الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف تؤثر صعوبات التعلم على معالجة الأطفال للمحفزات الحسية؟

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف الفروق في معالجة الحواس لدى الطلاب الذين يعانون من صعوبات تعلم محددة، مقارنة بالطلاب الذين لا يعانون من أي صعوبات تعليمية. تركز البحث بشكل خاص على معرفة ما إذا كانت هناك اختلافات بين الطلاب الذين لديهم صعوبات تعلم محددة فقط، وأولئك الذين لديهم صعوبات تعلم محددة مصحوبة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

تعتبر معالجة الحواس جانبًا أساسيًا في حياة الأطفال اليومية، إذ تؤثر على كيفية إدراكهم للمعلومات، وكيفية تفاعلهم مع البيئة المحيطة بهم، فضلاً عن تأثيرها على الأداء الأكاديمي والاجتماعي. الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعلم قد يعانون من تحديات إضافية في معالجة هذه المحفزات الحسية، مما قد يؤدي إلى صعوبات في الانتباه، والتركيز، والسلوكيات المرتبطة بالتعلم. لذلك، فهم هذه الفروق يمكن أن يساهم في تصميم تدخلات تعليمية فردية أكثر فعالية، تساعد كل طفل على تحقيق إمكاناته الكاملة، سواء داخل المدرسة أو في الحياة اليومية.

قام الباحثون بجمع البيانات من أولياء أمور الطلاب، حيث طلب منهم تقييم أطفالهم باستخدام أداة قياس حساسة تُعرف باسم “الملف الحسي”، والتي تم تصميمها لتحديد كيفية استجابة الأطفال لمحفزات مختلفة في البيئة من حولهم. شمل العينة مجموعة متنوعة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والحادية عشرة، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين رئيسيتين: مجموعة تضم الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلم محددة، ومجموعة أخرى تضم أطفالًا بدون أي صعوبات تعليمية. كما تم تصنيف الأطفال ذوي صعوبات التعلم إلى مجموعتين فرعيتين وفقًا لوجود أو عدم وجود اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لديهم.

أظهرت النتائج التي تم التوصل إليها من خلال التحليل الإحصائي المتعدد المتغيرات، المعروف بـ”MANOVA”، أن هناك اختلافات واضحة وذات دلالة إحصائية في أنماط معالجة الحواس بين الأطفال ذوي صعوبات التعلم والأطفال العاديين. هذا يعني أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلم يواجهون تحديات مختلفة عند التعامل مع المعلومات الحسية مقارنة بأقرانهم من الأطفال الذين لا يواجهون أي صعوبات. على سبيل المثال، بعض الأطفال قد يكون لديهم حساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأضواء، بينما قد يعاني آخرون من قصور في الاستجابة للمؤثرات الحسية، وهو ما قد يؤثر على قدرتهم على التركيز أو المشاركة الفعّالة في الصف.

ومع ذلك، أظهرت الدراسة أيضًا أن الفروق بين الطلاب الذين يعانون من صعوبات تعلم فقط والطلاب الذين لديهم صعوبات تعلم مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لم تكن ذات دلالة إحصائية. هذا يشير إلى أن وجود اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لا يضيف تأثيرًا كبيرًا على كيفية معالجة هؤلاء الأطفال للمحفزات الحسية، وأن صعوبات التعلم وحدها يمكن أن تكون العامل الأساسي الذي يؤثر على إدراكهم الحسي واستجابتهم له.

تعتبر هذه النتائج ذات أهمية كبيرة في مجال التعليم وعلم النفس التربوي، لأنها توضح أن تقييم الحواس قد يكون أداة مفيدة لتخطيط التدخلات الفردية للأطفال ذوي صعوبات التعلم. على سبيل المثال، بعض الأطفال قد يستفيدون من استراتيجيات تعليمية تتضمن عناصر حسية محددة، مثل تقنيات تنظيم الحواس، أو بيئات تعليمية معدلة تقلل من المحفزات المشتتة، بينما يحتاج آخرون إلى استراتيجيات أكثر تركيزًا على المهارات الأكاديمية أو السلوكية، بعيدًا عن المقاربة الحسية. هذه الرؤية تساعد المعلمين وأولياء الأمور على اتخاذ قرارات مدروسة حول كيفية دعم الأطفال في بيئات التعلم المختلفة، بما يضمن لهم أكبر فرصة للنجاح والمشاركة الفعالة.

علاوة على ذلك، تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية النظر إلى الطفل ككائن متكامل، حيث تتفاعل الجوانب الأكاديمية مع الجوانب الحسية والسلوكية والاجتماعية. ففهم الطريقة التي يستجيب بها الطفل للمحفزات الحسية يمكن أن يوفر معلومات إضافية حول نقاط القوة والضعف لديه، ويساعد على تحديد أي تدخلات تعليمية أو علاجية ستكون أكثر فاعلية. على سبيل المثال، الطفل الذي يظهر حساسية شديدة للضوضاء في الصف قد يحتاج إلى مكان هادئ للتركيز، أو استخدام سماعات تقلل الضوضاء، بينما الطفل الذي يعاني من ضعف الاستجابة الحسية قد يستفيد من أنشطة حركية منتظمة لزيادة الانتباه والمشاركة.

يمكن القول أيضًا أن هذه الدراسة تسهم في تعزيز الفهم حول العلاقة بين صعوبات التعلم ومعالجة الحواس، وهو موضوع لم يحظ بالاهتمام الكافي في العديد من السياقات التعليمية. إذ أن الدراسات السابقة غالبًا ما ركزت على الأداء الأكاديمي أو السلوكي فقط، دون النظر إلى التأثيرات الحسية، والتي يمكن أن تكون سببًا مهمًا وراء صعوبات التعلم أو التحديات السلوكية التي يواجهها الأطفال. وبذلك، يمكن لهذه النتائج أن تشجع المعلمين والمتخصصين على دمج تقييم الحواس ضمن برامج الدعم الفردي، لتعزيز تعلم الأطفال وتحسين تجربتهم التعليمية.

بالإضافة إلى ذلك، توفر الدراسة إطارًا لفهم أفضل لكيفية تخصيص الموارد التعليمية والدعم الفردي داخل الصف. فالطفل الذي يحتاج إلى تدخلات حسية محددة قد يستفيد أكثر من خطة تعليمية مهيكلة تراعي استجابته الحسية، بينما قد يكون التدخل التقليدي المكثف في المهارات الأكاديمية كافيًا للطفل الذي لا يعاني من أي تحديات حسية. هذا النهج يعزز من فكرة التعليم الشخصي، الذي يركز على احتياجات كل طفل بشكل مستقل، بدلاً من الاعتماد على نماذج تعليمية عامة قد لا تتوافق مع قدرات كل طالب.

من الجدير بالذكر أن نتائج هذه الدراسة تدعم أيضًا أهمية التعاون بين المعلمين وأولياء الأمور وأخصائيي العلاج الوظيفي، لضمان توفير بيئة تعليمية مناسبة لكل طفل. فالتواصل المستمر بين جميع الأطراف يساعد على متابعة استجابة الطفل للتدخلات المختلفة، وتعديلها حسب الحاجة، مما يرفع من جودة التعليم ويعزز من فرص النجاح الأكاديمي والاجتماعي للأطفال ذوي صعوبات التعلم.

في الختام، تقدم هذه الدراسة دليلًا قويًا على أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم يواجهون تحديات حقيقية في معالجة المعلومات الحسية، تختلف عن الأطفال الذين لا يعانون من أي صعوبات، وأن هذه التحديات يمكن أن توفر معلومات قيمة لتصميم برامج دعم فردية مخصصة. على الرغم من أن وجود اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لا يبدو أنه يغير بشكل كبير أنماط معالجة الحواس، فإن التركيز على الصعوبات الحسية وحدها يمكن أن يكون مفتاحًا لتقديم تدخلات أكثر فعالية ودقة. لذلك، يوصي الباحثون بأن يتم دمج تقييم الحواس ضمن الخطط التعليمية للأطفال ذوي صعوبات التعلم، بما يضمن تقديم دعم متكامل يعزز من قدراتهم الأكاديمية والاجتماعية، ويزيد من فرصهم في المشاركة الفعالة والنجاح المستدام في البيئة التعليمية.

 

المرجع:

Sensory Processing in Students with Specific Learning Disabilities: Findings and Implications for Assessment and Intervention Planning

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/19411240802312798