ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعدّ الفروق في المعالجة الحسية من الجوانب المهمة التي تظهر لدى العديد من الأفراد بمختلف أعمارهم وخلفياتهم، ولا تقتصر على فئة محددة أو تشخيص بعينه. فهذه الفروق يمكن ملاحظتها لدى أشخاص يعانون من حالات نمائية أو عصبية مختلفة، كما يمكن أن تظهر أيضًا لدى أفراد لا يحملون أي تشخيص رسمي. وهذا ما يجعل فهم المعالجة الحسية أمرًا أساسيًا لكل من يعمل في مجالات التربية، وعلم النفس، والعلاج، بل وحتى للوالدين ومقدمي الرعاية.
تشير المعالجة الحسية إلى الطريقة التي يستقبل بها الجهاز العصبي المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، مثل اللمس، والسمع، والبصر، والتوازن، والإحساس العميق (وهو إدراك موقع الجسم وحركته). بعد استقبال هذه المعلومات، يقوم الدماغ بتنظيمها وتفسيرها ومن ثم إصدار استجابة مناسبة. وعندما تسير هذه العملية بشكل متوازن، يتمكن الفرد من التفاعل مع بيئته بطريقة فعّالة ومريحة. أما في حال وجود اختلافات أو اضطرابات في هذه العملية، فقد يواجه الفرد تحديات في فهم أو تنظيم المدخلات الحسية، مما ينعكس على سلوكه وأدائه اليومي.
تظهر هذه الفروق بشكل واضح لدى أشخاص تم تشخيصهم بحالات مثل اضطراب طيف التوحد، وصعوبات التعلم، والإعاقات العصبية، واضطراب التناسق النمائي، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بالإضافة إلى التأخر النمائي الشامل. ففي هذه الحالات، يكون الجهاز العصبي أقل كفاءة في تنظيم المعلومات الحسية، مما يؤدي إلى استجابات قد تبدو مفرطة أو ضعيفة مقارنة بالمواقف الطبيعية. فبعض الأفراد قد يكونون شديدي الحساسية للأصوات أو اللمس، فيتجنبون بعض من المواقف المعينة أو يظهرون انزعاجًا واضحًا، بينما قد يظهر آخرون استجابة منخفضة، فيبحثون عن التحفيز الحسي بشكل مفرط مثل القفز المستمر أو لمس الأشياء بكثرة.
ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن الفروق الحسية ليست حكرًا على من لديهم تشخيصات محددة. فقد يُلاحظ أن بعض الأطفال أو حتى البالغين، الذين لا يعانون من أي اضطراب مُشخّص، لديهم أنماط حسية مختلفة تؤثر على طريقة تفاعلهم مع العالم من حولهم. فقد يكون الطفل مثلاً حساسًا تجاه أنواع معينة من الملابس، أو يواجه صعوبة في تحمل الضوضاء في الأماكن المزدحمة، أو يفضل أنشطة حركية معينة دون غيرها. هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة وجود مشكلة، لكنها قد تحتاج إلى فهم ودعم مناسبين لضمان عدم تأثيرها سلبًا على حياة الفرد.
تؤثر الفروق في المعالجة الحسية على عدة جوانب من حياة الفرد، من أبرزها السلوك. فقد تظهر هذه الفروق على شكل ردود فعل غير متوقعة، مثل الانسحاب، أو الانفجار العاطفي، أو النشاط الزائد. وغالبًا ما يُساء تفسير هذه السلوكيات على أنها سوء تربية أو قلة انضباط، بينما تكون في الواقع نتيجة مباشرة لصعوبة في معالجة المعلومات الحسية. على سبيل المثال، الطفل الذي يرفض الجلوس في الفصل قد لا يكون عنيدًا، بل قد يكون غير قادر على تحمل مستوى الضوضاء أو الإضاءة في البيئة الصفية.
كما تؤثر هذه الفروق على الحركة والتناسق الحركي. فبعض من الأفراد قد يعانون من صعوبة في تنفيذ الحركات الدقيقة مثل الكتابة أو استخدام الأدوات، أو الحركات الكبرى مثل الجري والتوازن. ويرتبط ذلك بعدم كفاءة الدماغ في دمج المعلومات الحسية اللازمة لتخطيط وتنفيذ الحركة بشكل أكثر دقة. وقد يؤدي ذلك إلى شعور بالإحباط أو انخفاض الثقة بالنفس، خاصة إذا لم يتم فهم هذه التحديات بشكل صحيح.
أما من ناحية التركيز والانتباه، فإن المعالجة الحسية تلعب دورًا أساسيًا في قدرة الفرد على الانخراط في المهام المختلفة. فالأشخاص الذين يعانون من حساسية مفرطة قد يتشتتون بسهولة بسبب المثيرات المحيطة، بينما قد يحتاج من لديهم استجابة منخفضة إلى تحفيز إضافي للحفاظ على يقظتهم. وهذا ينعكس بشكل مباشر على الأداء الأكاديمي أو المهني، حيث قد يجد الفرد صعوبة في متابعة التعليمات أو إكمال المهام.
ولا يقتصر تأثير الفروق الحسية على الجوانب الأكاديمية أو السلوكية فقط، بل يمتد ليشمل الأنشطة اليومية الأساسية. فقد يواجه الفرد صعوبة في أداء مهام مثل ارتداء الملابس، أو تناول الطعام، أو العناية الشخصية، بسبب عدم ارتياحه لبعض الأحاسيس أو صعوبة تنظيم استجاباته. كما يمكن أن تؤثر هذه الفروق على اللعب والتفاعل الاجتماعي، حيث قد يتجنب الطفل المشاركة في الأنشطة الجماعية أو يواجه صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى العزلة أو ضعف العلاقات مع الآخرين.
ومن الجوانب المهمة أيضًا تأثير هذه الفروق على تقدير الذات. فكل فرد من الذين يواجهون صعوبات في التكيف مع بيئتهم بسبب اختلافاتهم الحسية قد يشعرون بأنهم “مختلفون” أو غير قادرين على مواكبة أقرانهم. وإذا لم يتم دعمهم وفهم احتياجاتهم، فقد يتطور لديهم شعور بالإحباط أو القلق أو حتى الشعور بتدني الثقة بالنفس.
لذلك، يصبح من الضروري تبني نهج شامل يركز على فهم الفروق الفردية بدلاً من محاولة “تصحيحها” فقط. ويشمل ذلك توفير بيئات داعمة، وتقديم استراتيجيات مناسبة تساعد الفرد على التكيف مع المثيرات الحسية المختلفة. على سبيل المثال، يمكن تعديل الإضاءة أو تقليل الضوضاء في البيئة التعليمية، أو توفير فترات راحة حسية، أو استخدام أدوات تساعد على التنظيم الحسي.
كما يلعب التثقيف دورًا مهمًا في هذا السياق، سواء للأهل أو المعلمين أو المختصين. فكلما زاد الوعي بطبيعة المعالجة الحسية، أصبح من الأسهل تفسير السلوكيات بشكل صحيح والتعامل معها بفعالية. وهذا بدوره يساهم في تحسين جودة حياة الأفراد، وتعزيز مشاركتهم في مختلف جوانب الحياة.
في الختام، يمكن القول إن الفروق في المعالجة الحسية تمثل جانبًا طبيعيًا من التنوع البشري، لكنها قد تتحول إلى تحدٍ حقيقي إذا لم يتم فهمها والتعامل معها بشكل مناسب. ومن خلال الوعي، والدعم، والتدخلات الملائمة، يمكن مساعدة الأفراد على تحقيق أقصى إمكاناتهم، والمشاركة بفعالية في حياتهم اليومية، سواء كانوا يعانون من تشخيص معين أو لا.
ولتعزيز هذا الفهم، يمكن الاستفادة من تقييمات متخصصة يجريها أخصائيو العلاج الوظيفي لتحديد نمط المعالجة الحسية لدى كل فرد بدقة أكبر ، ومن ثم وضع خطة تدخل مناسبة لكل فرد. كما أن التعاون بين الأسرة والمدرسة يساهم بشكل كبير في توحيد الاستراتيجيات الداعمة وتحقيق نتائج أفضل ومستدامة على المدى الطويل.
المرجع:
Sensory Processing in Diverse Populations
https://connect.humber.nhs.uk/service/humber-sensory-processing-hub/diverse-populations/





