ترجمة: أ. رزان بن دهر
تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) والتقارير الوطنية للإحصائيات الصحية إلى أنّ الطفل المولود اليوم في الولايات المتحدة يملك احتمالاً يتراوح بين 1% و2% للتشخيص باضطراب طيف التوحد وبما أنّ نسب التشخيص بين الذكور أعلى بأربع مرات مقارنة بالإناث فهذا يعني أنّ واحداً من كل 30 ولداً مر تقريباً سيُشخّص باضطراب طيف التوحد بحلول سن الثامنة.
بوصفي طبيب أطفال ووالداً لطفل مشخص باضطراب طيف التوحد (وقد أصبح الآن راشداً)، رافقت الكثير من الأهالي وساعدتهم في التكيّف مع خبر التشخيص، تمرّ بعض العائلات بمراحل الحزن المعروفة، التي قد تتداخل أو تتتابع: الإنكار، الغضب، المساومة، والاكتئاب، بينما يصل آخرون مباشرة إلى مرحلة القبول، خصوصاً إذا جاء التشخيص متأخراً بعد أن كانت لديهم شكوكا مسبقة، ومهما كان موقعك على هذا الطيف من ردود الفعل، فإن العامل الأهم الذي ثبت أنّه يصنع الفارق لجميع الأطفال، وخصوصاً المشخصين باضطراب طيف التوحد، هو استقرار البيئة المحيطة والأسرة.
لكن، ماذا نعني بالاستقرار؟ الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يستجيبون بشكل أفضل للروتين الثابت، سواء على مستوى العلاقات الأسرية أو في إطار برنامج يومي يمكن توقّعه غير أنّ عوامل عديدة قد تُربك هذا التوازن الطبيعي للأسرة، وللتذكير بهذه الضغوطات وتأثيرها، طوّرت وسيلة تذكّر (Mnemonic) أطلقت عليها اسم IHELP2.
الدخل والموارد المالية تُعد عاملاً مهماً جداً للأسر التي لديها طفل مشخص باضطراب طيف التوحد ففرص التحسّن تكون أكبر عندما يبقى أحد الوالدين في المنزل مع الطفل، ليتعلّم ويطبّق العلاجات السلوكية المكثفة، أما إذا كانت الأسرة بحاجة إلى دخلين، فإن خدمات التدخل المبكر والتعليم الخاص تصبح ضرورية لتوفير الرعاية اليومية المتوقعة والمنتظمة كذلك، يمكن لمجموعات الدعم المجتمعية — مثل الفروع المحلية لجمعية اضطراب طيف التوحد الأمريكية أو منظمة “أوتيزم سبيكس” — أن تمدّ يد العون للوالدين في الأيام الأولى، وتمنحهم الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في هذه التجربة.
أما السكن في مكان مستقر، حيث يشعر الطفل بالارتياح مع محيطه، فيخفف من الضغوط والتحديات الانتقالية التي قد تُضعف فاعلية العلاج السلوكي. وللأسف، لا يمكن دائماً التحكم بهذا الأمر، إذ قد تفرض ظروف العمل الانتقال أو الخلافات الزوجية التي قد تنتهي بانفصال وما يتبعه من صعوبة التوازن بين منزلين.
وفيما يخص البيئة التعليمية، فمن المهم أن يتفق الوالدان على الخدمات المناسبة لطفلهما وأن يوضّحا ذلك للمدرسة إن أفضل سيناريو هو أن تكون المدرسة مستعدة لـ”التعاون مع الأهل”، فهذا يخفف كثيراً من التوتر، بينما خوض صراع مع المدرسة للحصول على الخدمات يُشكّل عبئاً هائلاً على الأسرة لذا فإن فهم حدود وإمكانات كل طرف يساعد على خلق بيئة أكثر إيجابية للجميع فإذا لم تتمكّن ميزانية المدرسة من توفير دعم فردي (واحد لواحد) داخل الصف لطفلك، لكنها أبدت استعداداً لتدريب كوادر جديدة لمساعدة عدة أطفال مشخصين باضطراب طيف التوحد، إلى جانب توفير دعم إضافي لمهاراتهم الاجتماعية، فقد يكون هذا حلاً وسطاً مناسباً.
اللغة وقدرة الطفل على التواصل المباشر مع والديه عنصر بالغ الأهمية فإذا لم يتمكّن الطفل من التعبير عن نفسه، قد تتدهور سلوكياته، مما يُضعف الرابط بينه وبين والديه ويؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الأسرة يمكن للوالدين تعزيز المهارات اللغوية الأولية لطفلهم باستخدام جهاز آيباد مزوّد ببرنامج صوتي مساعد، أو نظام تبادل الصور للتواصل (PECS) الذي يعتمد على صور وشريط جُمَل بسيط ومع ذلك، يبقى الهدف الأسمى هو الوصول إلى تدفّق طبيعي للغة يسمح بوظيفة اجتماعية تلقائية.
الأبوة والأمومة والمكوّنات النفسية والاجتماعية تُعدّ من أهم العوامل في توفير الاستقرار لطفل مشخص باضطراب طيف التوحد، فعلى الرغم من أنّ ابني شُخّص باضطراب طيف التوحد الانحداري عند بلوغه الثالثة تقريباً، فإنني كنت أعلم أنه يعاني منه منذ كان عمره 15 شهراً فقط وهو اليوم يبلغ 20 عاماً ويعمل في وظيفة يتقاضى منها أجراً بدوام جزئي (20 ساعة أسبوعياً). هذا الإنجاز لم يحدث بالصدفة أو الحظ، بل بفضل الإصرار والمثابرة، الممزوجين أحياناً بالحزم، من قِبل جميع أفراد الأسرة، بما في ذلك ابنتانا الاثنتان.
الأهالي السعداء يصنعون أطفالاً سعداء
إن قوة ومرونة الرابط بين الوالدين يحددان ملامح النجاح هل تعلم أن معدلات الطلاق في أسر الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد أعلى بنسبة 20% من المعدل الوطني؟ لذلك يجب أن يكون الوالدان على وعي بمصادر الضغط التي قد تُقوّض استقرار الأسرة، والسبب الرئيسي لهذه الضغوط هو عدم التوازن في تقاسم المسؤوليات؛ إذ يتحمّل أحد الوالدين العبء الكامل كالمعالج الأساسي للطفل بينما ينسحب الآخر ويتجنب المسؤولية.
العديد من الأهالي يتّبعون ما يمكن تسميته “نهج الصومعة”، حيث يتولّى أحدهما دور الراعي المباشر للطفل، بينما يتحمّل الآخر مسؤولية تأمين الدخل والقيام بكل ما تبقّى، في وقت مبكر، دفعتني زوجتي إلى لعب هذا الدور، حتى أستطيع أن أتعاطف مع التحديات اليومية التي تواجهها أثناء بقائها في المنزل مع ابننا، وعندما لم أكن في نوبات عمل نهاية الأسبوع، كانت هي تخطّط للخروج مع بناتنا، بينما كانت مهمتي أن أعتني بابننا، كنت أتذمّر من حاجتي إلى راحة في عطلات نهاية الأسبوع، لكن في الحقيقة كان يخيفني أن أجرّب ما كنت أنصح به الآباء الآخرين في عملي.
في أوائل عطلات نهاية الأسبوع التي قضيتها مع ابني، كنت أقوده إلى أماكنه المفضلة — الحديقة، المتجر، ومطعمه المفضل، فوبّختني زوجتي قائلة إنني سأجعل ابننا يعاني من السمنة بسبب تناول الكثير من قطع الدجاج المقلية والبطاطس المقلية لذلك بدأت أُسلّيه بالرياضة لعبنا كرة السلة، والبيسبول، وكرة القدم الأمريكية، وكرة القدم (soccer)، والجولف، والتنس، وذهبنا لركوب الدراجات والسباحة — رياضة مختلفة كل عطلة نهاية أسبوع، اكتشفت أنه أحبّ أكثر شيئَين: ركوب الدراجة والسباحة أما الألعاب التي تفرض قواعد، فلم تكن مناسبة له، بينما منحته حرية ركوب الدراجة والسباحة متعة حسّية كان يستمتع بها.
بدلاً من أن أشعر بالضغط بسبب الاعتناء بابني، أصبحت أمتلك وسيلة للتواصل وتقاسم التجربة مع زوجتي بعد مغامرات عطلة نهاية الأسبوع، كنت أشاركها بما سار على ما يرام (مثل عدّ الأرقام على مضمار المدرسة الثانوية)، وما لم يسر بشكل جيد (مثل الركض على درجات المدرج)، وكيف تعاملت مع نوبات الانهيار باستخدام الحركات البهلوانية، وكذلك الإنجازات الجديدة التي شهدتها عند ابننا (مثل رمي القرص والتمكّن من التقاطه).
لقد منحنا تقاسم عبء ورحلة تربية طفل مشخص باضطراب طيف التوحد علاقة أكثر مودة مع بعضنا البعض ومع أسرتنا بأكملها، بدأ ابني ينام بشكل أفضل لأنه كان يشعر بالتعب بعد ممارسة الرياضة، كما اكتشفنا أنه يحب استخدام سدادات الأذن عند النوم لأنها تحجب الأصوات المزعجة، أما الخوف الذي كنّا نشعر به عندما نخرج كعائلة، فقد بدأ يتلاشى.
أظهرت الأبحاث أنّ الأهالي الذين لديهم طفل مشخص باضطراب طيف التوحد، عند ملء مقياس ضغوط الأبوة (PSI)، يسجّلون معدلات أعلى أو مماثلة للأهالي الذين لديهم طفل يخضع لعلاج السرطان وعلى عكس بعض مرضى السرطان، فإن الطفل المشخص باضطراب طيف التوحد نادراً ما يدخل في مرحلة سكون (remission) لذلك تُعد استراتيجيات التكيّف ذات أهمية كبيرة في الحفاظ على ترابط الأسر واستقرارها.
المرجع:
Finding Family Stability After Your Child’s Autism Diagnosis





