الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاج الوظيفي لذوي صعوبات التعلم

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

إرشادات حول النشاط والتكامل الحسي

يُعدّ التكامل الحسي أحد الأسس الجوهرية لعمل الجهاز العصبي، إذ يمكّن الإنسان من استقبال المعلومات الحسية من البيئة وتنظيمها وتفسيرها بطريقة تساعده على التفاعل معها بشكل ملائم. وعندما تحدث صعوبات في التكامل الحسي، فإن الجهاز العصبي قد يستجيب للمثيرات الحسية إما بحساسية مفرطة (فرط الاستجابة) أو بحساسية منخفضة (نقص الاستجابة). فبعض الأفراد قد يشعرون بالألم أو التهديد من منبهات حسية عادية وغير مؤذية، مثل الأصوات الخفيفة أو اللمس البسيط، في حين قد لا يلاحظ آخرون منبهات حسية أساسية من حولهم، كالأصوات أو التغيرات الجسدية، إلا بدرجة ضعيفة أو متأخرة.

هذه الاختلافات في المعالجة الحسية لا تؤثر على جانب واحد من حياة الفرد فحسب، بل تمتد لتشمل جميع أنشطته اليومية، من العناية الذاتية والتواصل الاجتماعي، إلى التعلم والمشاركة المجتمعية. وتُعدّ صعوبات التكامل الحسي شائعة وذات أهمية خاصة لدى كثير من الأفراد ذوي صعوبات التعلم، وغالبًا ما تُفسَّر استجاباتهم أو سلوكياتهم على أنها سلوكيات سلبية أو غير ملائمة. إلا أن هذه السلوكيات، في حقيقتها، تمثل وسيلة تواصل غير لفظية تعبّر عن احتياجات حسية غير ملبّاة، ومحاولة من الفرد لتنظيم مدخلاته الحسية حتى يتمكن من الأداء الوظيفي بشكل أفضل.

من هذا المنطلق، فإن التدخل العلاجي في مجال التكامل الحسي لا يهدف إلى “إيقاف” السلوك، بل إلى فهم الرسالة الكامنة خلفه، والعمل على تهيئة البيئة أو النشاط بطريقة تدعم التنظيم الحسي للفرد. ويمكن أن تشمل التدخلات عدة محاور، مثل تكييف البيئة المحيطة لتقليل أو تعديل المثيرات الحسية، وتقديم استراتيجيات تعويضية تساعد الفرد على التكيف، ومراجعة الجدول اليومي لضمان تحقيق توازن بين الأنشطة المنشطة والأنشطة المهدئة، إضافة إلى تطوير استراتيجيات تمكّن الفرد من إدارة احتياجاته الحسية بشكل ذاتي قدر الإمكان.

يعتمد التكامل الحسي على مجموعة من الحواس الأساسية التي يتفاعل من خلالها الإنسان مع العالم. وتشمل هذه الحواس الخمس التقليدية: حاسة الشم، المسؤولة عن استقبال الروائح؛ وحاسة التذوق، المرتبطة بإدراك النكهات؛ وحاسة اللمس، التي تنقل الإحساس بالضغط والحرارة والملمس؛ وحاسة السمع، التي تمكّن من إدراك الأصوات وتنظيمها؛ وحاسة البصر، التي تتيح تفسير المعلومات المرئية. إلى جانب هذه الحواس، هناك حاستان إضافيتان لا تقلان أهمية، وهما الجهاز الدهليزي المسؤول عن الإحساس بالحركة والتوازن، وحاسة الحس العميق (الإحساس بوضعية الجسم)، التي تساعد الفرد على إدراك وضعية جسمه وأطرافه في الفراغ دون الحاجة إلى النظر.

ومن المهم التأكيد على أن الأنشطة الحسية المناسبة لا ينبغي أن تقتصر على أوقات الترفيه أو الأنشطة الترويحية فقط، بل إن كثيرًا من أنشطة الحياة اليومية، مثل العناية الشخصية والمهام المنزلية، يمكن أن تسهم بشكل فعّال في تلبية الاحتياجات الحسية للفرد. وتزداد أهمية هذا الأمر لدى الأفراد الذين يعانون من فرط الاستثارة الحسية، حيث قد يكونون قد تلقوا بالفعل قدرًا كافيًا أو زائدًا من المدخلات الحسية خلال اليوم، قبل بدء ما يُعتبر “النشاط الرئيسي” في جدولهم اليومي. تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى زيادة التوتر والانزعاج، ويؤثر سلبًا على قدرتهم على المشاركة.

إن الانخراط في مختلف الأنشطة اليومية توفر تحفيزًا حسيًا مناسبًا يُعد أمرًا أساسيًا للصحة النفسية والجسدية وللرفاه العام لدى جميع الأفراد، إلا أن هذه الأهمية تصبح أكثر إلحاحًا لدى من يواجهون صعوبات في المعالجة الحسية. ولهذا، فإن مراعاة الجوانب الحسية في تخطيط الأنشطة يُعد ممارسة مهنية سليمة وضرورية في العلاج الوظيفي.

ويُقصد بالنشاط أو “الانشغال الوظيفي” أي فعل أو مهمة يشارك فيها الفرد، ويكون للنشاط قيمة علاجية حقيقية فقط عندما يكون ذا معنى بالنسبة له. فالنشاط الهادف هو ذلك الذي يتماشى مع اهتمامات الفرد، ويعكس قيمه، ويتناسب مع مستوى مهاراته وقدراته. وقد يعني ذلك، في بعض الحالات، مشاركة الفرد في أجزاء محدودة من النشاط بدلاً من تنفيذه بالكامل. فعلى سبيل المثال، قد يكون بعض الأشخاص قادرين على إعداد كعكة من البداية إلى النهاية، في حين يقتصر دور آخرين على خطوات بسيطة مثل الخلط أو التزيين. ومع ذلك، فإن هذه المشاركة الجزئية لا تقل أهمية من حيث القيمة العلاجية والشعور بالإنجاز.

تلعب الدافعية دورًا محوريًا في نجاح أي نشاط، وتشمل هذه الدافعية قيم الفرد الشخصية، واهتماماته، وما يرغب في القيام به أو يحتاج إليه، إضافة إلى معتقداته حول قدرته الذاتية على أداء المهمة. ويُعد تحقيق التوازن بين هذه العوامل أمرًا معقدًا، إلا أنه ممكن من خلال الملاحظة الدقيقة، والتقييم المستمر، وفهم السلوك الحسي الظاهر لدى الفرد. ومن خلال هذا الفهم، يمكن للمعالج الوظيفي العمل على محاكاة الإحساس الذي يبحث عنه الفرد بطريقة أكثر أمانًا وتنظيمًا.

كما يجب التأكد من أن جميع الأنشطة المقدمة ذات صلة مباشرة بحياة الفرد، مع مراعاة احتياجاته الخاصة، وقيمه، وخلفيته الثقافية والاجتماعية. فالأنشطة غير الملائمة أو المفروضة قد تؤدي إلى ضعف المشاركة، أو زيادة السلوكيات الدالة على عدم الارتياح الحسي.

وتُعد الأدوار اليومية والروتين من العناصر الأساسية التي تساهم في الاستقرار والتنظيم الحسي. إذ ينبغي تنظيم اليوم بطريقة متوازنة بين فترات النشاط وفترات الراحة، وبين الأنشطة المنشطة وتلك المهدئة. ولا يوجد نمط واحد يناسب الجميع، فالتوازن الأمثل يختلف من شخص لآخر. فمثلًا، قد يحتاج الفرد الذي يتعرض للاستثارة الحسية بسهولة إلى فترات راحة أطول وأكثر تكرارًا مقارنة بمن يسعون باستمرار إلى الحصول على أكثر من مدخل حسي إضافي.

في الختام، فإن فهم التكامل الحسي وتطبيق مبادئه في تخطيط الأنشطة اليومية يتيح للأفراد ذوي صعوبات التعلم فرصًا أفضل للمشاركة، والاستقلالية، وتحقيق جودة حياة أعلى. كما يعزز من قدرة المهنيين ومقدمي الرعاية على تفسير السلوكيات بشكل أعمق، بعيدًا عن جميع التصنيفات السطحية، وصولًا إلى تدخلات أكثر إنسانية وفاعلية.

كما أن تطبيق مبادئ التكامل الحسي يتطلب تعاونًا فعّالًا بين المعالجين الوظيفيين، وأفراد الأسرة، ومقدمي الرعاية، لضمان استمرارية الدعم في مختلف البيئات اليومية. فكلما زاد الوعي بالاحتياجات الحسية للفرد، زادت القدرة على تقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالأمان، وتحسين مستوى الأداء الوظيفي والاستقلالية. ويُعد هذا النهج الشمولي عنصرًا أساسيًا في دعم المشاركة المجتمعية وتحقيق النجاح في التكيف الإيجابي.

 

المرجع:

Occupational Therapy – Adult Learning Disability Service

https://www.nhsfife.org/media/p96jvoeb/5-guidance-for-activity-and-sensory-integration.pdf