الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

معالجة الحواس وعلاقتها بصعوبات التعلم عبر مراحل العمر

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعد قدرة الإنسان على معالجة المعلومات الحسية والتفاعل معها من السمات المميزة للدماغ البشري، فهي تمكّن الأفراد من فهم البيئة المحيطة واتخاذ الاستجابات المناسبة لها. يعتمد هذا النظام على النضج العصبي والتكامل بين حواس الإنسان المختلفة، وهو ضروري لتعلم الاستجابات التكيفية والمشاركة الفعّالة في الأنشطة اليومية. وفي حين أن بعض الدراسات السابقة أشارت إلى وجود قصور في معالجة الحواس لدى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات النمو العصبي، إلا أن طبيعة هذه الصعوبات وامتدادها في حالات صعوبات التعلم الأخرى ما زال غير واضح بسبب التباين في الأدبيات العلمية وغياب الدراسات المنهجية التي تتناول معالجة الحواس بجوانبها المختلفة بعيدًا عن التركيز فقط على المهارات الصوتية.

انطلقت هذه الدراسة من فرضية أن الأطفال والمراهقين والبالغين الذين يعانون من صعوبات التعلم يظهرون أنماطًا مميزة في معالجة الحواس مقارنة بأقرانهم الذين لا يعانون من صعوبات تعلم. وقد اعتمدت الدراسة على إطار عمل دَنّ (Dunn) الذي يقسم أنماط معالجة الحواس إلى أربعة أقسام: الاستقبال الحسي، البحث عن المنبهات، التجنب الحسي، والحساسية العالية. وقد صُممت أربعة دراسات فرعية لاختبار هذه الفرضيات عبر مراحل النمو المختلفة.

في الدراسة الأولى، تم التركيز على العلاقة بين معالجة الحواس والمهارات القرائية لدى الأطفال. إذ تسعى هذه الدراسة إلى فهم كيف تؤثر طريقة استقبال ومعالجة المعلومات الحسية على القدرة على القراءة والكتابة، وكيف يمكن أن تشكّل هذه القدرات عاملاً مهمًا في تحديد الصعوبات التعليمية المبكرة. وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلم يميلون إلى إظهار تكرار أعلى للسلوكيات المرتبطة بالحواس، ما يشير إلى أن معالجة الحواس لديهم تختلف بشكل واضح عن الأطفال ذوي التعلم الطبيعي. كما بينت الدراسة أن هناك ارتباطًا بين مهارات القراءة ومستوى أداء الأطفال في المهام متعددة الحواس، مما يعكس الدور الكبير لمعالجة الحواس في التعلم المبكر.

أما الدراسة الثانية، فقد تناولت المراهقين، وركزت على العلاقة بين معالجة الحواس والمهارات الأكاديمية. أظهرت نتائج هذه الدراسة أن المراهقين الذين يعانون من صعوبات تعلم لديهم ملف معالجة حواس غير نمطي مقارنة بأقرانهم، وأن بعض السلوكيات الحسية المرتفعة تتلاشى تدريجيًا مع التقدم في العمر. وبذلك، يمكن القول إن الأنماط الحسية المرتبطة بصعوبات التعلم تتغير على مدار مراحل النمو، ويظهر أن بعض القدرات التكيفية تتطور مع الوقت، مما يخفف من التأثيرات السلبية على الأداء الأكاديمي.

الدراسة الثالثة انتقلت إلى مرحلة البلوغ، حيث تم فحص البالغين الذين يعانون من صعوبات تعلم في القراءة والمهارات الأكاديمية الأخرى. أظهرت النتائج أن البالغين لا يزالون يظهرون بعض الفروق في معالجة الحواس، لكن هذه الفروق غالبًا ما تكون محدودة في أحد أقسام الملف الحسي، مقارنة بالأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلم، حيث تكون الاختلافات أكثر انتشارًا عبر جميع جوانب معالجة الحواس. هذا يشير إلى أن مع تقدم العمر، قد يتكيف الأفراد تدريجيًا مع بيئتهم ويطوّرون استراتيجيات لمواجهة التحديات الحسية، لكنها لا تختفي تمامًا.

الدراسة الرابعة ركزت على الأطفال الذين يعانون من حالات تطورية مشتركة، مثل اضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات اللغة المحددة، لتحديد تأثير التعايش المرضي على معالجة الحواس. وأظهرت النتائج أن وجود أكثر من حالة تطورية يزيد من احتمال ظهور سلوكيات حسية غير نمطية، وأن هذه الأنماط قد تكون مرتبطة بشكل مباشر بمدى صعوبة التعلم لدى الطفل. علاوة على ذلك، بينت الدراسة أن بعض السلوكيات الحسية المحددة، مثل الانتباه المنخفض أو البحث المحدود عن المنبهات، ترتبط بشكل خاص بمستوى صعوبات التعلم، مما يعكس التفاعل المعقد بين القدرات الحسية والمهارات الأكاديمية.

تؤكد هذه الدراسات مجتمعة أن معالجة الحواس هي عامل مهم وأساسي في فهم صعوبات التعلم عبر جميع المراحل العمرية. فالأطفال يميلون إلى إظهار أنماط عالية من السلوكيات الحسية غير النمطية، بينما يقل انتشار هذه الأنماط مع التقدم في العمر ويصبح أكثر تركيزًا في جانب محدد من معالجة الحواس لدى البالغين. ومن المثير للاهتمام أن نتائج التحليل التنبؤي بينت أن وجود نمط معالجة حسي من نوع الاستقبال الحسي (أي ارتفاع العتبة العصبية مع استجابة سلبية أو محدودة) يزيد من احتمال ظهور صعوبات تعلم في أي مرحلة عمرية، في حين أن انخفاض مستويات البحث عن المنبهات يرتبط بشكل خاص بالأطفال.

من الجدير بالذكر أن نتائج هذه الدراسة توسع نطاق فهمنا لدور معالجة الحواس في صعوبات التعلم، فهي تشير إلى أن الأنماط الحسية المرتبطة بالتعلم ليست محصورة في العجز السمعي أو البصري فقط، بل تشمل تفاعلات معقدة بين مختلف الحواس والقدرات الإدراكية، بما في ذلك مهارات التكامل بين الحواس المختلفة. وبناءً على ذلك، يُوصى بإجراء المزيد من الأبحاث لتقييم القدرات الحسية عبر مختلف الأعمار، بما في ذلك أداء الأفراد في المهام متعددة الحواس، والاستعانة بتقنيات تصوير الدماغ للحصول على فهم أعمق لكيفية معالجة الدماغ للمعلومات الحسية لدى الأشخاص ذوي صعوبات التعلم.

إن أهمية هذا العمل تكمن في تقديم صورة شاملة عن كيفية ارتباط القدرات الحسية بالمهارات الأكاديمية المختلفة، وخاصة مهارات القراءة، عبر مراحل الحياة المختلفة. ويشير إلى ضرورة تبني استراتيجيات تعليمية تراعي الاختلافات الفردية في معالجة الحواس، بما يتيح تقديم دعم أكثر فعالية للأطفال والمراهقين والبالغين الذين يعانون من صعوبات تعلم. كما تبرز الدراسة الحاجة إلى الاعتراف بأن بعض القدرات الحسية يمكن أن تكون محدودة أو غير مكتملة عند بعض الأفراد، وأن توفير بيئة تعليمية مرنة ومتنوعة الحوافز يمكن أن يعزز من فرص تعلمهم ونجاحهم الأكاديمي.

بالإضافة إلى ذلك، تسلط هذه الأبحاث الضوء على التباين بين الأفراد ذوي التعلم الطبيعي والأفراد ذوي صعوبات التعلم، موضحةً أن الفروقات ليست فقط في الأداء الأكاديمي المباشر، بل تتعداه إلى كيفية استقبال الفرد للمعلومات من البيئة المحيطة والتفاعل معها. وبالتالي، فإن فهم معالجة الحواس يمكن أن يوفر وسيلة تشخيصية إضافية للتعرف على الصعوبات التعليمية في مراحلها المبكرة، ويقدم أرضية لتطوير تدخلات تعليمية وعلاجية مخصصة تعتمد على الخصائص الحسية والفردية لكل متعلم.

في الختام، تقدم هذه الدراسات دليلاً قويًا على أن معالجة الحواس هي عنصر حاسم في التعلم، وأنها تلعب دورًا متناميًا عبر مراحل العمر المختلفة. فالأطفال يظهرون أنماطًا شاملة من السلوكيات الحسية المرتبطة بصعوبات التعلم، في حين أن المراهقين والبالغين يبدون قدرة متزايدة على التكيف، لكنها لا تزال تظهر في مجالات محددة. ويُبرز هذا البحث أهمية دمج تقييم ومعالجة الحواس في خطط الدعم التعليمي والتربوي، مع مراعاة التغيرات العمرية والتحديات الخاصة بكل مرحلة من مراحل النمو.

 

المرجع:

Sensory processing in children and adults with learning difficulties.

https://etheses.whiterose.ac.uk/id/eprint/26822/1/Sensory%20processing%20in%20children%20and%20adults%20with%20learning%20difficulties%20-%20sarmstrong.pdf