الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

إدارة الألم المزمن: تقنيات وتدخلات العلاج الوظيفي

 

ترجمة: أ. عبدالله الأحمري

 

نقاط رئيسة

  • يُعد الألم المزمن قضية جوهرية تؤثر على حوالي واحد من كل خمسة أشخاص، مما يؤثر على الحياة اليومية، والتوظيف، وجودة الحياة.
  • يتبنى العلاج الوظيفي نهجاً “حيوياً نفسياً اجتماعياً” (Biopsychosocial) لإدارة الألم المزمن، مع مراعاة العوامل الجسدية، والعاطفية، والبيئية، والاجتماعية، والثقافية، والمعرفية لـ الأفراد.
  • يقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بإجراء التقييمات وتطوير تدخلات فردية لتلبية احتياجات الأفراد أو العائلات.
  • يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي “الأنشطة” أو الأشياء التي “تشغل وقتنا” (Occupations) أو أنشطة العالم الحقيقي كوسيط علاجي لاستثارة تطوير المهارات والأداء. كما يتم تمكين الأفراد من خلال بناء المهارات، واستراتيجيات التكيف، والتدريب على المرونة لإدارة الألم المزمن بشكل أفضل.
  • يلعب العلاج الوظيفي دوراً حيوياً في العافية في مكان العمل من خلال تقييم والتوصية بتعديلات لمنع الألم المزمن، بما في ذلك التحسينات المريحة (Ergonomic)، وتدابير السلامة، وتعزيز رفاهية الموظفين من الأفراد.

 

مقدمة

يمثل الألم المزمن، وهو مشكلة منتشرة تؤثر على نسبة كبيرة من الأفراد، عدداً من التحديات التي تمتد إلى ما هو أبعد من الانزعاج الشخصي؛ فلها تداعيات عميقة على الحياة اليومية والتوظيف والرفاهية العامة. دعونا نستكشف دور العلاج الوظيفي في إدارة الألم المزمن، مع التركيز على الأساليب المبتكرة التي تعزز جودة الحياة لـ الأفراد المتأثرين بهذه الحالة.

 

الألم المزمن وتأثيره على الحياة اليومية

في بيئات العمل التي تتطلب مهاماً بدنية شاقة، يكون الألم المزمن الناتج عن الإصابات شائعاً بشكل مؤسف. ومع وجود أنظمة دعم للمصابين، إلا أن الآثار طويلة المدى للألم المزمن تتجاوز العلاج الطبي والتعويض المالي.

يواجه الأفراد الذين يتعاملون مع الألم المزمن مجموعة من التحديات اليومية التي تشمل:

  • صعوبة إكمال المهام الشخصية والمنزلية.
  • صعوبات القيادة ورعاية الآخرين.
  • انخفاض الإنتاجية وكثرة الغياب عن العمل.
  • صعوبة المشاركة في الأنشطة المجتمعية وتراجع جودة الحياة.

إن تداعيات الألم المزمن لا تقتصر على النضالات الشخصية فحسب، بل تؤثر في النهاية على الأعمال التجارية أيضاً. ونتيجة لذلك، فإن أصحاب العمل وفرق الصحة والسلامة والإدارات التنفيذية والموارد البشرية لديهم جميعاً مصلحة في إيجاد حلول لتخفيف الألم المزمن وتعزيز رفاهية الموظفين من الأفراد.

 

العلاج الوظيفي: نهج شمولي

“العلاج الوظيفي هو المكان الذي يلتقي فيه العلم والإبداع والتعاطف”. يُعد العلاج الوظيفي مهنة شمولية تعالج إدارة الألم المزمن من خلال مساعدة الأفراد على وضع أهداف قيمة للمستقبل والعمل معهم لتحقيقها. وهو يقر بأن الألم لا يشمل الأحاسيس الجسدية فحسب، بل يشمل أيضاً تفاعلات معقدة مع العوامل العاطفية، والاجتماعية، و النفسية، و العلاقية، والمعرفية لـ الأفراد.

يتمتع أخصائيو العلاج الوظيفي بمهارة عالية في مساعدة الأفراد على تحديد الأهداف وتفصيل التدخلات لتلبية الأهداف الفريدة لمن يعانون من الألم المزمن.

 

التدخلات المخصصة: تصميم العلاج الوظيفي لإدارة الألم المزمن

تعد القدرة على التكيف إحدى نقاط القوة الأساسية للعلاج الوظيفي؛ حيث يتعاون أخصائي العلاج الوظيفي بشكل وثيق مع المرضى لصياغة تدخلات مخصصة تستهدف نمط حياتهم الفريد بشكل محدد. نظراً لكون الألم المزمن معقداً وصعب الإدارة في بعض الأحيان، فإن الهدف من معالجته هو اكتشاف طرق لدعم الأفراد الذين يعانون منه وتقليل تأثيره على حياتهم.

يستخدم أخصائي العلاج الوظيفي الأنشطة (Occupations) لمساعدة الأفراد على تطوير المهارات والمرونة اللازمة لاستخدامها في تحقيق أهدافهم. يثبت هذا النهج فعاليته بشكل خاص نظراً لتنوع الإصابات المؤدية إلى الألم المزمن؛ حيث يعمل الأخصائيون مع الأفراد في منازلهم ومجتمعاتهم المحلية لمساعدتهم على تحقيق أهدافهم والعودة إلى ممارسة حياتهم اليومية.

 

استعادة الوظائف عنصر أساسي في العلاج الوظيفي

يمتد العلاج الوظيفي إلى ما هو أبعد من إدارة الألم؛ فهو يركز على استعادة الوظائف أو مساعدة الأفراد على العيش بشكل جيد رغم آلامهم. وهذا يحمل أهمية خاصة لـ الأفراد الذين يسعون للعودة إلى وظائفهم وأنشطتهم اليومية مع إدارة الألم المزمن بشكل فعال.

على سبيل المثال، عانت “سارة”، وهي ممرضة، من ألم مزمن بعد اصابة في مكان العمل كانت تتطلب ساعات طويلة من الوقوف. وقد ثبت أن العلاج الوظيفي كان فعالاً في تعافيه، حيث قدم لها تمارين متخصصة، وإرشادات مريحة (Ergonomic)، ودعماً عاطفياً لا يقدر بثمن. لم تحقق سارة العودة إلى العمل فحسب، بل اكتشفت أيضاً مرونة جديدة، وهي ميزة لا تزال تخدمها جيداً.

 

تمكين المرضى: بناء مهارات التكيف والمرونة

يقع التمكين الشخصي في جوهر العلاج الوظيفي؛ حيث يقوم أخصائي العلاج الوظيفي بتمكين الأفراد للقيام بدور نشط في إدارة آلامهم المزمنة. ومن خلال التثقيف، وتمارين بناء المهارات، واستراتيجيات التكيف الفعالة، والتدريب على المرونة، يصبح الأفراد مجهزين بشكل أفضل لمواجهة التحديات التي يفرضها الألم المزمن.

 

الألم المزمن في نيوزيلندا: منظور محلي

يُعد الألم المزمن في نيوزيلندا قضية خطيرة تؤثر بعمق على الأفراد، والقوى العاملة، والمجتمعات في جميع أنحاء البلاد. ومع تنوع الصناعات من الزراعة والإنشاءات إلى الرعاية الصحية والتصنيع (وكل ما بينهما)، يمكن أن تظهر الإصابات المؤدية إلى الألم المزمن في بيئات عمل متنوعة. ومن الضروري فهم السياق المحلي والدور الذي يلعبه العلاج الوظيفي في معالجة هذه القضية.

 

نظام ACC: شريان حياة للعمال المصابين

يلعب نظام (ACC) في نيوزيلندا دوراً محورياً في تقديم الدعم لـ الأفراد الذين تعرضوا لإصابات، بما في ذلك تلك التي تؤدي إلى ألم مزمن. يقدم هذا النظام تغطية أساسية تشمل الرعاية الطبية، وخدمات التأهيل، والمساعدة المالية للمتضررين. ومع ذلك، وبينما يمثل نظام ACC شريان حياة للكثيرين، غالباً ما يكون العلاج الوظيفي هو الذي يسد الفجوة بين الإصابة والعودة الناجحة لأنشطة الحياة اليومية والعمل لـ الأفراد.

على سبيل المثال، تعرض “تيم”، وهو عامل مزرعة، لإصابة شديدة في الساق أثناء تشغيل آلات ثقيلة. زوده نظام ACC بالرعاية الطبية والتعويض خلال فترة تعافيه. ومع ذلك، كانت التدخلات المستهدفة التي قدمها أخصائي العلاج الوظيفي هي التي مكنت “تيم” من استعادة القوة البدنية والذهنية الضرورية للعودة إلى أنشطته اليومية ووظيفته الشاقة. يمثل هذا المثال توضيحاً للجهود التعاونية بين نظام ACC والعلاج الوظيفي في مساعدة الأفراد على التغلب على الألم المزمن واستئناف سبل عيشهم.

 

 

دور العلاج الوظيفي للصحة مكان العمل

في بيئة العمل، لا يعد الحفاظ على رفاهية الموظفين مجرد واجب أخلاقي فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية أيضاً؛ فالموظفون الأصحاء يميلون إلى أن يكونوا أكثر إنتاجية وتفاعلاً، وأقل عرضة للغياب المرتبط بالألم المزمن. ويمتلك العلاج الوظيفي القدرة على لعب دور محوري في تعزيز العافية في مكان العمل لـ الأفراد.

 

ماذا يتضمن تقييم العلاج الوظيفي؟

يقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتقييم أماكن العمل والتوصية بتعديلات يمكن أن تحدث فرقاً جوهرياً في منع الألم المزمن لدى الأفراد. ويمكن أن تشمل هذه التقييمات ما يلي:

  • العوامل البشرية والهندسة البشرية (Ergonomics): تقييم إعدادات محطات العمل، بما في ذلك هندسة الكراسي والمكاتب، لضمان اتخاذ الأفراد لقوام سليم وتقليل مخاطر المشكلات العضلية الهيكلية.
  • البيئة الفيزيائية: تقييم الإضاءة، ودرجة الحرارة، والتهوية، ومستويات الضوضاء لخلق مساحة عمل مريحة ومنتجة لـ الأفراد.
  • السلامة: تحديد مخاطر السلامة والتخفيف من حدتها، والتأكد من وجود تدابير السلامة من الحرائق، وتوفير موارد الإسعافات الأولية لـ الأفراد.
  • إمكانية الوصول (Accessibility): التأكد من أن مكان العمل متاح للجميع، بما في ذلك الأفراد ذوي الإعاقة، من خلال فحص المنحدرات والمصاعد ودورات المياه المهيأة.
  • متطلبات الوظيفة والرفاهية: تحليل مهام العمل ومتطلباتها الجسدية والعقلية، وتعزيز رفاهية الموظفين من الأفراد من خلال برامج الصحة والعافية، وتقييم ثقافة مكان العمل.

 

ملخص

تُعد إدارة الألم المزمن مصدر قلق ملح لأصحاب العمل، وفرق الصحة والسلامة، والإدارة التنفيذية، ومتخصصي الموارد البشرية. ويوفر العلاج الوظيفي نهجاً متعدد الأوجه لمعالجة هذه القضية لـ الأفراد.

من خلال تخصيص التدخلات، واستعادة الوظائف، وتمكين المرضى، يقدم العلاج الوظيفي مساراً نحو تحسين جودة الحياة وتعزيز الإنتاجية في مكان العمل لـ الأفراد. وفي بلد تترابط فيه الإصابات والتوظيف بشكل وثيق، يُحدث النهج الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial) للعلاج الوظيفي فرقاً كبيراً في حياة الأفراد الذين يعيشون مع الألم المزمن.

 

المرجع:

Managing Chronic Pain: Occupational Therapy Techniques and Interventions

 

https://www.activeplus.co.nz/blog/occupational-therapy/managing-chronic-pain-occupational-therapy-techniques-and-interventions.html