الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مشاعر الوالدين عند الولادة المبكرة: رحلة من القلق والأمل إلى التعافي النفسي

 

ترجمة: أ. سوار الماجري

 

مقدمة: صدمة التوقيت وغياب الاستعداد النفسي

تُعد مرحلة الحمل من أكثر المراحل المليئة بالتوقعات الإيجابية والخطط المستقبليّة في حياة الأسرة. ينتظر الوالدان بشوق لحظة وصول طفلهما في الموعد المحدد، ويضعان تصورات ذهنية ورسومات مشاعرية لما ستكون عليه الأيام الأولى من استقبال المولد. ولكن، عندما تحدث الولادة المبكرة (Premature Birth) على نحو غير متوقع، تنقلب هذه الخطط والتصورات رأساً على عقب في لحظات معدودة.

تضع الولادة المبكرة الوالدين أمام واقع مغاير تماماً لما تم التخطيط له؛ حيث يُنقل الطفل فور ولادته إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة (NICU) لتلقي الرعاية الطبية الحثيثة. هذا الانتقال المفاجئ والسريع من أجواء الانتظار السعيد إلى بيئة العلاج المكثف والمعدات الطبية يسبب للوالدين صدمة عاطفية عميقة تتطلب فهمها والتعامل معها بحذر وعناية بالغة.

إن غياب الاستعداد النفسي لمثل هذا الحدث الطارئ يخلق حالة من الفراغ العاطفي والتشتت الإدراكي لدى الأبوين؛ إذ يجدان أنفسهما فجأة في مواجهة قرارات طبية مصيرية ومصطلحات معقدة بدلاً من الاحتفال بقدوم الطفل وتلقي التهاني. يتضاعف هذا التحدي النفسي مع الشعور بالقلق المستمر على حياة الوليد وسلامته الجسدية، فضلاً عن الضغوط الإضافية الناجمة عن تغير بيئة الولادة والتواصل المكثف مع الأطقم الطبية، مما يجعل المرحلة الأولى مليئة بالتخبط والارتباك الشديدين.

طيف المشاعر المتضاربة لدى الوالدين في الأيام الأولى

تتسم الأيام والأسابيع الأولى التي تعقب الولادة المبكرة بموجات متلاطمة من المشاعر المعقدة والتناقضات النفسية التي يمر بها الأب والأم على حد سواء. تشمل هذه المشاعر:

  1. الصدمة والشعور بالذهول (Shock and Disbelief):
    تكون الاستجابة الأولى غالباً هي الشعور بعدم الاستيعاب، وكأن ما يحدث هو كابوس مجرد. يصعب على الوالدين تصديق أن ولادتهما قد تمت بالفعل وأن طفلهما يرقد في وحدة العناية بدلاً من وجوده بين أحضانهما في المنزل.

  2. الشعور بالذنب والتقصير (Guilt):
    تراود الأم بشكل خاص أسئلة قاسية ومجهدة نفسياً مثل: “هل قمت بشيء خاطئ أثناء الحمل؟”، “هل أجهدت نفسي أكثر من اللازم؟”، أو “هل كان بإمكاني منع هذه الولادة؟”. ورغم أن معظم حالات الولادة المبكرة تحدث لأسباب طبية خارجة تماماً عن إرادة الأم، إلا أن مشاعر الذنب تظل حاضرة بقوة في الوجدان.

  3. الحزن والحداد النفسي (Grief for the Lost Experience):
    يشعر الوالدان بالحزن ليس فقط على وضع الطفل الصحي، بل أيضاً على “تجربة الحمل الطبيعية” التي سُلبت منهما؛ مثل حرمانهما من الأسابيع الأخيرة من الحمل، أو عدم خوض تجربة الولادة التقليدية، أو عدم التمكن من حمل الطفل وإرشاده فور ولادته مباشرة.

  4. الخوف والعجز (Fear and Helplessness):
    يولّد المشهد العام لوحدة العناية المركزة—بأجهزتها المحيطة وشاشات مراقبة العلامات الحيوية والأنابيب الموصولة ببدن الطفل الصغير—شعوراً كبيراً بالخوف لدى الوالدين. يترافق ذلك مع إحساس بالعجز التام عن تقديم المساعدة المباشرة لطفلهما، وترك كل المقاليد للكوادر الطبية.

بيئة العناية المركزة لحديثي الولادة (NICU) وتأثيرها النفسي

تُعد وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة بيئة عالية التقنية ومصممة لإنقاذ حياة الأطفال، ولكنها بالنسبة للوالدين قد تبدو في البداية بيئة مقلقة وغريبة.

  • الصدمة الحسيّة (Sensory Overload):
    الإنذارات المتكررة، والأضواء الساطعة، وأصوات الأجهزة، والتحركات المستمرة للأطباء والممرضين قد تتسبب في إجهاد حسي ونفسي كبير للوالدين، مما يرفع من مستويات القلق والتوتر لديهما.

  • الشعور بالغربة وصعوبة ممارسة دور الأبوة/الأمومة:
    في الأيام الأولى، قد ينتاب الوالدان شعور بأنهما “زوار” لدى طفلهما وليس الأبوين الفعليين؛ حيث يتعين عليهما أخذ إذن للمس الطفل أو التفاعل معه وفق إرشادات دقيقة، مما يضع عائقاً مؤقتاً أمام الرابطة العاطفية المباشرة.

التحديات والعلاقات الأسرية خلال الرحلة

لا تقتصر التأثيرات العاطفية للولادة المبكرة على الفرد فقط، بل تمتد لتلقي بظلالها على الأسرة ككل:

الجانب الأسري

التحديات المتوقعة

كيفية التعامل والحلول

العلاقة بين الزوجين

اختلاف طرق التعبير عن القلق؛ فالبعض يفضل الكلام والبعض يميل للانعزال والعمل.

التواصل المفتوح، وتقبل الاختلافات في طرق الاستجابة النفسية دون إطلاق أحكام.

الأخوة الكبار في المنزل

الشعور بالحيرة أو الإهمال نتيجة انشغال الوالدين الدائم بالمستشفى.

شرح الوضع بلغة بسيطة تناسب عمرهم، وإشراكهم في التحضير لاستقبال الطفل.

الدائرة الاجتماعية والأقارب

الأسئلة المتكررة والفضول أو تقديم نصائح غير دقيقة حُسنة النية.

تحديد شخص مقرب لنقل الأخبار، وضع حدود واضحة للتواصل لحماية الطاقة النفسية.

استراتيجيات التأقلم وبناء الرابطة العاطفية مع الطفل المبتسر

على الرغم من صعوبة هذه الرحلة، هناك خطوات واستراتيجيات عملية ونفسية تساعد الوالدين على استعادة الشعور بالسيطرة وبناء رابطة قوية ومحبة مع طفلهما:

  1. المشاركة في الرعاية اليومية (Parent Involvement):
    حتى وإن لم يستطع الوالدان حمل الطفل في البداية، يمكنهما المشاركة في تغيير الحفاضات، أو قياس الحرارة، أو وضع القطرات، أو لمس الطفل بهدوء. هذه اللمسات الصغرى تعزز شعور الوالدين بالأمومة والأبوة الفاعلة.

  2. رعاية الكنغر (Kangaroo Care):
    تعتبر ملامسة الجلد للجلد (Skin-to-Skin contact) بين الطفل والأم أو الأب من أهم الممارسات المدعومة علمياً. فهي لا تساعد فقط في تنظيم تنفس الطفل وضربات قلبه وزيادة وزنه، بل تعمل أيضاً على تقليل هرمونات التوتر لدى الوالدين وتعزيز فرز هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الترابط).

  3. التواصل اللفظي والصوتي:
    سماع صوت الأم والأب يوفر للطفل المبتسر شعوراً بالأمان والراحة التي ألفها داخل الرحم. إن التحدث إلى الطفل، أو الغناء له، أو قراءة القصص بصوت هادئ يساهم في النمو العصبي للطفل ويرسخ الرابطة النفسية بينهما.

  4. تثقيف الذات واستشارة الطاقم الطبي:
    إن فهم حالة الطفل الطبية ومعرفة معاني المصطلحات المستخدمة في العناية المركزة يقلل من الغموض ويزيد من قدرة الوالدين على اتخاذ القرارات والمشاركة كشركاء في رحلة علاج طفلهما.

العناية بالصحة النفسية للوالدين: ضرورة وليست رفاهية

لتمكين الوالدين من تقديم الدعم والمحبة لطفلهما، ينبغي عليهما أولاً الاهتمام بصحتهما النفسية والجسدية. لا يمكن تقديم الرعاية بكفاءة من خزان فارغ:

  • تقبل جميع المشاعر دون إصدار أحكام: من الطبيعي جداً أن يشعر الوالدان بالمزيج المتقلب بين الأمل والخوف في نفس اليوم. تقبل هذه المشاعر كجزء من عملية التعافي النفسي يقلل من الضغط الداخلي.

  • الحصول على قسط كافٍ من الراحة والتغذية: إهمال النوم والأكل السليم يؤدي لتفاقم الإجهاد النفسي والإنهاك العصبي (Burnout).

  • طلب الدعم المختص عند الحاجة: إذا استمرت مشاعر الاكتئاب، أو القلق الحاد، أو أعراض ما بعد الصدمة (PTSD)، يجب عدم التردد في استشارة أخصائي نفسي أو الانضمام لمجموعات دعم الوالدين الذين خاضوا تجارب مماثلة.

خاتمة

إن تجربة الولادة المبكرة هي رحلة استثنائية مليئة بالتحديات والصبر واللحظات الدقيقة. ورغم ما تحمله الأيام الأولى من صدمة وقلق وخوف، إلا أن الكثير من الوالدين يكتشفون خلالها مكامن قوة وصمود لم يكونوا يعرفونها في أنفسهم.

تذكر دائماً أن المشاعر الصعبة التي يمر بها الوالدان هي استجابة طبيعية لظرف غير طبيعي. ومع مرور الوقت، وتلقي الدعم المناسب من الكوادر الطبية والمحيط الأسري، والتركيز على الروابط الصغيرة مع الطفل يوماً بعد يوم، تتحول هذه الرحلة من صراع مع القلق إلى قصة نجاح وأمل تجسد أسمى معاني الحب والرعاية الأسرية.

المرجع : 

After premature birth: your emotions

https://raisingchildren.net.au/pregnancy/premature-birth/premature-labour-birth/premature-birth-feelings