ترجمة: أ. نوره الدوسري
عند مناقشة الاشتراط الإجرائي (Operant Conditioning)، يتم استخدام عدد من المصطلحات الشائعة في حياتنا اليومية مثل: إيجابي، سلبي، تعزيز، وعقاب ولكن بمعانٍ علمية متخصصة تختلف عن الاستخدام العام. ففي علم النفس السلوكي، لا يُقصد بكلمتي إيجابي وسلبي معنى الجيد أو السيئ، وإنما يُقصد بـ الإيجابي إضافة مثير أو عنصر ما، بينما يُقصد بـ السلبي إزالة مثير أو عنصر ما. أما التعزيز فيعني زيادة احتمال حدوث السلوك، في حين أن العقاب يعني خفض أو تقليل احتمال حدوث السلوك.
بناءً على ذلك، يمكن أن يكون التعزيز إيجابيًا أو سلبيًا، كما يمكن أن يكون العقاب إيجابيًا أو سلبيًا. فجميع أشكال التعزيز سواء كانت إيجابية أو سلبية تؤدي إلى زيادة احتمال تكرار السلوك، بينما تؤدي جميع أشكال العقاب سواء كانت إيجابية أو سلبية إلى خفض احتمال تكرار السلوك. ومن خلال الجمع بين هذه المصطلحات الأربعة، نحصل على الأنواع التالية: التعزيز الإيجابي، التعزيز السلبي، العقاب الإيجابي، والعقاب السلبي.
أنواع التعزيز والعقاب
التعزيز | العقاب | |
إيجابي | إضافة مثير لزيادة احتمال حدوث السلوك | إضافة مثير لخفض احتمال حدوث السلوك |
سلبي | إزالة مثير لزيادة احتمال حدوث السلوك | إزالة مثير لخفض احتمال حدوث السلوك |
التعزيز الإيجابي
يُعد التعزيز الإيجابي من أكثر الأساليب فاعلية في تعليم الإنسان أو الحيوان سلوكًا جديدًا. ففي هذا النوع من التعزيز، يتم إضافة مثير مرغوب بعد حدوث السلوك بهدف زيادة احتمالية تكراره في المستقبل.
على سبيل المثال، إذا أخبرت طفلًا في الخامسة من عمره يُدعى جيروم أنه سيحصل على لعبة إذا قام بترتيب غرفته، فإن جيروم غالبًا ما سيبادر إلى تنظيف غرفته بسرعة لأنه يرغب في الحصول على مجموعة الرسم الجديدة. وقد يتساءل بعض الأشخاص: «لماذا نكافئ الطفل على أمر يُفترض أنه متوقع منه؟» إلا أن الواقع يشير إلى أن التعزيز يُستخدم باستمرار في حياتنا اليومية؛ فالأجور الشهرية، والدرجات العالية، والقبول في المدرسة المفضلة، جميعها أشكال من المكافآت. كما أن الثناء على الأداء الجيد أو النجاح في اختبار القيادة يُعد شكلًا من أشكال التعزيز الإيجابي.
وقد أظهرت الأبحاث أن التعزيز الإيجابي أداة تعليمية فعالة للغاية. فعلى سبيل المثال، وُجد أن أحد أنجح الأساليب لرفع مستوى التحصيل الدراسي في المناطق التعليمية ذات المعدلات المتدنية في القراءة كان مكافأة الأطفال ماليًا على القراءة. ففي دراسة أُجريت على طلاب الصف الثاني في مدينة دالاس، كان يتم دفع دولارين للطفل في كل مرة يقرأ فيها كتابًا ويجتاز اختبارًا قصيرًا حوله، وقد أسفرت النتائج عن تحسن ملحوظ في مستوى الفهم القرائي.
ولو كان عالم النفس السلوكي بورهوس فريدريك سكنر حيًا اليوم، لربما رأى في هذا البرنامج فكرة ممتازة؛ إذ كان من أشد المؤيدين لتطبيق مبادئ الاشتراط الإجرائي للتأثير في سلوك الطلاب داخل المدارس. ولم يقتصر إسهامه على اختراع صندوق سكنر فحسب، بل قام أيضًا بتطوير ما أطلق عليه آلة التعليم، والتي صُممت لمكافأة الخطوات الصغيرة في عملية التعلم، وتُعد من أوائل النماذج التي مهدت للتعلم المدعوم بالحاسوب. فقد كانت هذه الآلة تختبر معرفة الطلاب أثناء تقدمهم في الدروس، فإذا كانت الإجابة صحيحة تلقوا تعزيزًا إيجابيًا فوريًا واستمروا في التعلم، أما إذا كانت الإجابة خاطئة فلا يحصلون على تعزيز، مما يدفعهم إلى دراسة المادة مرة أخرى لزيادة فرص النجاح لاحقًا.
التعزيز السلبي
في التعزيز السلبي، يتم إزالة مثير غير مرغوب من أجل زيادة احتمال حدوث سلوك معين. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك أنظمة أحزمة الأمان في السيارات، حيث يصدر صوت مزعج مستمر إلى أن يقوم السائق بربط الحزام. وبمجرد ربط الحزام، يتوقف الصوت، مما يزيد من احتمال التزام السائق بربط الحزام مستقبلًا.
ويُستخدم التعزيز السلبي أيضًا بشكل واسع في تدريب الخيول، حيث يقوم الفارس بتطبيق ضغط معين مثل شد اللجام أو الضغط بالساقين ثم يزيل هذا الضغط عندما يستجيب الحصان للسلوك المطلوب، كالدوران أو زيادة السرعة. فالضغط هنا يُعد مثيرًا سلبيًا يسعى الحصان للتخلص منه، وإزالته تعزز السلوك المرغوب.
العقاب
يخلط كثير من الناس بين التعزيز السلبي والعقاب، إلا أنهما يختلفان جذريًا. فالتعزيز حتى وإن كان سلبيًا يؤدي دائمًا إلى زيادة السلوك، بينما يؤدي العقاب دائمًا إلى خفضه.
في العقاب الإيجابي، يتم إضافة مثير غير مرغوب بهدف تقليل سلوك معين. على سبيل المثال، توبيخ طالب لإيقافه عن استخدام الهاتف داخل الصف يُعد شكلًا من أشكال العقاب الإيجابي، حيث تمت إضافة التوبيخ لتقليل السلوك غير المرغوب.
أما العقاب السلبي، فيتمثل في إزالة مثير مرغوب بهدف تقليل السلوك. فعلى سبيل المثال، عندما يسيء الطفل التصرف، قد يقوم الوالدان بحرمانه من لعبته المفضلة، وبذلك تتم إزالة مثير مرغوب لتقليل السلوك غير المرغوب.
ورغم أن العقاب خصوصًا إذا كان فوريًا قد يكون فعالًا في خفض بعض السلوكيات، إلا أن له آثارًا جانبية محتملة. فقد يؤدي العقاب إلى توليد الخوف، ليس فقط من السلوك نفسه، بل من الشخص الذي يطبق العقاب. كما تشير الدراسات إلى أن العقاب الجسدي قد يزيد من السلوك العدواني والميل إلى السلوكيات غير الاجتماعية لدى الأطفال. ولهذا السبب، فإن العديد من المختصين في علم النفس والتربية اليوم يفضلون الاعتماد على التعزيز بدلًا من العقاب، ويوصون بالتركيز على ملاحظة السلوكيات الإيجابية وتعزيزها.
التشكيل (Shaping)
استخدم سكنر في تجاربه أسلوبًا يُعرف بالتشكيل، حيث لا يتم تعزيز السلوك النهائي فقط، بل يتم تعزيز التقريبات المتتالية للسلوك المستهدف. ويُستخدم هذا الأسلوب لأن الكائن الحي نادرًا ما يؤدي سلوكًا معقدًا بشكل تلقائي. لذلك، يتم تقسيم السلوك إلى خطوات صغيرة وقابلة للتحقيق، ويتم تعزيز كل خطوة تقترب أكثر من السلوك النهائي.
ويُستخدم التشكيل على نطاق واسع في تعليم السلوكيات المعقدة، سواء لدى الحيوانات أو البشر. فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو تعليم الطفل ترتيب غرفته، يمكن البدء بتعزيز ترتيب لعبة واحدة، ثم خمس ألعاب، ثم عشر ألعاب، وصولًا إلى ترتيب الغرفة بالكامل.
المعززات الأولية والثانوية
تختلف المعززات المستخدمة في التعلم السلوكي، فمنها المعززات الأولية التي تمتلك قيمة فطرية غير مكتسبة، مثل الطعام والماء والنوم واللمس والمتعة. أما المعززات الثانوية، فهي لا تمتلك قيمة ذاتية، وإنما تكتسب قيمتها من ارتباطها بالمعززات الأولية، مثل الثناء، والمال، والملصقات.
ويعتبر الاقتصاد الرمزي (Token Economies) من أكثر الأنظمة السلوكية فاعلية، حيث يحصل الأفراد على رموز مقابل السلوكيات المرغوبة، ويمكن استبدال هذه الرموز بمكافآت لاحقًا. وقد أثبتت الدراسات فاعلية هذه الأنظمة في المدارس والمؤسسات المختلفة، بما في ذلك العمل مع الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، حيث ساهمت في زيادة السلوكيات الاجتماعية المناسبة وخفض السلوكيات غير المرغوبة.
المرجع
Reinforcement and Punishment
https://courses.lumenlearning.com/waymaker-psychology/chapter/operant-conditioning/





