الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

محدودية الخبرات الحسية لدى الطلاب ذوي الإعاقات الشديدة

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يتفاعل الجهاز الحسي لدى الإنسان بشكل مستمر مع كل ما يحيط به من كائنات حية وأشياء وبيئات مختلفة، حيث يقوم باستقبال المنبهات وتفسيرها بما يسمح للفرد بفهم العالم والتكيف معه. وتُعد هذه العملية أساسية في التعلم، والتواصل، وتنظيم السلوك، خصوصًا لدى الطلاب في البيئات التعليمية. غير أن هذا التفاعل الحيوي قد يتعرض للقصور أو التقييد لدى بعض الفئات، وبخاصة الطلاب ذوي الإعاقات الشديدة، الذين يعتمدون بدرجة أكبر على البيئات التعليمية لتزويدهم بخبرات حسية غنية ومتنوعة تساعدهم على النمو والتطور. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف أثر محدودية الفرص المتاحة للتجارب الحسية الغنية على طلاب يعانون من إعاقات شديدة، وذلك ضمن سياق فصلين دراسيين في المرحلة المتوسطة داخل مدرسة حكومية مخصصة للتعليم المنفصل في إحدى مناطق جنوب شرق الولايات المتحدة.

تتبنى الدراسة منظورًا نوعيًا نقديًا متقدمًا، حيث استخدم الباحثون منهج الإثنوغرافيا ما بعد النقدية، وهو نهج يركز على فهم التجارب اليومية للأفراد ضمن سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، مع محاولة الكشف عن البُنى العميقة التي تؤثر على تلك التجارب. وقد تم جمع البيانات من خلال ملاحظات ميدانية مكثفة على مدى فترة طويلة نسبيًا، ما أتاح للباحثين التعمق في فهم الروتين اليومي للطلاب، وأنماط التفاعل داخل الصفوف، وطبيعة الأنشطة المقدمة لهم. كما تم تحليل هذه البيانات باستخدام التحليل الموضوعي المستند إلى النظرية المجذرة، وهو أسلوب يهدف إلى استخراج الأنماط والموضوعات الرئيسية بشكل استقرائي من البيانات نفسها، دون فرض افتراضات مسبقة.

أسفرت نتائج الدراسة عن ثلاث قضايا رئيسية مترابطة تعكس واقع التجارب الحسية لهؤلاء الطلاب. أول هذه القضايا تتمثل في محدودية الفرص المتاحة لهم للانخراط في تجارب حسية غنية. فقد تبين أن البيئة الصفية، على الرغم من كونها مهيأة نظريًا لدعم احتياجاتهم، إلا أنها في الواقع تفتقر إلى التنوع الحسي اللازم. فالأنشطة المقدمة غالبًا ما تكون رتيبة، وتعتمد على أساليب تقليدية لا توفر تحفيزًا كافيًا للحواس المختلفة مثل اللمس، والسمع، والبصر، والحركة. كما أن المواد التعليمية المستخدمة تفتقر إلى العمق والتنوع، مما يقلل من فرص الطلاب في استكشاف العالم من حولهم بطرق متعددة. هذا النقص في التحفيز الحسي لا يؤثر فقط على مستوى التفاعل، بل يمتد ليؤثر على التعلم ذاته، حيث يصبح الطلاب أقل قدرة على ربط المفاهيم الجديدة بتجارب ملموسة.

أما القضية الثانية فتتعلق بطبيعة الروتين اليومي داخل الصف، والذي يسهم في جعل الطلاب متلقين سلبيين للعملية التعليمية. فقد أظهرت الملاحظات أن الجدول اليومي يسير وفق نمط ثابت لا يتيح مساحة كبيرة للمبادرة أو الاختيار من قبل الطلاب. وغالبًا ما يتم نقلهم من نشاط إلى آخر بطريقة منظمة لكنها جامدة، دون إشراكهم الفعلي في اتخاذ القرار أو التعبير عن تفضيلاتهم. هذا النمط من التنظيم يعزز الاعتماد على المعلم أو المساعد، ويحد من فرص الاستقلالية. كما أن غياب المرونة في الروتين يحرم الطلاب من الاستفادة من اللحظات العفوية التي قد تشكل فرصًا تعليمية قيمة، خصوصًا عندما ترتبط بخبرات حسية مباشرة.

القضية الثالثة التي كشفت عنها الدراسة تتعلق بالأساليب التدريسية المستخدمة، والتي غالبًا ما تؤدي إلى ضعف التفاعل ووجود فترات طويلة من الانتظار غير المنتج. فقد لوحظ أن الطلاب يقضون وقتًا ملحوظًا في الانتظار بين الأنشطة، أو أثناء إعداد المعلمين للمواد، أو عند تقديم التعليمات لطلاب آخرين. هذه الفترات لا يتم استثمارها بشكل فعّال، مما يؤدي إلى فقدان فرص ثمينة للتعلم أو التفاعل. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الاستراتيجيات التعليمية تعتمد على التلقين أو التوجيه المباشر، دون إتاحة مساحة كافية للتجريب أو الاستكشاف، وهو ما يقلل من انخراط الطلاب ويجعلهم أقل مشاركة في العملية التعليمية.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى وجود فجوة واضحة بين الاحتياجات الحسية للطلاب ذوي الإعاقات الشديدة، وبين ما يُقدم لهم فعليًا داخل البيئة الصفية. فبدلًا من أن تكون المدرسة بيئة غنية بالمثيرات الحسية التي تدعم التعلم النشط، تتحول في كثير من الأحيان إلى بيئة محدودة تفرض على الطلاب نمطًا من التلقي السلبي. وهذا بدوره قد يؤثر سلبًا على تطورهم المعرفي والاجتماعي، ويحد من قدرتهم على التفاعل مع العالم الخارجي.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في تصميم البيئات التعليمية لهؤلاء الطلاب، بحيث يتم دمج التجارب الحسية بشكل مقصود ومنهجي في الأنشطة اليومية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام مواد تعليمية متعددة الحواس، وتوفير فرص للحركة والاستكشاف، وتشجيع التفاعل المباشر مع الأشياء والبيئة. كما ينبغي تدريب المعلمين على تبني استراتيجيات تعليمية مرنة تركز على الطالب، وتتيح له دورًا فاعلًا في عملية التعلم.

كذلك، من المهم تقليل فترات الانتظار غير المنتج، واستثمار الوقت بشكل أفضل من خلال أنشطة قصيرة وموجهة يمكن تنفيذها بشكل فردي أو جماعي. كما يمكن إدخال عناصر من اللعب المنظم، والأنشطة الحسية التفاعلية التي تعزز من دافعية الطلاب وتزيد من مستوى مشاركتهم. ومن الجوانب المهمة أيضًا إشراك الأسرة في دعم هذه التجارب، من خلال توفير بيئات حسية غنية في المنزل، وتعزيز التواصل بين المدرسة والأسرة لضمان استمرارية الدعم.

وفيما يتعلق بالاتجاهات المستقبلية، توصي الدراسة بإجراء مزيد من الأبحاث التي تركز على تطوير نماذج تعليمية قائمة على التكامل الحسي، وتقييم فاعليتها في تحسين نتائج التعلم لدى هذه الفئة من الطلاب. كما تدعو إلى توسيع نطاق الدراسات لتشمل بيئات تعليمية مختلفة، ومقارنة التجارب بين المدارس المنفصلة والمدارس الدامجة، بهدف تحديد أفضل الممارسات. إن فهم الدور المحوري للتجارب الحسية في التعلم يفتح آفاقًا جديدة لتحسين جودة التعليم المقدم للطلاب ذوي الإعاقات الشديدة، ويعزز من فرصهم في تحقيق أقصى إمكاناتهم.

وبذلك، تقدم هذه الدراسة إسهامًا مهمًا في تسليط الضوء على جانب غالبًا ما يتم إغفاله في التعليم الخاص، وهو البعد الحسي للتعلم. كما تؤكد على أن تحسين هذا الجانب لا يتطلب بالضرورة موارد ضخمة، بقدر ما يتطلب وعيًا وتخطيطًا مدروسًا يضع احتياجات الطالب في مركز العملية التعليمية.

كما تشير الدراسة أيضًا إلى أهمية إعادة تقييم دور البيئة الصفية كعامل نشط في تشكيل خبرات الطلاب، وليس مجرد إطار جامد للتعليم. فكل عنصر داخل الصف، من الإضاءة إلى الأصوات والخامات، يمكن أن يسهم في تعزيز أو إعاقة التفاعل الحسي، مما يستدعي تصميمًا أكثر وعيًا وشمولية.

 

المرجع:

Sensory Experiences and Children With Severe Disabilities: Impacts on Learning

https://www.researchgate.net/publication/360276211_Sensory_Experiences_and_Children_With_Severe_Disabilities_Impacts_on_Learning