ترجمة: أ. نوره الدوسري
المقدمة
تُعد اضطرابات المعالجة الحسية من السمات الشائعة لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وتشمل صعوبات في استقبال المعلومات الحسية من البيئة مثل اللمس، الصوت، التذوق، والشم. من بين هذه الجوانب، تُعتبر الحساسية الفموية من أكثر الجوانب ارتباطًا بالمشكلات الغذائية وصعوبات التواصل.
تحدث الحساسية الفموية عندما يكون الطفل إما مفرط الحساسية تجاه المثيرات الفموية مثل المذاق والملمس، أو منخفض الحساسية بحيث لا يشعر بالمثيرات كما يفترض.
تشير الدراسات إلى أن ما يقارب 70–90٪ من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات غذائية أو سلوكية أثناء تناول الطعام، وأن هذه الصعوبات ترتبط غالبًا باضطرابات حسية فموية تؤثر أيضًا على النطق والتواصل اللفظي. على سبيل المثال، قد يتجنب الطفل أطعمة معينة بسبب ملمسها أو طعمها، وقد يواجه صعوبة في مضغ الطعام أو استخدام الفم بشكل مناسب أثناء الكلام، مما يؤدي إلى تأخر لغوي وضعف في التواصل الاجتماعي.
من هنا، سعى هذا البحث إلى دراسة العلاقة بين المشكلات الحسية الفموية ومهارات التغذية والتواصل لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، في محاولة لفهم كيف يمكن أن تؤثر المشكلات الحسية المبكرة على الجوانب اللغوية والاجتماعية لاحقًا.
المنهج
عينة الدراسة
شارك في البحث 40 طفلًا تمّ تشخيصهم باضطراب طيف التوحد وفقًا لمعايير DSM-5 ومقياس تقييم التوحد الطفولي (CARS). تراوحت أعمارهم بين 2.5 إلى 7 سنوات بمتوسط عمر 4.1 سنوات. تم استبعاد الأطفال الذين لديهم اضطرابات نمائية أخرى مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو الإعاقة الذهنية.
الأدوات المستخدمة
- مقياس الملف الحسي للأطفال (SP-2): لقياس المشكلات الحسية الفموية، وخاصة الحساسية للّمس والتذوق.
- مقياس تقييم السلوك الغذائي للأطفال (BPFAS): لقياس سلوكيات الأكل، كرفض الطعام أو طول فترة الوجبة، بالإضافة إلى مدى قلق الأهل أثناء الإطعام.
- مقياس السلوك الرمزي والتواصلي (CSBS-DP): لتقييم مهارات التواصل مثل استخدام النظرة، الإيماءات، الأصوات، والكلمات.
تم جمع البيانات من أولياء الأمور من خلال المقابلات والاستبيانات، ثم تحليل النتائج باستخدام معامل الارتباط سبيرمان لتحديد العلاقة بين الجوانب الثلاثة: المص الفموي، السلوك الغذائي، ومهارات التواصل.
النتائج
أولًا: المشكلات الحسية الفموية
أظهرت النتائج أن أكثر من نصف الأطفال (57٪) لديهم حساسية فموية مرتفعة، ما يعني أنهم يواجهون صعوبة في تقبل المثيرات الفموية. كانت المشكلات الأكثر شيوعًا هي الانتقائية في الطعام (Food Selectivity)، أي رفض أنواع محددة من الأطعمة، وتفضيل نكهات أو ملمس معين (مثل الطعام الطري فقط).
ثانيًا: سلوكيات الأكل
أشارت النتائج إلى أن معظم الأطفال لديهم سلوكيات غذائية مضطربة تشمل:
- رفض الطعام أو البصق أثناء الوجبة.
- الأكل ببطء شديد (أكثر من 20 دقيقة).
- الحاجة إلى إجبار الطفل على الأكل.
- الاعتماد على نوع محدد من الأطعمة.
كما لوحظ أن الوجبات المنزلية كانت مصدرًا للتوتر للأهل، حيث عبّر العديد من أولياء الأمور عن معاناتهم اليومية في إطعام أطفالهم، ما أدى إلى زيادة مستويات القلق لديهم.
ثالثًا: مهارات التواصل
كشفت نتائج مقياس التواصل أن الأطفال أظهروا ضعفًا ملحوظًا في الاستجابة للمناداة، استخدام الإشارات، فهم الكلمات، وإنتاج الأصوات أو الكلمات. كما كانت نتائج مكون “اللغة التعبيرية” هي الأدنى بين المقاييس الثلاثة، مما يدل على ضعف القدرة على التعبير اللفظي.
رابعًا: العلاقات الإحصائية
- وُجد ارتباط سلبي ضعيف بين الحساسية الفموية ومهارات التواصل (r = -0.24)، أي أنه كلما ازدادت المشكلات الحسية، تراجعت مهارات التواصل، لكن العلاقة لم تكن قوية إحصائيًا.
- بينما وُجد ارتباط إيجابي متوسط وقوي الدلالة بين الحساسية الفموية والمشكلات الغذائية (r = 0.47)، أي أن ارتفاع الحساسية الفموية ارتبط بزيادة صعوبات الأكل.
المناقشة
تشير نتائج هذه الدراسة إلى وجود ارتباط وثيق بين الاضطرابات الحسية الفموية وصعوبات الأكل، بينما العلاقة بين الحساسية الفموية والتواصل كانت ضعيفة لكنها واضحة الاتجاه.
يرجّح الباحثون أن الأطفال الذين يعانون من فرط الحساسية الفموية قد يجدون بعض الأطعمة غير محتملة بسبب طعمها أو ملمسها، مما يؤدي إلى تجنب الأكل أو الانتقائية الشديدة. وعلى العكس، من لديهم نقص في الحساسية الفموية قد لا يشعرون بالمثيرات بشكل كافٍ، فيقومون بحشو الطعام في الفم أو البحث عن نكهات قوية.
هذه السلوكيات لا تؤثر فقط على التغذية، بل تمتد إلى النطق والكلام، لأن العضلات والأعصاب المستخدمة في المضغ والبلع هي نفسها التي تُستخدم لإنتاج الأصوات والكلمات. ومع ضعف التجربة الحسية الفموية، قد تتأخر تطورات اللغة التعبيرية.
كما أوضحت الدراسة أن سلوكيات الأكل الصعبة تخلق عبئًا نفسيًا على الأهل، ما قد يفاقم من اضطراب العلاقة التفاعلية أثناء الوجبات. هذا يعني أن علاج مشكلة الإطعام يجب ألا يركز فقط على الطفل، بل على البيئة الأسرية أيضًا.
أكد الباحثون كذلك على أهمية الفريق متعدد التخصصات في علاج هذه الحالات، ويشمل:
- أخصائي تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لمعالجة السلوكيات المرتبطة بالأكل.
- أخصائي النطق واللغة لتقوية العضلات الفموية وتحسين مهارات الكلام.
- أخصائي العلاج الوظيفي لمعالجة الحساسية الحسية.
- أخصائي التغذية لضمان توازن النظام الغذائي.
أظهرت الدراسة أيضًا أن بعض الأطفال استمروا في مواجهة مشكلات حسية وغذائية رغم تلقيهم جلسات علاجية، ما يعني أن العلاج يحتاج إلى متابعة طويلة الأمد وتنسيق بين التخصصات.
التوصيات
- التقييم المبكر للحس الفموي ضروري لأي طفل مشخص باضطراب طيف التوحد، لأن المشكلات الفموية قد تكون سببًا رئيسيًا في رفض الطعام أو تأخر الكلام.
- إشراك الأهل في خطة العلاج من خلال تدريبهم على استراتيجيات الإطعام الآمن، وتدرّج تعريض الطفل للأطعمة الجديدة.
- الدمج بين العلاج السلوكي والعلاج الحسي، بحيث يتم تعديل السلوكيات غير المرغوبة (مثل رفض الطعام أو البصق) بالتوازي مع تقديم تجارب حسية تدريجية لتقليل الحساسية.
- توفير دعم نفسي للأهل لتقليل القلق المصاحب لإطعام الطفل، وتشجيعهم على خلق بيئة وجبات هادئة ومشجعة.
- إجراء مزيد من الأبحاث الطولية لفهم العلاقة السببية بين الحساسية الفموية وتطور اللغة، لأن الدراسة الحالية اعتمدت على تحليل ترابطي وليس سببيًا.
- توسيع العينة المستقبلية لتشمل فئات عمرية مختلفة ولمقارنة مستويات الشدة في اضطراب التوحد.
الخلاصة
أثبتت الدراسة إلى أن المشكلات الحسية الفموية تُعد عاملًا رئيسيًا في صعوبات الأكل والتواصل لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. فكلما كانت حساسية الطفل الفموية أعلى، زادت مشكلاته في تناول الطعام وتعبيره اللفظي.
ويؤكد الباحثون على أهمية أن يُعالج الأخصائيون هذه الجوانب مجتمعة لا منفصلة، لأن التغذية والتواصل والسلوك الحسي مترابطة بشكل وثيق. ويُنصح الأهالي باللجوء إلى برامج تدخل شاملة تشمل التدريب على القبول الحسي للأطعمة، وتمارين النطق الفموية، واستراتيجيات التعزيز الإيجابي أثناء الوجبات.
في النهاية، يسلط هذا البحث الضوء على جانب غالبًا ما يُغفل عنه في خطط التدخل، وهو أن الفم ليس فقط مدخل الطعام، بل بوابة التواصل أيضًا. وبالتالي فإن فهم المشكلات الحسية الفموية والتعامل معها مبكرًا يمكن أن يسهم بشكل مباشر في تحسين نوعية حياة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وأسرهم.
المرجع :
Oral Sensory Issues with Feeding and Communication Skills in Autistic Children :
https://link.springer.com/article/10.1007/s41252-023-00338-1





