ترجمة: أ. سوار الماجري
1. المقدمة: معضلة التعليم الشامل في العصر الحديث
يشهد النظام التعليمي العالمي تحولاً جذرياً نحو “التعليم الشامل” (Inclusive Education)، وهو التوجه الذي يهدف إلى دمج الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الفصول الدراسية العامة بدلاً من عزلهم في بيئات خاصة. ومع ذلك، يشير (بيرد وألكسندر، 2020) إلى أن هذا التحول الفلسفي لم يواكبه تحول مماثل في إعداد المعلمين؛ فبينما يمتلك معلمو التربية الخاصة أدوات متخصصة، يجد معلمو التعليم العام أنفسهم غالباً غير مهيئين لمواجهة التعقيدات السلوكية والأكاديمية لهذه الفئة من الطلاب.
تأتي أهمية هذه الدراسة من كونها تستكشف الفجوة المعرفية بين ما يمتلكه معلم التعليم العام وما يحتاجه فعلياً للنجاح في بيئة الدمج، وذلك من وجهة نظر الخبراء الحقيقيين في هذا الميدان: “معلمو التربية الخاصة”. يجادل (بيرد وألكسندر، 2020) بأن التطوير المهني ليس مجرد إضافة معلومات، بل هو إعادة صياغة لمنظومة الكفايات التدريسية برمتها.
2. الإطار النظري: كفايات المعلم في بيئة الدمج
يرتكز البحث على مفهوم “التدريس المتمايز” (Differentiated Instruction) وقدرة المعلم على تكييف المنهج. يؤكد (بيرد وألكسندر، 2020) أن المعلم الفعال في فصل الدمج يجب أن يعمل كـ “ممارس استراتيجي” يجمع بين المادة العلمية وبين فهم الاحتياجات العصبية والسلوكية للطلاب.
أ. الفجوة في برامج إعداد المعلمين
يرى (بيرد وألكسندر، 2020) أن الاكتفاء بمساق أو اثنين عن التربية الخاصة يخلق معلماً يمتلك “معرفة اسمية” (Nominal Knowledge) لا “كفاية إجرائية” (Procedural Fluency).
المعلومات النظرية: المساقات الجامعية تركز عادةً على تعريفات الإعاقات (ما هو التوحد؟ ما هي صعوبات التعلم؟) والتشريعات القانونية.
المهارات المفتقدة: يفتقر المعلم الخريج إلى كيفية تطبيق “التدريس المتمايز” داخل فصل مزدحم، أو كيفية صياغة أهداف تعليمية قابلة للقياس لطالب ذو احتياجات خاصة ضمن المنهج العام. هذا النقص يحول المعلم من “ميسر للتعلم” إلى “مراقب للفصل” مما يعزز شعوره بالعجز المهني.
2. التحديات السلوكية: النقطة العمياء في الإعداد الأكاديمي
أحد أهم جوانب الفجوة التي ركز عليها (بيرد وألكسندر، 2020) هي العجز في إدارة السلوكيات المعقدة المرتبطة باضطرابات مثل (ADHD) والتوحد.
فهم “وظيفة السلوك”: البرامج التقليدية لا تدرب معلمي التعليم العام على “التقييم الوظيفي للسلوك” (FBA). ونتيجة لذلك، يفسر المعلمون السلوكيات الناتجة عن إحباط تعليمي أو حسّي على أنها “سوء أدب” أو “تمرد”، مما يؤدي إلى استجابات عقابية تزيد من تفاقم المشكلة بدلاً من حلها.
الافتقار إلى استراتيجيات التهدئة: المعلمون لا يمتلكون المهارات اللازمة للتدخل المبكر لمنع الانهيارات الحسية (Meltdowns) لدى طلاب التوحد، وهو ما يجعل بيئة الفصل متوترة للمعلم والطالب على حد سواء.
3. الفجوة في مهارات “التكيف المنهجي” (Adaptations)
تشير الأدبيات إلى أن معلمي التعليم العام يميلون إلى استخدام “نموذج التدريس الموحد” (One-size-fits-all). يوضح (بيرد وألكسندر، 2020) أن الفجوة تظهر بوضوح في عدم القدرة على التمييز بين:
التسهيلات (Accommodations): مثل منح وقت إضافي أو تغيير بيئة الاختبار.
التعديلات (Modifications): مثل تغيير مستوى صعوبة المحتوى نفسه. بدون تدريب مكثف، يخشى المعلمون أن يؤدي تعديل المنهج لطلاب الدمج إلى “إضعاف” المعايير الأكاديمية لبقية الفصل، وهو مفهوم خاطئ ناتج عن ضعف الإعداد الأكاديمي في كليات التربية.
ب. دور معلم التربية الخاصة كمستشار
يطرح الباحثان رؤية جديدة لدور معلم التربية الخاصة، ليس فقط كمدرب مباشر للطلاب، بل كموجه ومستشار (Consultant) لمعلمي التعليم العام. هذا الدور التشاركي هو المفتاح لنجاح الدمج، حيث يتم تبادل الخبرات لضمان وصول جميع الطلاب إلى المحتوى التعليمي.
3. المنهجية البحثية: سبر أغوار الخبرة الميدانية
اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي (Qualitative Approach) من خلال إجراء مقابلات معمقة مع 20 معلماً متخصصاً في التربية الخاصة. هذا الاختيار المنهجي، كما يوضح (بيرد وألكسندر، 2020)، يسمح باستخلاص رؤى غنية ومفصلة لا يمكن للاستبيانات الكمية الوصول إليها.
محاور المقابلات:
ما هي المعارف الأساسية التي يفتقر إليها معلمو التعليم العام؟
ما هي المهارات السلوكية والأكاديمية الأكثر حرجاً في فصل الدمج؟
كيف يمكن لبرامج التطوير المهني أن تصبح أكثر فاعلية؟
4. التحليل الموضوعي للنتائج: المحاور الثلاثة للكفاية
خلصت دراسة (بيرد وألكسندر، 2020) إلى تصنيف الكفايات الضرورية في ثلاثة مجالات رئيسية، يجب أن تشكل العمود الفقري لأي برنامج لتطوير المعلمين:
المحور الأول: اتخاذ القرارات القائمة على التقييم (Assessment-Based Decision Making)
أجمع المشاركون في دراسة (بيرد وألكسندر، 2020) على أن المعلمين العامين غالباً ما يخلطون بين “التقييم” و”الاختبار”. الكفاية المطلوبة هنا هي:
التقييم المستمر: القدرة على مراقبة تقدم الطلاب يومياً وتعديل التدريس بناءً على ذلك.
فهم برامج التربية الفردية (IEP): يرى الباحثان أن العديد من المعلمين العامين ينظرون إلى الـ IEP كوثيقة إدارية وليس كخريطة طريق تربوية. يجب أن يعرف المعلم كيفية قراءة الأهداف وترجمتها إلى أنشطة صفية ملموسة.
المحور الثاني: إدارة السلوك وبيئة التعلم (Behavior Management)
يعتبر السلوك العائق الأكبر أمام الدمج الناجح. يوضح (بيرد وألكسندر، 2020) أن معلمي التربية الخاصة يرون ضرورة امتلاك معلم التعليم العام لمهارات:
الدعم السلوكي الإيجابي (PBIS): بدلاً من العقاب، يجب التركيز على تعزيز السلوكيات المرغوبة.
فهم وظيفة السلوك: لماذا يتصرف الطالب بهذا الشكل؟ هل هو للهروب من المهمة أم لجذب الانتباه؟ يجادل الباحثان بأن فهم “الوظيفة” يغير استجابة المعلم من الانفعال إلى الحل المهني.
المحور الثالث: التكييف المنهجي والتمايز (Instructional Adaptations)
الدمج لا يعني وضع الطالب في الفصل فقط، بل ضمان مشاركته الفعالة. يشير (بيرد وألكسندر، 2020) إلى أن المعلمين يحتاجون لتدريب مكثف على:
التعديلات (Modifications) مقابل التسهيلات (Accommodations): فهم الفرق الجوهري بين تغيير “ماذا” يتعلم الطالب وبين تغيير “كيف” يتعلمه.
التصميم العام للتعلم (UDL): تصميم دروس مرنة منذ البداية لتناسب الجميع، بدلاً من محاولة تعديل الدرس بعد تصميمه.
5. مناقشة تحليلية: العوائق النفسية والمؤسسية
يتجاوز (بيرد وألكسندر، 2020) مجرد سرد المهارات ليناقشوا العوائق التي تمنع المعلمين من تطبيق هذه الكفايات.
المواقف والاتجاهات (Teacher Attitudes): تلعب معتقدات المعلم حول قدرة طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة على التعلم دوراً حاسماً. إذا كان المعلم يعتقد أن وجود هؤلاء الطلاب “عبء”، فلن تنجح أي مهارة تقنية.
عامل الوقت: يشير البحث إلى أن معلمي التعليم العام يشعرون بضغط الوقت لتغطية المناهج الضخمة، مما يجعلهم يهمشون احتياجات طلاب التربية الخاصة.
ضعف التواصل: يؤكد (بيرد وألكسندر، 2020) أن غياب الوقت المخصص للتخطيط المشترك بين معلم الفصل ومعلم التربية الخاصة يؤدي إلى تشتت الجهود وضياع حقوق الطالب التعليمية.
6. خارطة طريق للتطوير المهني والسياسات التعليمية
بناءً على النتائج، يقدم (بيرد وألكسندر، 2020) توصيات عملية لإصلاح منظومة إعداد وتطوير المعلمين:
التعلم المستمر (Continuum of Learning): لا ينبغي أن ينتهي التدريب على التربية الخاصة بانتهاء الجامعة. يجب أن يكون هناك تدريب “أثناء الخدمة” مرتبط بسياق الفصل الدراسي الحقيقي.
النمذجة والتدريب الميداني (Coaching): بدلاً من ورش العمل النظرية، يقترح الباحثان أسلوب “النمذجة” حيث يقوم معلم التربية الخاصة بتطبيق المهارة أمام معلم التعليم العام داخل فصله.
إعادة صياغة أدوار القيادة المدرسية: يجب على مديري المدارس توفير الدعم اللوجستي (وقت، موارد) لتعزيز التعاون المهني.
7. الخاتمة والاستشراف المستقبلي
تخلص دراسة (بيرد وألكسندر، 2020) إلى أن نجاح الدمج هو مسؤولية جماعية تتطلب ثورة في كيفية تصورنا لمهنة التعليم. إن “المعلم الشامل” ليس معلماً يمتلك مهارات إضافية، بل هو معلم أعاد تعريف مفهوم التدريس ليكون أكثر إنسانية ومرونة وذكاءً.
إن التحليل الذي قدمه الباحثان يضعنا أمام حقيقة مفادها أن المعرفة التقنية بالتربية الخاصة لم تعد خياراً ثانوياً لمعلمي التعليم العام، بل هي الكفاية الأساسية التي ستحكم على جودة الأنظمة التعليمية في العقود القادمة. بدون هذا الاستثمار في العنصر البشري (المعلم)، سيظل الدمج مجرد شعاراً سياسياً يفتقر إلى المحتوى التربوي الفعّال (بيرد وألكسندر، 2020).
المراجع:
Investigating special education teachers’ knowledge and skills: Preparing general teacher preparation for professional development
https://www.ijopr.com/download/investigating-special-education-teachers-knowledge-and-skills-preparing-general-teacher-preparation-8204.pdf





