ترجمة: أ. رزان بن دهر
يشير مصطلح ضعف التنظيم الذاتي العاطفي (DESR) إلى مشكلة قديمة بشكل جديد: الاندفاع العاطفي وصعوبة تنظيم المشاعر، وهي من التحديات الشائعة لدى الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD أو ADD)، ويعنى هذا المصطلح تحديدًا بوجود قصور في أربعة مجالات رئيسية لتنظيم العواطف:
- عدم القدرة على كبح ردود الأفعال غير المناسبة الناتجة عن مشاعر قوية
- صعوبة تهدئة النفس والتخفيف من حدة الانفعالات
- عدم القدرة على تحويل الانتباه بعيدًا عن المواقف العاطفية
- صعوبة استبدال ردود الأفعال السلبية باستجابات جيدة تخدم مصلحة الفرد على المدى البعيد
ورغم أن DESR لا يُدرج رسميًا ضمن معايير التشخيص في دليل DSM-5، إلا أنه إلى جانب الاندفاع العاطفي يُعد من السمات الأساسية لاضطراب ADHD، وله تأثير عميق على حياة الفرد اليومية وتجاربه الشخصية على مدار العمر.
وبما أن مفهوم DESR لا يزال جديدًا نسبيًا على الكثير من الأشخاص فقد أثار العديد من التساؤلات، فيما يلي أجيب عن بعض هذه الأسئلة:
س: هل يتغير اضطراب تنظيم المشاعر مع مرور الوقت؟ وهل يمكن أن يتحسن؟
نعم، اضطراب تنظيم المشاعر قد يتغير مع الوقت، ومن الممكن أن يتحسّن، لكن ذلك يعتمد على الشخص نفسه والعوامل المحيطة به، فعلى سبيل المثال، نادرًا ما يُطرح ضعف التنظيم العاطفي كمشكلة لدى الأطفال الصغار، فنحن لا نتوقع من طفل في الرابعة من عمره أن يكون قادرًا على إدارة مشاعره بشكل جيد، في هذه المرحلة يكون تركيز الأهل غالبًا على الجانب الاندفاعي من المشاعر.
لكن مع الوصول إلى أواخر المراهقة، وبشكل خاص في مرحلة البلوغ، يصبح من المتوقع أن يكون الفرد قد طوّر ما يُعرف بالتحكّم العاطفي من المستوى الثاني: الإدارة التنفيذية العُليا للمشاعر (أي القدرة على تهدئة ردود الفعل العاطفية تجاه الأحداث المثيرة)، ومع ذلك فإن DESR يعيق تحديدًا هذه القدرة – أي العمليات المرتبطة بالتنظيم الذاتي للمشاعر، وهذا ما يؤدي غالبًا إلى إطلاق أحكام أخلاقية قاسية على البالغين المشخصين باضطراب ADHD، مقارنة بما يُقال عن الأطفال الذين يعانون من نفس التحدي.
يمكننا القول إن مكونات المشكلة العاطفية في ADHD هي الاندفاع العاطفي (EI) وضعف التنظيم الذاتي العاطفي (DESR) كما أنهما يتبادلان الأدوار مع تقدّم العمر، فالاندفاع العاطفي يكون أكثر بروزًا لدى الأطفال، بينما يصبح ضعف التنظيم الذاتي أكثر وضوحًا وإزعاجًا لدى البالغين.
نحن نعلم أيضًا أن أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) تتغير مع مرور الوقت لدى العديد من الأفراد، وهذا قد يعني أن مشكلات مثل صعوبة تنظيم المشاعر أيضًا تتغير في شدتها أو في مدى تأثيرها على حياة الفرد، ويجدر بالذكر أن اضطراب ADHD يستمر بدرجات متفاوتة من الطفولة حتى البلوغ لدى حوالي 90% من الأشخاص.
لكن، هل يمكن “تدريب” القدرة على تنظيم المشاعر؟ بالنسبة للأطفال، فإن احتمالية ذلك ضئيلة نسبيًا، لأنهم لم يطوّروا بعد المهارات اللازمة للتنظيم الذاتي التي يتطلبها هذا النوع من التدريب، وفي هذه المرحلة يكون التدخل الأكثر فعالية هو من خلال الأدوية، وتدريب الوالدين، والتحكم في المحفزات البيئية، أما البالغون فقد يستفيدون بشكل كبير من العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وبرامج التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness)، خصوصًا تلك التي أُعيدت صياغتها خصيصًا لتناسب اضطراب ADHD لدى الكبار كما ورد في كتب حديثة، تُساعد هذه الأساليب الفرد على التعامل مع العديد من جوانب صعوبة تنظيم المشاعر بفعالية أكبر.
س: هل يعاني الذكور والإناث المشخصين باضطراب ADHD من صعوبة تنظيم المشاعر بطرق مختلفة؟
بشكل عام، نعلم أن الذكور أكثر ميلاً لإظهار العدوانية وهي سمات ترتبط بالاضطرابات الخارجية، في حين أن الإناث أكثر عرضة للإصابة بـ اضطرابات القلق والمزاج، ولكن رغم هذا الاختلاف، فإن كلا الجنسين يواجهان صعوبة في التعامل مع الصبر والإحباط، ويؤدي وجود خلل في تنظيم المشاعر ضمن ADHD إلى تفاقم هذه المشكلات بشكل أكبر.
س: متى تبدأ أعراض ضعف التنظيم الذاتي العاطفي بالظهور لدى الأطفال؟
عادةً ما يظهر DESR بين سن الثالثة والخامسة، لكنه قد يكون واضحًا لدى بعض الأطفال الأصغر سنًا ممن يعانون من فرط الحركة والاندفاعية بشكل ملحوظ، ومع ذلك فإن العديد من العائلات تتجاهل هذه السلوكيات في البداية، معتقدةً أنها جزء طبيعي من النمو (مثل مرحلة “السنتين الرهيبتين”)، ثم يدركون لاحقًا أن طفلهم سريع الغضب وشديد التأثر عاطفيًا مقارنةً بأقرانه، وبعض هؤلاء الأطفال قد يُطور لاحقًا اضطراب التحدي المعارض، وإذا اعترفنا بأن DESR هو سمة أساسية في اضطراب ADHD، فسنفهم لماذا يشكل هذا الاضطراب عامل خطر كبير لحدوث اضطراب التحدي المعارض واضطرابات سلوكية أخرى مرتبطة به.
س: هل يستطيع الأهل إدارة ضعف التنظيم الذاتي العاطفي لدى الأطفال المشخصين بـ ADHD من دون استخدام الأدوية؟
سيكون ذلك صعبًا للغاية، فعند الحديث عن ADHD لدى الأطفال، فنحن نتعامل مع دماغ غير منظم، يحتوي على وظائف تنفيذية غير ناضجة ومتقلبة جدًا وجزء من هذا الخلل يشمل صعوبة في التعبير العاطفي وتنظيم المشاعر، وأن تتوقع أن يُحدث التدخل النفسي أو الاجتماعي تغييرًا جذريًا في هذه الشبكات العصبية غير الناضجة، هو توقع مبالغ فيه يفوق قدرات العلاج النفسي، ولهذا قد يكون من الأفضل استخدام التدخلات المذكورة سابقًا بينما ينتظر الأهل نضوج هذه الأنظمة العصبية تدريجيًا مع تقدم الطفل في العمر.
س: هل تتبقى صعوبات عاطفية لدى الأطفال والبالغين حتى بعد استخدام أدوية ADHD؟
نعم في بعض الأحيان، قد تُسبب الأدوية مشكلات خاصة بها فمثلًا، الأدوية المنشطة قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ الخمود العاطفي، وهو غياب المشاعر الطبيعية لدى بعض الأطفال أو البالغين، ومع زوال مفعول الدواء من الشائع أن يمر الدماغ بما يُشبه الارتداد (rebound)، والذي قد يظهر في صورة التهيج، أو سهولة البكاء، أو الحزن.
هذه التجارب مع الأدوية المنشطة ليست شائعة عند الجميع، لكنها تحدث، تذكّر أنك كنت تقوم بكبح نشاط الدماغ العاطفي، ومع تلاشي مفعول الدواء، قد تعود هذه المشاعر للظهور بشكل مفاجئ، ولا نرى هذه المشكلة بنفس الحدة مع الأدوية غير المنشطة، لأنها لا تقوم بكبح المشاعر في الدماغ بنفس الطريقة، في النهاية كل دواء يتفاعل مع الدماغ بطريقة مختلفة وبالتالي يؤثر على المشاعر بشكل مختلف، ولهذا السبب، يلجأ بعض الأطباء أحيانًا إلى دمج أنواع مختلفة من الأدوية للحصول على تغطية أوسع للأعراض، وهي تغطية لا يستطيع دواء واحد تقديمها بمفرده.
س: ذكرتَ أن أعراض ADHD لدى أحد الوالدين قد تزيد من سوء الأعراض لدى الطفل وتُفاقم صعوبة تنظيم المشاعر، هل يمكنك إعطاء بعض الأمثلة؟
لنفترض أن الطفل يُظهر سلوكًا متحديًا أو معارضًا، قد يستجيب الوالد المشخص بـ ADHD لهذا السلوك بشكل عاطفي أقوى بكثير من والد لا يعاني من الاضطراب، فقد يُظهر استجابة اندفاعية فيها غضب أو عدوانية تجاه الطفل، أو يصل إلى مرحلة الانفعال الشديد بسرعة أكبر من الوالد العادي.
عندما يُظهر أحد الوالدين هذه السلوكيات، فهو – بشكل غير مباشر – يُقدم نموذجًا يُحتذى به في ردود الفعل العاطفية لأطفاله، كما أنه يُثير مشاعر الطفل الذي يُعاني هو الآخر من صعوبات في تنظيم مشاعره، ما يحدث هنا في رأيي هو أشبه بـ إعصار عاطفي داخل الأسرة حيث يقوم كل فرد بتحفيز الآخر للوصول إلى مستويات أعلى من الصراع والانفعال.
س: هل يُفاقم التعرض للصدمة النفسية أعراض ضعف التنظيم الذاتي العاطفي؟ وماذا عن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؟
الأمر ذو اتجاهين، تشير الأبحاث إلى أن اضطراب ADHD، وبشكل خاص بسبب عنصر خلل التنظيم العاطفي، يجعل الأطفال أكثر عرضة للتعرض للصدمة النفسية، وحينما يتعرض طفل مشخص بـ ADHD لصدمة نفسية، فإن احتمالية تطورها إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) تكون أعلى، لهذا السبب يُعد ADHD من أقوى المؤشرات التي تنبئ بمن سيطور اضطراب PTSD عند التعرض لحدث صادم، وحينما يتطوّر PTSD، فإنه لا يزيد فقط من معاناة الطفل، بل يُفاقم مشاكل تنظيم المشاعر الموجودة مسبقًا.
س: هل هناك وقت “متأخر جدًا” لطلب المساعدة في التعامل مع صعوبة تنظيم المشاعر؟
أبدًا، ليس هناك وقت متأخر للحصول على المساعدة في التعامل مع اضطراب ADHD وأعراضه، حتى لو كانت صعوبة تنظيم المشاعر تُشكّل عائقًا منذ زمن طويل، فقد أظهرت دراسات متعددة أن التشخيص في مراحل متأخرة من العمر، يتبعها العلاج المناسب، يفيد الشخص بشكل كبير.
المرجع:
DESR: “Does ADHD Emotional Dysregulation Ever Fade?”
https://www.additudemag.com/desr-emotional-dysregulation-adhd-answers/





