الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

وراثة اللغة: استكشاف الأسس الجينية لاضطراب اللغة التطوري عند الأطفال

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

اضطراب اللغة التطوري (Developmental Language Disorder – DLD) يُعدّ أحد الاضطرابات النمائية المعقدة التي تظهر عند الأطفال على شكل صعوبات متعلقة باللغة، والتي لا يمكن نسبتها إلى أي حالة طبية معروفة، كما أنها لا تكون مرتبطة باضطراب طيف التوحد أو بالإعاقة الذهنية. يمثل هذا الاضطراب تحديًا كبيرًا للباحثين والأطباء بسبب تنوع مظاهره بشكل كبير بين الأطفال، وتكرار حدوث الحالات المصاحبة له، فضلاً عن الاختلاف المستمر في المصطلحات العلمية المستخدمة لوصفه عبر السنوات. هذا التنوع التعريفي والعلمي أدى إلى صعوبة وضع إطار موحد للتشخيص والتعامل مع الأطفال المشخّصين باضطراب اللغة التطوري، سواء على الصعيد البحثي أو السريري.

من الضروري التركيز على تحديد المجموعات الفرعية من الأطفال الذين يعانون من اضطراب اللغة التطوري، خصوصًا الحالات التي لا تتضمن الشلل الكلامي الطفولي (Childhood Apraxia of Speech – CAS)، وذلك لفهم الأسباب الجينية بشكل أدق. إذ يختلف الاضطراب في شدته بين الأطفال، حيث قد يعاني البعض من تأخيرات طفيفة في مهارات الكلام، بينما يواجه آخرون اضطرابات كبيرة في بنية اللغة الشفوية، على الرغم من أن ذكاءهم العام طبيعي. هذا الطيف الواسع من الشدة يعكس التعقيد الكبير للاضطراب، ويؤكد على أهمية دراسة كل مجموعة فرعية بشكل مستقل لتحديد العوامل المسببة الدقيقة.

تشير الدراسات إلى أن انتشار اضطراب اللغة التطوري قد يصل إلى سبعة إلى ثمانية بالمئة من الأطفال، وهو معدل مرتفع نسبيًا مقارنة ببعض الاضطرابات النمائية الأخرى. ومع ذلك، إذا اقتصرنا على الحالات الشديدة فقط، فإن الانتشار ينخفض إلى نحو اثنين بالمئة، مما يوضح أن معظم الحالات تتراوح بين الخفيفة إلى المتوسطة من حيث التأثير على اللغة والمهارات التواصلية. هذه الإحصاءات تعكس الحاجة الملحة لفهم العوامل الوراثية والبيئية التي تؤدي إلى ظهور هذا الاضطراب، بما يسهم في تطوير برامج تشخيصية وعلاجية أكثر دقة وفاعلية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مجموعة متجانسة من الأطفال المشخّصين باضطراب اللغة التطوري، مع استبعاد الحالات المرتبطة باضطراب طيف التوحد أو الإعاقة الذهنية أو الشلل الكلامي الطفولي، باستخدام مجموعة متنوعة من الأساليب الجينومية المتقدمة. الهدف من ذلك هو التوصل إلى فهم أعمق للأساس الجزيئي للاضطراب، وكشف أي عوامل وراثية قد تسهم في ظهور وتطور هذه الصعوبات اللغوية.

طرق الدراسة:

شارك في هذه الدراسة خمسة عشر عائلة، تضمنت ما مجموعه سبعة وعشرين طفلاً يعانون من شكل شديد من اضطراب اللغة التطوري. تم تصنيف غالبية هذه الحالات، أي أربعة وعشرين طفلاً، ضمن عائلات متعددة الحالات، بينما سجلت ثلاث حالات فقط على أنها فردية أو متفرقة. أسفر هذا التصنيف عن تكوين عينة شاملة تضم تسعة وخمسين فردًا، مما أتاح فرصة لدراسة الاضطراب في سياقات عائلية مختلفة، وكذلك في حالات فردية، بهدف تحديد العوامل الوراثية المحتملة التي قد تكون مسؤولة عن ظهور الأعراض.

تم استخدام مجموعة من التقنيات الجينية المتقدمة لتحليل هذه العينة، بما في ذلك تحليل المصفوفة الكروموسومية (Chromosomal Microarray Analysis) وتسلسل الجينوم الكامل أو تسلسل الإكسوم (Exome Sequencing). تتيح هذه الأساليب تحديد التغيرات الجينية الدقيقة، سواء على مستوى النسخ أو الطفرات الفردية، والتي قد تكون مسؤولة عن ظهور اضطراب اللغة التطوري. يهدف هذا النهج إلى كشف العوامل الوراثية الأساسية التي قد تساهم في تطور الاضطراب، وتحديد أي متغيرات جينية مشتركة بين الأطفال.

نتائج الدراسة:

أظهرت النتائج وجود متغيرات في عدد النسخ الجينية (Copy Number Variants – CNVs) مرتبطة بالاضطرابات العصبية التطورية، لكنها تختلف في تأثيرها بين الأفراد، حيث لا يظهر تأثيرها بالكامل لدى جميع الحاملين لها. تم تحديد هذه المتغيرات في عائلتين من العائلات المشاركة، إذ شملت الطفرات حذفًا في المنطقة 15q13.3 وتكرارًا في الجزء القريب من 16p11.2. وقد تم تفسير هذه المتغيرات على أنها ذات تأثير مرضي، إذ تتوافق مع أنماط مرتبطة بالاضطرابات العصبية التطورية، وتسهم في ظهور الأعراض لدى الأطفال.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن حالة فردية متفرقة واحدة أظهرت طفرة جديدة (de novo) في جين ZNF292، المعروف ارتباطه بالإعاقة الذهنية. هذه النتيجة توسع نطاق المعرفة حول الأعراض المرتبطة بهذا الجين، إذ تشير إلى أنه قد يكون له دور أكبر في اضطرابات اللغة والتواصل، حتى عند غياب أي علامات للإعاقة الذهنية التقليدية. هذا الاكتشاف يعزز فهم الباحثين لكيفية تأثير بعض الجينات على تطور اللغة، ويوفر قاعدة للتفكير في دور الطفرات الفردية في ظهور الاضطرابات اللغوية.

مناقشة النتائج:

تشير النتائج إلى أهمية دراسة المجموعات الفرعية من الأطفال المشخّصين باضطراب اللغة التطوري بشكل مستقل عن الحالات المرتبطة باضطراب طيف التوحد أو الإعاقة الذهنية أو الشلل الكلامي الطفولي. إن اكتشاف متغيرات في عدد النسخ الجينية ذات تأثير متفاوت بين الأفراد يسلط الضوء على التعقيد الجيني لهذا الاضطراب، ويؤكد وجود عوامل وراثية متعددة قد تسهم في ظهور صعوبات اللغة بدرجات متفاوتة.

في الحالات العائلية، يمكن أن يكون لهذه المتغيرات تأثير جزئي فقط، ما يفسر التباين في شدة الأعراض بين أفراد الأسرة الواحدة. بينما تشير الطفرات الفردية الجديدة في الحالات المتفرقة إلى أن بعض الأطفال قد يصابون بالاضطراب نتيجة لتغيرات جينية لم يسبق وجودها في العائلة، وهو ما يعكس الطبيعة المعقدة لتطور اللغة، والتي تتأثر بمزيج من العوامل الوراثية والبيئية.

كما توضح النتائج العلاقة بين اضطراب اللغة التطوري وبعض الجينات المرتبطة بالإعاقات الذهنية، مما يوسع فهم الباحثين لكيفية تأثير الجينات على مسارات نمو اللغة. قد يكون لهذا الاكتشاف تأثير مهم في المستقبل على تطوير استراتيجيات تشخيصية مبكرة، ووضع برامج تدخل علاجي مخصص لكل طفل، اعتمادًا على البصمة الجينية الخاصة به، بهدف تحسين مهاراته اللغوية والتواصلية.

خاتمة الدراسة:

تؤكد الدراسة على أهمية التركيز على المجموعات المتجانسة من الأطفال المشخصين  باضطراب اللغة التطوري، واستبعاد الحالات التي قد تعقد التحليل بسبب وجود اضطرابات أخرى. استخدام تقنيات التحليل الجيني المتقدمة ساعد في الكشف عن متغيرات وراثية قد تكون مسؤولة جزئيًا عن ظهور الأعراض، سواء في السياق العائلي أو في الحالات الفردية المتفرقة.

تسلط هذه النتائج الضوء على الطبيعة متعددة الأبعاد للاضطراب، وتفتح المجال أمام المزيد من الدراسات التي تربط بين التغيرات الجينية الدقيقة والأنماط السلوكية واللغوية للأطفال، ما قد يسهم في تطوير فهم أعمق للاضطراب وابتكار برامج علاجية أكثر دقة وفاعلية. كما تؤكد الدراسة على أهمية تحديد الطفرات الفردية والجينية ضمن المجموعات المختلفة، إذ يمكن أن يساعد ذلك في توضيح الأسباب الجذرية وراء تفاوت شدة الأعراض بين الأطفال، سواء على مستوى الأسرة الواحدة أو المجتمع الأكبر.

في الختام، يظهر أن فهم الأساس الجزيئي لاضطراب اللغة التطوري ليس مجرد خطوة علمية، بل هو أساس لتقديم تدخلات تعليمية وعلاجية متقدمة، تساعد الأطفال على التغلب على تحديات اللغة وتحسين مهاراتهم التواصلية، مما يعزز جودة حياتهم واندماجهم الاجتماعي. الدراسات المستقبلية التي تجمع بين التحليل الجيني والتقييم السلوكي واللغوي ستكون محورية لتقديم صورة أشمل وأكثر دقة عن هذا الاضطراب، وتساعد على فهم كيفية تأثير الطفرات الجينية المختلفة على نمو اللغة والتواصل عند الأطفال، وبالتالي تحسين نتائج التدخلات العلاجية والتعليمية بشكل كبير.

 

المرجع:

Deciphering the genetic basis

of developmental language disorder

in children without intellectual disability,

autism or apraxia of speech

https://link.springer.com/content/pdf/10.1186/s13229-025-00642-8.pdf