن هذه القدرة تلعب دورًا مهمًا في الربط بين الاضطرابين، حيث أن ضعفها يؤدي إلى صعوبات في كل من الانتباه والفهم القرائي.
في المقابل، الذاكرة قصيرة المدى تساهم أيضًا في هذا الترابط، لكنها بدرجة أقل مقارنة بالذاكرة العاملة. فهي تقتصر على الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة دون معالجتها بعمق، مما يجعل تأثيرها محدودًا نسبيًا في تفسير العلاقة بين الاضطرابين.
ورغم هذه النتائج، أوضحت الدراسة أن هذه العمليات المعرفية لا تفسر سوى جزء من التداخل الوراثي بين ضعف الانتباه وصعوبات القراءة. فعلى سبيل المثال، الذاكرة قصيرة المدى تفسر نسبة صغيرة فقط من هذا التداخل، بينما ترتفع النسبة قليلًا عند النظر إلى الذاكرة العاملة والتباين في زمن الاستجابة، لكنها تظل غير كافية لتفسير الصورة كاملة. وهذا يعني أن هناك عوامل أخرى، لم يتم قياسها في هذه الدراسة، تلعب دورًا مهمًا في هذه العلاقة.
ومن ناحية أخرى، لم تظهر بعض العمليات المعرفية الأخرى، مثل القدرة على كبح الاستجابة والاندفاعية في اتخاذ القرار، دورًا واضحًا في تفسير التداخل بين الاضطرابين. وهذا يشير إلى أن ليس كل أوجه القصور المعرفي المرتبطة باضطراب فرط الحركة لها نفس الأهمية عندما يتعلق الأمر بصعوبات القراءة.
مناقشة وتفسير النتائج
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية التمييز بين أنواع العمليات المعرفية المختلفة بدلًا من التعامل معها ككتلة واحدة. فبعض هذه العمليات، مثل الذاكرة العاملة والتقلب في زمن الاستجابة، تبدو أكثر مركزية في فهم العلاقة بين اضطراب فرط الحركة وصعوبات القراءة، بينما تلعب عمليات أخرى دورًا أقل أهمية.
كما تشير النتائج إلى أن العلاقة بين الاضطرابين ليست مباشرة أو بسيطة، بل هي نتيجة شبكة معقدة من العوامل الوراثية والمعرفية التي تتفاعل مع بعضها البعض. وهذا يفسر لماذا يظهر بعض الأطفال أعراضًا مشتركة بين الحالتين، بينما لا يظهرها آخرون رغم وجود تشابه في بعض الجوانب.
من منظور تطبيقي، يمكن أن تسهم هذه النتائج في تحسين طرق التقييم والتدخل، حيث يمكن للمتخصصين التركيز بشكل أكبر على تنمية الذاكرة العاملة وتقليل التشتت في الأداء الزمني لدى الأطفال الذين يعانون من هذه الصعوبات. كما أن فهم هذه العمليات قد يساعد في تصميم برامج تدريبية تستهدف الجذور المعرفية للمشكلة بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض السطحية.
الخلاصة
تقدم هذه الدراسة فهمًا أعمق للعوامل المعرفية التي تربط بين أعراض تشتت الانتباه وصعوبات القراءة، مؤكدة أن بعض العمليات مثل التباين في زمن الاستجابة والذاكرة اللفظية تلعب دورًا مهمًا في هذا التداخل. ومع ذلك، فإن هذه العوامل لا تفسر العلاقة بشكل كامل، مما يشير إلى الحاجة لمزيد من الأبحاث التي تستكشف عوامل إضافية، خاصة من خلال دراسات طولية تتابع تطور هذه الصعوبات عبر الزمن.
إن الوصول إلى فهم شامل لهذه العلاقة سيساهم في تطوير تدخلات أكثر دقة وفعالية، تساعد الأطفال على تجاوز هذه التحديات وتحقيق أداء أفضل على المستويين الأكاديمي والنفسي.
كما تؤكد الدراسة على ضرورة استمرار البحث في المسارات التطورية لهذه الصعوبات المعرفية، وفهم العلاقة السببية بين اضطراب فرط الحركة وصعوبات القراءة بشكل أعمق. هذه المعرفة ستساعد في تصميم استراتيجيات تدخل مبكرة تستهدف الجذور الوراثية والمعرفية للمشكلة، مما يعزز فرص الأطفال في تحقيق أداء أكاديمي وسلوكي أفضل مستقبلاً.
المرجع:
Shared Cognitive Impairments and Aetiology in ADHD Symptoms and Reading Difficulties
https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0098590





