ترجمة: أ. جنا الدوسري
ما المقصود بالمعالجة الحسية؟
المعالجة الحسية هي العملية التي يستقبل من خلالها الدماغ المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، ثم يقوم بتنظيمها وتفسيرها وربطها بالخبرات السابقة، ليتمكن الإنسان بعد ذلك من الاستجابة المناسبة لها. هذه العملية تحدث بشكل تلقائي ومستمر دون وعي منا في معظم الأوقات، وهي أساس قدرتنا على التعلّم، الحركة، التفاعل الاجتماعي، وتنظيم الانفعالات.
يمتلك الإنسان عدة أنظمة حسية تعمل معًا في تناغم، وتشمل الحواس التقليدية المعروفة مثل البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، إضافة إلى حواس داخلية أقل وضوحًا ولكنها شديدة الأهمية، مثل الإحساس بوضعية الجسم وحركته (الحس العميق أو الاستقبال العميق)، والإحساس بالتوازن وحركة الرأس (الجهاز الدهليزي)، وكذلك الإحساس الداخلي الذي يتيح لنا إدراك ما يحدث داخل أجسامنا كالجوع والعطش وتسارع نبضات القلب.
في الظروف الطبيعية، يقوم الدماغ بدمج هذه المدخلات الحسية بسلاسة، ويُصنّف المهم منها ويتجاهل غير الضروري. إلا أن هذه العملية قد لا تكون فعّالة لدى بعض الأفراد، مما يؤدي إلى ارتباك حسي وصعوبة في تفسير العالم من حولهم، وهو ما ينعكس في صورة توتر، إحباط، أو استجابات غير متناسبة مع الموقف.
ماذا يحدث عندما تكون المدخلات الحسية أكثر أو أقل من اللازم؟
من المثالي أن يحصل الفرد على مستوى متوازن من التحفيز الحسي، إلا أن الواقع يفرض مواقف يتعرّض فيها الشخص لتحفيز حسي مفرط أو محدود. عند حدوث خلل في هذا التوازن، قد تظهر استجابات انفعالية وسلوكية مختلفة.
عندما يتعرّض الفرد لكمية كبيرة من المدخلات الحسية تفوق قدرته على التحمل، قد يدخل في حالة من الإرهاق الحسي. في هذه الحالة، يمكن أن تظهر استجابات تُعرف باستجابات “الكرّ أو الفرّ أو التجمّد”. فالبعض قد يستجيب بالغضب أو الانفعال الزائد ومقاومة الآخرين، والبعض الآخر قد يلجأ إلى الانسحاب أو التجنّب، بينما قد يتجمّد آخرون تمامًا ويظهر عليهم الانغلاق أو التوقف عن التفاعل.
ولتقريب الصورة، تخيّل أنك تجلس بهدوء وفجأة ينطلق صوت مرتفع جدًا بجانبك، ويتزامن ذلك مع تعرّضك لضربة مفاجئة في ذراعك. ستكون التجربة مزعجة ومخيفة ومؤلمة. بالنسبة لشخص يعاني من حساسية حسية مفرطة، قد تكون هذه المشاعر نفسها ناتجة عن مواقف يومية عادية، مثل التسوق في مكان مزدحم أو الاحتكاك العرضي بأحد المارة. وهنا تصبح الحياة اليومية بحد ذاتها تجربة مرهقة.
فرط الحساسية الحسية وأنماط الاستجابة
عندما لا يتمكن الدماغ من تصفية المثيرات غير المهمة، تُعالج كمية كبيرة من المعلومات الحسية دفعة واحدة، وهو ما يُعرف بفرط الحساسية الحسية. وقد يتعامل الأفراد مع هذا النوع من الحساسية بطريقتين رئيسيتين:
الحساسية الحسية
بعض الأفراد لا يحاولون تجنب المثيرات الحسية المزعجة، لكنهم يصبحون سريعي التشتت وغير قادرين على التركيز لفترات طويلة. وقد يظهر عليهم نشاط زائد أو قلق مزمن، ويشعرون بأنهم غارقون في سيل من المثيرات لا يستطيعون السيطرة عليه.
التجنّب الحسي
في المقابل، هناك من يتبنّى سلوكيات تجنّبية، فيسعى إلى تقليل كمية ونوعية المدخلات الحسية في حياته. هؤلاء الأفراد غالبًا ما يفضّلون الروتين الصارم والبيئات المتوقعة، وقد يقاومون التغيير بشدة. ورغم أن هذا السلوك قد يمنحهم شعورًا مؤقتًا بالأمان، إلا أنهم قد يظهرون بمظهر الانسحاب أو الخمول عند التعرّض لأي ضغط حسي غير متوقّع.
تأثير صعوبات المعالجة الحسية على الأنشطة اليومية
يمكن أن تؤثر صعوبات المعالجة الحسية على جوانب عديدة من الحياة اليومية، بدءًا من العناية الشخصية وصولًا إلى المشاركة الاجتماعية والتعليمية. فقد يواجه الفرد صعوبة في أنشطة بسيطة مثل قص الشعر أو تنظيف الأسنان أو الاستحمام، وقد يعاني من انتقائية شديدة في الطعام أو حساسية تجاه بعض الملمس أو الروائح.
كما قد تتأثر القدرة على الحركة والتنسيق الجسدي، والمشاركة في الأنشطة الترفيهية، والتسوق في الأماكن العامة، أو حتى الذهاب إلى المدرسة أو العمل. وفي بعض الحالات، قد تكون الاستجابات الحسية غير متناسبة مع المثير، مثل الصراخ عند سماع صوت مفاجئ أو الشعور بالألم من لمسة خفيفة جدًا.
من المهم التأكيد على أن هذه السلوكيات لا ينبغي تفسيرها بشكل سطحي، بل يجب النظر إلى عوامل أخرى قد تفسّرها، مثل صعوبات التواصل، الحاجة إلى الانتباه، وجود ألم جسدي، مشكلات التعلّق، أو اضطرابات نفسية كاضطراب القلق.
الدماغ والمعالجة الحسية: رؤية تفسيرية
شبّهت عالمة العلاج الوظيفي جين آيرز الدماغ بإشارة المرور التي تنظّم حركة السيارات. فعندما تكون الإشارات واضحة ومنظمة، تسير السيارات بسلاسة ويصل الجميع إلى وجهتهم بأمان. أما عندما يحدث خلل في التنظيم، تتحوّل الحركة إلى ازدحام خانق، ويصبح الوصول إلى الهدف أمرًا مرهقًا ومربكًا. وبالمثل، عندما تكون المعالجة الحسية منظمة، يتمكن الفرد من التعلّم والتفاعل بفعالية، أما عند اضطرابها، فإن الحياة اليومية قد تبدو فوضوية ومجهدة.
الدعم والتدخل في صعوبات المعالجة الحسية
في حال كانت صعوبات المعالجة الحسية تؤثر بشكل واضح على الأداء اليومي وجودة الحياة، يصبح التدخل المهني ضروريًا. يمكن لاختصاصيي العلاج الوظيفي تقديم تقييم شامل للمعالجة الحسية، ووضع استراتيجيات فردية تهدف إلى تحسين قدرة الشخص على تنظيم المدخلات الحسية والتعامل معها بمرونة أكبر.
إرشادات عملية عند مواجهة تحديات حسية
لفهم التأثير الحسي على السلوك، يجب ملاحظة السياق بدقة. هل يعاني الفرد من نقص في التحفيز الحسي فيشعر بالملل ويبحث عن الإثارة؟ أم أن مستوى التحفيز مناسب ويظهر عليه الهدوء والقدرة على التفاعل؟ أم أن التحفيز مفرط ويؤدي إلى الإرهاق والانفعال أو الانسحاب؟
كما يُنصح بفهم التفضيلات الحسية للفرد، سواء فيما يتعلق بالأصوات أو اللمس أو الحركة أو الروائح، وتقديم أنشطة أو أدوات حسية تساعد على التهدئة أو زيادة اليقظة بحسب الحاجة. إن إدراك هذه الفروق الفردية يُعد خطوة أساسية في دعم الأفراد ذوي صعوبات المعالجة الحسية وتمكينهم من عيش حياة أكثر توازنًا واستقلالية.
وتُظهر الدراسات الحديثة أن التدخل المبكر في صعوبات المعالجة الحسية يساهم في تقليل المشكلات السلوكية، وتحسين الانتباه، وزيادة القدرة على التعلّم والتكيف الاجتماعي. كما أن تعاون الأسرة والمدرسة مع المختصين يلعب دورًا محوريًا في خلق بيئة داعمة تساعد الفرد على فهم احتياجاته الحسية وتنظيمها بشكل أفضل، بما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة اليومية وتعزيز الاستقلالية والثقة بالنفس لدى الأفراد المختلفين.
المرجع:
Sensory Processing and Learning Disabilities





