ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعدّ التعلم المنظم ذاتيًا من المفاهيم المحورية في علم النفس التربوي، حيث يشير إلى العملية التي يقوم فيها المتعلم بتوجيه تعلمه بنفسه من خلال استخدام استراتيجيات معرفية وسلوكية وانفعالية تمكّنه من تحقيق أهدافه التعليمية. وقد حظي هذا المفهوم باهتمام بحثي واسع، وأثبتت الدراسات دوره الفعّال في تعزيز النجاح الأكاديمي لدى الطلاب في مختلف المراحل التعليمية. ومع ذلك، ورغم هذا الاهتمام المتزايد، فإن تطبيق التعلم المنظم ذاتيًا في سياق تعليم الطلاب ذوي صعوبات التعلم لا يزال محدودًا نسبيًا، ويحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعمق.
تهدف هذه المراجعة إلى تسليط الضوء على الأبحاث التي تناولت التعلم المنظم ذاتيًا لدى الطلاب ذوي صعوبات التعلم في مراحل التعليم العام، مع التركيز على التحديات التي يواجهونها في مجالات القراءة والكتابة والرياضيات، وأهمية تنمية الوعي ما وراء المعرفي، والكفاءة الذاتية، والسلوكيات الاستراتيجية في عملية التعلم. كما تستعرض المراجعة مجموعة من التدخلات التعليمية التي أثبتت فعاليتها، مثل تطوير استراتيجيات التنظيم الذاتي، والنمذجة المعرفية المنظمة، ودورها في تحسين الأداء الأكاديمي والدافعية لدى هذه الفئة من الطلاب.
يُعرّف التعلم المنظم ذاتيًا بأنه عملية ذاتية التوجيه يضع فيها المتعلم أهدافًا محددة، ويختار الاستراتيجيات المناسبة لتحقيقها، ويقوم بمراقبة أدائه وتقييمه، ثم تعديل سلوكه عند الحاجة. ولا يقتصر هذا المفهوم على الجانب المعرفي فقط، بل يشمل أيضًا التحكم في السلوك والانفعالات، مثل إدارة الوقت، وضبط الانتباه، والتعامل مع الإحباط والتوتر. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن التعلم المنظم ذاتيًا لا يُعد مهارة فطرية، بل يمكن تعليمه وتنميته من خلال ممارسات تعليمية مقصودة ومخططة.
وتوضح الدراسات أن تعليم التعلم المنظم ذاتيًا يتطلب تفاعلًا داعمًا بين المعلم والطالب، حيث يلعب المعلم دورًا أساسيًا في توجيه المتعلم، وبناء ثقته بنفسه، ومساعدته على إدراك نقاط قوته وتحدياته. ويزداد هذا الدور أهمية عند التعامل مع الطلاب ذوي صعوبات التعلم، إذ إن خلفياتهم التعليمية، ومستوى وعيهم ما وراء المعرفي، ومعتقداتهم حول كفاءتهم الذاتية، تؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على الانخراط في عملية التعلم المنظم ذاتيًا.
يواجه الطلاب ذوو الإعاقة تحديات متعددة تعيق تعلمهم، مثل صعوبات في معالجة المعلومات، وضعف في الذاكرة العاملة، ومشكلات في التنظيم والانتباه، إضافة إلى انخفاض مستوى المثابرة والتحكم في الاندفاع. كما أن تكرار خبرات الفشل قد يؤدي إلى تدني الكفاءة الذاتية لديهم، مما يدفعهم إلى تجنب المهام الأكاديمية أو التركيز على الأداء السطحي بدلًا من التعلم العميق. وهنا تبرز أهمية التعلم المنظم ذاتيًا كأداة تمكّن هؤلاء الطلاب من تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع هذه التحديات.
تشير الأبحاث إلى أن السياق التعليمي يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل دافعية الطلاب ذوي صعوبات التعلم وتنظيمهم الذاتي. فطريقة تنظيم الدروس، وأساليب التقييم، واتجاهات المعلمين نحو أهداف التعلم، جميعها تؤثر في الأهداف التي يضعها الطلاب لأنفسهم. فعندما يسود التركيز على أهداف الأداء والمقارنة بين الطلاب، يميل الطلاب ذوو الإعاقة إلى تبني استراتيجيات سطحية وتجنب التحديات. أما في البيئات التي تعزز أهداف الإتقان والتعلم، فإنهم يكونون أكثر استعدادًا لاستخدام استراتيجيات تنظيم ذاتي فعالة، والمثابرة في مواجهة الصعوبات.
كما تبرز الكفاءة الذاتية كعنصر محوري في عملية التعلم المنظم ذاتيًا، حيث إن امتلاك المعرفة بالاستراتيجيات لا يكفي ما لم يكن لدى الطالب إيمان بقدرته على استخدامها بنجاح. وقد أظهرت الدراسات أن الطلاب ذوي صعوبات التعلم غالبًا ما يعانون من انخفاض في كفاءتهم الذاتية مقارنة بأقرانهم، مما ينعكس سلبًا على تحصيلهم الأكاديمي. ولذلك، فإن توفير فرص النجاح التدريجي، والدعم المستمر، والتغذية الراجعة الإيجابية، يُعد ضروريًا لتعزيز ثقة هؤلاء الطلاب بأنفسهم.
وتُعد الخبرات غير المباشرة، مثل مشاهدة نماذج ناجحة من طلاب يواجهون تحديات مشابهة، من الأساليب الفعالة في تنمية التنظيم الذاتي. كما أن قيام المعلم بنمذجة التفكير بصوت عالٍ، وشرح كيفية التخطيط والمراقبة والتقييم، يساعد الطلاب على فهم العمليات الداخلية للتعلم المنظم ذاتيًا، والتي غالبًا ما تكون غير مرئية.
من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال دور الجوانب الانفعالية والفسيولوجية في هذه العملية. فالقلق، والتوتر، والإجهاد قد يدفع الطلاب ذوي صعوبات التعلم إلى تفسير مشاعرهم بشكل سلبي، واعتبارها دليلًا على عدم القدرة، مما يعيق استخدامهم لاستراتيجيات التنظيم الذاتي. ولذلك، فإن الدعم العاطفي من المعلمين، وتهيئة بيئة تعليمية آمنة ومشجعة، يُعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي تدخل يهدف إلى تنمية التعلم المنظم ذاتيًا.
وتشير المراجعة إلى أن الطلاب ذوي صعوبات التعلم غالبًا ما لا تُتاح لهم فرص كافية ومنهجية لتطوير مهارات التنظيم الذاتي داخل الصفوف الدراسية، وهو ما يستدعي تبني استراتيجيات تعليمية أكثر شمولية ومرونة. ومن بين التدخلات الفعالة التي تناولتها الدراسات، برنامج تطوير استراتيجيات التنظيم الذاتي، الذي أثبت نجاحه في تحسين مهارات الكتابة، وحل المشكلات، والفهم القرائي، إضافة إلى رفع مستوى الدافعية والاستقلالية لدى الطلاب.
ختامًا، يتضح أن التعلم المنظم ذاتيًا يمثل أداة قوية لدعم الطلاب ذوي صعوبات التعلم، ليس فقط من خلال تحسين أدائهم الأكاديمي، بل أيضًا عبر تمكينهم من فهم أنفسهم كمتعلمين، وبناء شعور بالكفاءة والسيطرة على تعلمهم. وتؤكد هذه المراجعة على الحاجة إلى مزيد من الأبحاث التي تستكشف تطبيقات التعلم المنظم ذاتيًا في سياقات تعليمية متنوعة، وتصميم تدخلات تراعي الفروق الفردية، وتسهم في خلق بيئات تعليمية أكثر دعمًا وعدالة للطلاب ذوي صعوبات التعلم.
وفي ضوء ما سبق، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في الممارسات التعليمية المتبعة مع الطلاب ذوي صعوبات التعلم، بحيث لا تقتصر على تقديم المحتوى الأكاديمي، بل تمتد لتشمل تعليم مهارات التعلم المنظم ذاتيًا بصورة صريحة ومنهجية. إن تمكين هؤلاء الطلاب من التخطيط لتعلمهم، ومراقبة تقدمهم، وتقييم نتائجهم، يسهم في تعزيز استقلاليتهم داخل الصف وخارجه، ويقلل من اعتمادهم المفرط على المعلم. كما أن دمج استراتيجيات التنظيم الذاتي ضمن المناهج الدراسية اليومية، وليس كأنشطة منفصلة، يساعد على تعميم هذه المهارات عبر المواد المختلفة. ويقع على عاتق المعلمين دور أساسي في تهيئة بيئات تعليمية داعمة تشجع المحاولة والخطأ، وتُعلي من قيمة التقدم الفردي بدل المقارنة بين الطلاب. ومن هنا، فإن الاستثمار في تدريب المعلمين على استراتيجيات التعلم المنظم ذاتيًا يُعد خطوة جوهرية نحو تحقيق تعليم أكثر شمولًا وعدالة، يلبي احتياجات الطلاب ذوي صعوبات التعلم ويدعم نموهم الأكاديمي والنفسي على حد سواء.
المرجع:
Self-regulated learning and students with disabilities: a mini review





