الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف تساعد المحاكاة التحويلية طلاب التمريض على فهم فرط التحفيز الحسي؟

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ معالجة المدخلات الحسية من العمليات الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان لفهم العالم من حوله والتفاعل معه بشكل متوازن. إلا أن بعض الأفراد يواجهون صعوبات في تنظيم هذه المدخلات الحسية أو تفسيرها، وهو ما يُعرف باضطراب معالجة الحسّ (Sensory Processing Disorder). يظهر هذا الاضطراب بشكل شائع لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحّد، واضطرابات النمو الشاملة، وصعوبات التعلّم المحددة، إضافة إلى فئات متعددة ضمن مفهوم التنوع العصبي.

تهدف محاكاة تجربة فرط التحفيز الحسي إلى دعم الممارسات الشاملة والحد من التفاوتات الصحية، وذلك من خلال تمكين طلاب التمريض من إعادة النظر في البيئات المهنية التي يعملون بها، والسعي إلى جعلها أكثر أمانًا وملاءمة من الناحية الحسية للأفراد الذين يعانون من صعوبات المعالجة الحسية. تستعرض هذه الدراسة أثر هذه المحاكاة التحويلية على مستوى معرفة وثقة طلاب التمريض فيما يتعلق بفرط التحفيز الحسي والممارسات الداعمة للشمولية.

المقدمة

تُعدّ القدرة على معالجة المعلومات الحسية – مثل الأصوات، الأضواء، اللمس، الحركة، والروائح – جزءًا جوهريًا من الأداء اليومي السليم. فعندما يتم استقبال هذه المدخلات وتنظيمها وتفسيرها بشكل متوازن، يستطيع الفرد التفاعل مع بيئته بمرونة وفاعلية. إلا أن هذه العملية لا تسير بسلاسة لدى جميع الأفراد؛ إذ يعاني البعض من صعوبات في تنظيم الإشارات الحسية أو دمجها بطريقة ذات معنى، ما يؤدي إلى حالة من الإرباك أو التوتر تُعرف بفرط التحفيز الحسي.

يُلاحظ أن اضطراب معالجة الحسّ ينتشر بشكل ملحوظ بين الأفراد من ذوي اضطراب طيف التوحّد، وكذلك بين من لديهم اضطرابات نمو شاملة أو صعوبات تعلم محددة. كما يندرج ضمن إطار أوسع يُعرف بالتنوع العصبي، وهو مفهوم يعترف بالاختلافات العصبية بوصفها تنوعًا طبيعيًا في القدرات البشرية، وليس بالضرورة خللًا أو عجزًا.

في السياقات الصحية والتمريضية، قد تُشكّل البيئات المزدحمة، المليئة بالأصوات العالية أو الإضاءة الساطعة القوية، تحديًا كبيرًا للأشخاص الذين يعانون من صعوبات حسية. وغالبًا ما لا يكون هذا التحدي مفهومًا بشكل كافٍ من قبل مقدمي الرعاية الصحية، مما قد يؤدي إلى تجارب علاجية غير مريحة أو حتى صادمة لبعض المرضى. من هنا برزت الحاجة إلى وسائل تعليمية مبتكرة تساعد طلاب التمريض المشاركين على فهم التجربة الحسية من منظور المريض نفسه، وليس فقط من خلال المعرفة النظرية.

أهداف الدراسة

جاءت هذه الدراسة لاستكشاف مدى قدرة محاكاة “تجربة فرط التحفيز الحسي” على إحداث تحول في فهم طلاب التمريض لهذه الظاهرة الحسية،  وتعزيز وعيهم بالتنوع العصبي، وزيادة ثقتهم في تبني ممارسات مهنية أكثر شمولًا. كما سعت إلى تقييم القيمة التعليمية لهذه المحاكاة من وجهة نظر المشاركين، ومدى تأثيرها على استعدادهم لتكييف البيئات التمريضية بما يتناسب مع احتياجات الأفراد ذوي الحساسية الحسية.

المنهجية

اعتمدت الدراسة على منهج شبه تجريبي، حيث تم استخدام استبيانات قبلية وبعدية لقياس مستوى المعرفة والثقة لدى طلاب التمريض فيما يتعلق بفرط التحفيز الحسي والتنوع العصبي. إضافة إلى ذلك، طُلب من المشاركين تقديم تأمل كتابي قصير يعبّرون فيه عن تجربتهم الشخصية مع المحاكاة، وما أحدثته لديهم من فهم أو مشاعر أو تغيّر في النظرة المهنية.

تم اختيار عينة ملائمة من طلاب برنامج البكالوريوس في التمريض، شاركوا في هذه المرحلة التقييمية الأولى لمحاكاة تعليمية جديدة. ركزت أدوات جمع البيانات على تقييم مدى استفادة جميع الطلاب من التجربة، ومدى تأثيرها على إدراكهم لاضطراب معالجة الحسّ، واضطراب طيف التوحّد، والممارسات الداعمة للشمولية داخل البيئات الصحية.

استخدمت الاستبيانات مقياس ليكرت لقياس التغير في المعرفة والثقة، بينما خضعت النصوص التأملية لتحليل موضوعي انعكاسي، يهدف إلى استخلاص المعاني العميقة والتجارب الذاتية التي عبّر عنها الطلاب المشاركون.

النتائج

أظهرت النتائج تحسنًا واضحًا في مستوى معرفة الطلاب بعد خوضهم تجربة المحاكاة، حيث انتقل فهمهم من مستوى محدود أو نظري إلى مستوى أعمق وأكثر ارتباطًا بالواقع العملي. هذا التحول لم يكن مجرد زيادة في المعلومات، بل اتسم بتغير نوعي في طريقة إدراكهم للتجربة الحسية للأشخاص الذين يعانون من فرط التحفيز.

كما عبّر غالبية المشاركين عن رضاهم الكبير عن المحاكاة، وأكدوا أنها تجربة تعليمية مؤثرة تستحق التوصية بها ضمن برامج إعداد طلاب التمريض المشاركين . وأشاروا إلى أن هذه التجربة ساعدتهم على إدراك حجم التحديات التي قد يواجهها المرضى ذوو الحساسية الحسية داخل البيئات الصحية التقليدية.

أما التحليل النوعي للتأملات الكتابية، فقد أسفر عن ثلاثة محاور رئيسية. تمثل المحور الأول في لحظة الإدراك أو “سقوط العملة”، حيث وصف الطلاب المشاركون كيف انتقلوا من الفهم النظري إلى وعي حقيقي بمعنى فرط التحفيز الحسي وتأثيره النفسي والجسدي. أما المحور الثاني فتمثل في “السير في مكان شخص آخر”، حيث عبّر المشاركون عن تعاطف أعمق وتقدير أكبر لخصوصية التجربة الفردية لكل شخص يعاني من صعوبات حسية. وأخيرًا، ركز المحور الثالث على “اسأل، استمع، تصرّف”، وهو ما يعكس تبني الطلاب لاستراتيجيات عملية تهدف إلى إشراك المرضى، والاستماع لاحتياجاتهم، وتكييف الممارسات التمريضية بما يتناسب معها.

المناقشة

تؤكد نتائج هذه الدراسة أن التعلم التجريبي، القائم على المحاكاة التحويلية، يمكن أن يكون أداة فعّالة في تعزيز الفهم الإنساني والمهني لدى طلاب التمريض المشاركون. فبدلًا من الاكتفاء بالمعلومات النظرية، تتيح هذه المحاكاة للطلاب اختبار التجربة الحسية بشكل مباشر، مما يُسهم في بناء تعاطف حقيقي وفهم أعمق للتنوع العصبي.

كما تُبرز الدراسة أهمية إعادة التفكير في تصميم البيئات الصحية، بحيث تكون أكثر مرونة واستجابة للاحتياجات الحسية المتنوعة. فالممارسات الشاملة لا تتطلب بالضرورة موارد معقدة، بل تبدأ بالوعي، والاستماع، والاستعداد لتكييف البيئة والرعاية بما يحترم كرامة الفرد وخصوصية تجربته.

الخلاصة

تشير هذه الدراسة إلى أن محاكاة تجربة فرط التحفيز الحسي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في إعداد طلاب التمريض المشاركون ليكونوا أكثر وعيًا وشمولية في ممارساتهم المستقبلية. من خلال تعزيز الفهم، وبناء التعاطف، وتطوير استراتيجيات عملية قابلة للتطبيق، تسهم هذه التجربة التعليمية في تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل الفجوات التي قد يواجهها الأفراد ذوو صعوبات المعالجة الحسية داخل الأنظمة الصحية.

 

المرجع:

Walking in someone else’s shoes – can a transformative simulation help student nurses comprehend sensory overload?

https://www.johs.org.uk/article/doi/10.54531/KFCD4381