الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يشعر الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحّد؟

 

ترجمة: أ.سما خالد

 

عند الحديث عن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، يتركّز الاهتمام غالبًا على السلوكيات الظاهرة: ضعف التواصل، السلوكيات المتكررة، الحساسية الحسية، وصعوبات التفاعل الاجتماعي. غير أن هذه المظاهر لا تمثل سوى الجزء المرئي من التجربة. خلف هذه السلوكيات يوجد عالم داخلي غني ومعقّد من المشاعر والانفعالات والتجارب الحسية والمعرفية التي قد لا يستطيع الأطفال التعبير عنها بالكلمات. إن فهم كيف يشعر هؤلاء الأطفال لا يهدف إلى التعاطف فقط، بل يمثل حجر الأساس لأي تدخل تربوي أو سلوكي أو نفسي فعّال.

تشير الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب النمائي إلى أن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد لا يفتقرون إلى المشاعر كما يُشاع خطأً، بل يعيشون مشاعر شديدة الكثافة، ولكنهم يواجهون صعوبة في تفسيرها وتنظيمها والتعبير عنها. ويرتبط ذلك بخصائص عصبية تتعلق بمعالجة المعلومات الحسية، ووظائف القشرة الجبهية، والشبكات المسؤولة عن فهم الحالات العقلية للذات والآخرين.

من أبرز ما يميز التجربة الشعورية لدى هؤلاء الأطفال الاستثارة الحسية المفرطة أو المنخفضة. فالأصوات العادية قد تُشعرهم بالألم، والإضاءة قد تكون مزعجة بشدة، وملمس الملابس قد يسبب ضيقًا غير محتمل. في المقابل، قد يبحث بعضهم عن مدخلات حسية قوية ليشعروا بالاتزان. هذه التجربة الحسية المستمرة تجعلهم يعيشون في حالة من الإرهاق العصبي الدائم، ما يفسر كثيرًا من السلوكيات التي تُفهم خطأً على أنها عناد أو رفض.

إضافة إلى ذلك، يعاني العديد من الأطفال المشخّصين من صعوبة في تمييز المشاعر الداخلية، وهي ما يُعرف علميًا بضعف الوعي الداخلي. فقد يشعرون بانزعاج أو توتر دون القدرة على تحديد مصدره: هل هو جوع، أم تعب، أم قلق، أم ألم جسدي؟ هذا الغموض الداخلي يجعلهم يعيشون حالة مستمرة من عدم الارتياح غير المفسر، وينعكس ذلك في سلوكيات انسحابية أو انفجارات انفعالية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يشعر هؤلاء الأطفال غالبًا بالارتباك. فهم يلاحظون أن الآخرين يتفاعلون بسهولة مع الإشارات الاجتماعية غير اللفظية، بينما تبدو هذه الإشارات لهم غامضة وغير مفهومة. الابتسامات، نبرات الصوت، تعابير الوجه، والإيماءات، كلها قد تمر دون تفسير واضح. هذا لا يعني أنهم غير مهتمين بالآخرين، بل قد يشعر كثير منهم برغبة قوية في التواصل، لكنهم لا يعرفون الكيفية. هذا الفارق بين الرغبة والقدرة يولّد شعورًا بالإحباط والعزلة.

كما تشير الدراسات إلى أن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يعانون من مستويات مرتفعة من القلق مقارنة بأقرانهم. القلق لديهم ليس دائمًا ناتجًا عن مواقف واضحة، بل يرتبط بعدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث، وصعوبة التكيف مع التغييرات، وكثرة المدخلات الحسية، وصعوبة فهم نوايا الآخرين. العالم بالنسبة لهم يبدو غير متوقع وغير قابل للسيطرة، ما يجعلهم في حالة استعداد دائم للدفاع أو الانسحاب.

ومن الجوانب المهمة أيضًا الشعور المتكرر بالفشل الاجتماعي. فمع تقدم الأطفال في العمر، يدركون أنهم مختلفون عن أقرانهم. يلاحظون أنهم لا يُدعون للعب كثيرًا، أو أن الآخرين يضحكون على تصرفاتهم، أو أنهم لا يفهمون النكات والتلميحات. هذا الإدراك التدريجي للاختلاف قد يقود إلى انخفاض تقدير الذات، ومشاعر حزن، وحتى أعراض اكتئابية.

في المقابل، يعيش الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد أيضًا مشاعر إيجابية عميقة، خاصة عند الانخراط في اهتماماتهم الخاصة. الاهتمامات المقيدة ليست مجرد سلوك متكرر، بل تمثل مصدر أمان، ومتعة، وتنظيم داخلي. عند الانخراط في هذه الاهتمامات، يشعرون بالهدوء والسيطرة والرضا، وهي مشاعر قد لا تتوفر لهم بسهولة في البيئات الاجتماعية المعقدة.

إن كثيرًا من السلوكيات التي تُفسَّر على أنها مشكلات سلوكية ما هي إلا محاولات للتعبير عن مشاعر غير مفهومة أو غير مُدارة. نوبات الغضب قد تكون نتيجة حمل حسي زائد، أو قلق شديد، أو شعور بالارتباك. الانسحاب قد يكون وسيلة لحماية الذات من بيئة مرهقة. التكرار قد يكون محاولة لتنظيم العالم الداخلي.

ويمتد العالم الشعوري لهؤلاء الأطفال إلى تجارب يومية دقيقة قد لا ينتبه لها المحيطون بهم. الانتقال من نشاط إلى آخر، أو تغيير ترتيب الأشياء، أو اختلاف نبرة صوت المربي، كلها أحداث قد تُحدث اضطرابًا داخليًا كبيرًا. إن الحاجة إلى الروتين ليست تفضيلًا سلوكيًا فقط، بل ضرورة شعورية تمنحهم الإحساس بالأمان والاستقرار.

كما أن صعوبة التعبير اللغوي لدى بعض الأطفال المشخّصين تجعل المشاعر تتراكم دون مخرج لفظي. وحين لا يجد الشعور قناة للتعبير، يتحول إلى سلوك. لذلك قد يظهر الضيق في صورة صراخ، أو رفض، أو سلوكيات نمطية متكررة، أو انسحاب تام من الموقف.

وتشير الأدبيات إلى أن تعليم مهارات التعرف على المشاعر وتسميتها يسهم في تخفيف كثير من السلوكيات الصعبة، لأن الأطفال يبدأون تدريجيًا في فهم ما يحدث داخلهم. عندما يستطيعون ربط الشعور بالكلمة، يقل الاحتياج إلى التعبير السلوكي عنه.

ومن المهم إدراك أن هؤلاء الأطفال يتأثرون بشدة بردود فعل الآخرين تجاههم. النقد المتكرر، أو التوبيخ، أو السخرية، قد يُشعرهم بعدم الأمان والرفض. في المقابل، التفهم والاحتواء يمنحهم شعورًا عميقًا بالقبول، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرارهم الانفعالي.

إضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى أن دعم الأسرة والمحيط المدرسي له أثر كبير على تنظيم المشاعر والتكيف النفسي للأطفال المشخّصين. توافر بيئة داعمة ومستقرة، مع تدريب المعلمين والمربين على فهم الحاجات الانفعالية والحسية لهؤلاء الأطفال، يقلل من التوتر ويعزز قدرة الأطفال على المشاركة والتعلم والتفاعل الاجتماعي بفاعلية أكبر.

لذلك، فإن فهم كيف يشعر الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد يتطلب الانتقال من سؤال “لماذا يفعلون هذا السلوك؟” إلى سؤال أعمق: “ماذا يشعرون الآن؟. هذا التحول في المنظور يغيّر طريقة التعامل معهم، ويجعل التدخلات أكثر إنسانية وفعالية.

إن بناء بيئات آمنة حسيًا، وروتين واضح، واستخدام وسائل بصرية، وتعليم مهارات الوعي بالمشاعر، كلها تدخلات تساعد هؤلاء الأطفال على فهم عالمهم الداخلي وتنظيمه. كما أن تدريب المحيطين بهم على قراءة الإشارات غير اللفظية الدقيقة التي تصدر عنهم يسهم في تقليل سوء الفهم المتكرر.

الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد لا يعيشون عالمًا خاليًا من المشاعر، بل يعيشون عالمًا مليئًا بالمشاعر الشديدة التي قد يعجزون عن ترجمتها للآخرين. إن إدراك ذلك يغيّر نظرتنا من الحكم على السلوك إلى فهم الإنسان، ومن محاولة إيقاف السلوك إلى محاولة احتواء الشعور، ومن مجرد تعليم السلوكيات إلى دعم التكيف الانفعالي والاجتماعي بشكل متكامل.

خاتمة

إن فهم المشاعر الداخلية للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يمثل خطوة حاسمة نحو توفير بيئة تعليمية واجتماعية وعاطفية داعمة لهم. فالتجارب الشعورية المكثفة، والحساسية المفرطة أو المنخفضة، وصعوبة تفسير المشاعر، ليست مجرد خصائص سلوكية بل هي جزء من تجربتهم اليومية المعقدة. إدراك ذلك يمكّن المربين والأهل والمختصين من التعامل مع هذه التجارب بتعاطف وفهم، بعيدًا عن الحكم على السلوك أو التعامل معه كخطر أو مشكلة فقط.

كما أن التركيز على تعليم الأطفال مهارات الوعي بالمشاعر والتعبير عنها، وتوفير روتين واضح، وبيئات آمنة حسيًا، يساعدهم على تنظيم العالم الداخلي والتكيف مع المتغيرات المحيطة بهم. الدعم الأسري والمدرسي والتفاعل الإيجابي مع الأطفال يعزز شعورهم بالأمان والانتماء، ويقلل من حالات القلق والفشل الاجتماعي التي قد تعيق نموهم النفسي والاجتماعي.

في نهاية المطاف، النظر إلى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد على أنهم أشخاص يمتلكون عالمًا داخليًا غنيًا ومعقدًا، مليئًا بالمشاعر والتجارب التي تحتاج للفهم والاحتواء، يفتح الباب أمام استراتيجيات تربوية ونفسية أكثر فعالية، ويحوّل التركيز من السيطرة على السلوك إلى دعم التكيف الانفعالي والاجتماعي. إن هذا الفهم العميق يمكّننا من بناء مجتمعات أكثر تقبّلًا واحتواءً، ويتيح للأطفال فرصًا حقيقية للنمو والازدهار في بيئات تمنحهم الأمان والاعتراف بقيمتهم الإنسانية.

 

المراجع وفق APA 7

American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.).

Ben-Sasson, A., et al. (2009). A meta-analysis of sensory modulation symptoms in individuals with autism spectrum disorders. Journal of Autism and Developmental Disorders, 39(1), 1–11.

Bird, G., & Cook, R. (2013). Mixed emotions: The contribution of alexithymia to the emotional symptoms of autism. Translational Psychiatry, 3(7), e285.

Schauder, K. B., & Bennetto, L. (2016). Toward an interdisciplinary understanding of sensory dysfunction in autism spectrum disorder. Autism Research, 9(9), 920–925.

Trevisan, D. A., et al. (2021). Interoception and autism spectrum disorder: A review. Autism Research, 14(1), 19–30.