ترجمة: أ. جنا الدوسري
تهدف هذه الدراسة إلى بحث مدى فاعلية استراتيجيات المعالجة الحسية في تحسين مستوى النشاط الحركي لدى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التكامل الحسي، وهي حالة تؤثر بشكل مباشر على قدرة الطفل على تنظيم استجاباته للمثيرات الحسية المختلفة داخل البيئة الصفية، مما ينعكس على سلوكه العام وتفاعله مع الأنشطة التعليمية اليومية.
اعتمدت الدراسة على تصميم تجريبي يُعرف بتصميم المجموعات المتطابقة في القياس القبلي والبعدي مع وجود مجموعة ضابطة، حيث تم توزيع الأطفال الذين يعانون من اضطراب التكامل الحسي على مجموعتين متكافئتين من حيث الخصائص الأساسية، بحيث ضمت كل مجموعة عددًا متساويًا من الأطفال. هذا الأسلوب في التصميم يهدف إلى تعزيز دقة النتائج وتقليل تأثير الفروق الفردية بين المشاركين قدر الإمكان، مما يسمح بعزل أثر التدخل العلاجي نفسه على المتغيرات محل الدراسة.
شملت العينة أطفالًا في مرحلة ما قبل المدرسة تتراوح أعمارهم تقريبًا بين ثلاث وست سنوات، وتم تطبيق برنامج تدخل علاجي يستمر لثمانية أسابيع داخل البيئة المدرسية خلال اليوم الدراسي، وذلك ضمن إطار المنهج التعليمي القائم على الوحدات أو الموضوعات. وقد تم دمج استراتيجيات المعالجة الحسية ضمن الأنشطة الصفية اليومية، بحيث لا يتم تقديمها كجلسات علاج منفصلة فقط، بل كجزء من الروتين التعليمي المعتاد، مما يعزز من قابلية تطبيقها واستمراريتها داخل البيئة المدرسية.
ركزت الاستراتيجيات المستخدمة في التدخل على مساعدة الأطفال في تنظيم استجاباتهم الحسية المختلفة، خصوصًا أولئك الذين يظهر لديهم سلوك البحث الحسي أو فرط الاستجابة للمثيرات. ويُقصد بذلك الأطفال الذين يميلون إلى الحركة الزائدة أو البحث المستمر عن مدخلات حسية إضافية مثل الحركة أو اللمس أو التفاعل المفرط مع الأشياء المحيطة، وهو ما ينعكس غالبًا في شكل سلوكيات مثل تحريك القدمين باستمرار، أو التأرجح على الكرسي، أو الاستلقاء على الأرض، أو كثرة التململ الجسدي، أو الانشغال بالأشياء بشكل زائد عن الحد الطبيعي.
كما أن اضطراب المعالجة الحسية قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى النشاط الحركي بشكل ملحوظ داخل الصف، الأمر الذي يجعل الطفل غير قادر على الجلوس لفترات مناسبة أو الالتزام بالأنشطة الصفية المنظمة. وقد يظهر ذلك أيضًا في صورة صعوبة في التركيز على المثيرات التعليمية المهمة، والانجذاب نحو مثيرات غير ذات صلة، إضافة إلى سلوكيات قد تُفسر على أنها فرط حركة أو اندفاعية، مثل مقاطعة الآخرين أو إزعاج الزملاء أو عدم القدرة على إتمام المهام الصفية. وعلى الرغم من أن هذه المشكلات قد تكون أقل حدة مقارنة بما يظهر لدى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية الأخرى، إلا أنها تظل ذات تأثير واضح على الأداء الأكاديمي والتكيف داخل البيئة المدرسية.
أظهرت نتائج الدراسة أن تطبيق التدخل القائم على استراتيجيات المعالجة الحسية لمدة ثمانية أسابيع أدى إلى انخفاض ملحوظ في مستوى النشاط الحركي لدى الأطفال المشاركين في المجموعة التجريبية. كما لوحظ تراجع في بعض السلوكيات المرتبطة بالحركة الزائدة، مثل كثرة تحريك القدمين أو ما يعرف بتأرجح القدمين أثناء الجلوس. وقد كانت هذه التحسينات ذات دلالة إحصائية، مع الإشارة إلى أن حجم الأثر الناتج عن التدخل كان متوسطًا، مما يشير إلى وجود تأثير إيجابي واضح ولكن ليس بدرجة كبيرة جدًا.
في المقابل، لم تُظهر المجموعة الضابطة التي لم تتلقَّ التدخل نفس التحسن، حيث بقيت مستويات النشاط الحركي والسلوكيات المرتبطة به دون تغييرات ذات دلالة إحصائية، وهو ما يعزز من احتمالية أن التحسن الذي ظهر في المجموعة التجريبية يعود بشكل أساسي إلى فاعلية التدخل المستخدم وليس إلى عوامل أخرى عشوائية أو طبيعية مرتبطة بالنمو فقط.
ومع ذلك، أشارت الدراسة إلى وجود احتمال تأثير النمو الطبيعي للأطفال على بعض النتائج، مما يعني أنه لا يمكن بشكل قاطع استبعاد أن جزءًا من التحسن قد يكون ناتجًا عن التطور الطبيعي مع مرور الوقت، وليس فقط بسبب التدخل العلاجي. وهذا يُعد أحد القيود المهمة في تفسير النتائج، حيث إن النمو في مرحلة الطفولة المبكرة قد يترافق بحد ذاته مع تحسن تدريجي في بعض مهارات التنظيم السلوكي والانتباه.
من جانب آخر، أظهرت النتائج المتعلقة بما يُعرف بالقبول الاجتماعي أو الصلاحية الاجتماعية للتدخل أن استراتيجيات المعالجة الحسية يمكن دمجها بشكل فعّال داخل المنهج الدراسي اليومي في رياض الأطفال. كما بيّنت أن المعلمين والبيئة المدرسية يمكن أن يتقبلوا هذه الاستراتيجيات كجزء من العملية التعليمية دون الحاجة إلى فصلها عن النشاط التعليمي المعتاد، وهو ما يعزز من قابليتها للتطبيق العملي في المدارس. كما أن هذا الدمج ساهم في تحسين مستوى النشاط الحركي للأطفال بشكل تدريجي، مما انعكس إيجابًا على قدرتهم على المشاركة في الأنشطة الصفية.
وبشكل عام، توصلت الدراسة إلى أن استراتيجيات المعالجة الحسية قد تكون وسيلة فعالة لتحسين مستوى النشاط الحركي لدى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التكامل الحسي، خصوصًا عندما يتم تطبيقها داخل البيئة المدرسية بشكل منظم ومتكامل مع المنهج التعليمي. إلا أن النتائج في الوقت نفسه تؤكد الحاجة إلى مزيد من الدراسات المستقبلية التي تأخذ بعين الاعتبار تأثير النمو الطبيعي، وتستخدم تصاميم بحثية أكثر صرامة للتأكد من مدى فاعلية هذه الاستراتيجيات بشكل مستقل.
كما تبرز أهمية هذه النتائج في المجال التربوي والعلاجي، حيث تشير إلى إمكانية دعم الأطفال ذوي صعوبات المعالجة الحسية داخل الصفوف العادية دون الحاجة إلى عزلهم عن بيئتهم التعليمية، وذلك من خلال تدخلات بسيطة نسبياً يمكن للمعلمين والأخصائيين تنفيذها بالتعاون المشترك. وهذا يفتح المجال أمام تطوير نماذج تعليمية أكثر شمولية تراعي الفروق الفردية بين الأطفال وتساعدهم على الاندماج بشكل أفضل في البيئة المدرسية.
بالإضافة إلى ذلك، تشير هذه الدراسة إلى أهمية تعزيز التعاون بين الأخصائيين والمعلمين وأولياء الأمور لضمان استمرارية تطبيق استراتيجيات المعالجة الحسية خارج نطاق الجلسات المنظمة داخل الصف. ففعالية التدخل لا تعتمد فقط على البرنامج العلاجي بحد ذاته، بل تتأثر بدرجة تكامل البيئة المحيطة بالطفل وقدرتها على دعم السلوكيات التنظيمية المكتسبة. كما أن تدريب الكادر التعليمي على فهم خصائص اضطرابات المعالجة الحسية يساعد في تحسين الاستجابة السلوكية للأطفال داخل الصف، ويقلل من سوء تفسير بعض السلوكيات على أنها مجرد فرط حركة أو مشكلات سلوكية. ومن الناحية التربوية، فإن إدماج هذه الاستراتيجيات ضمن الأنشطة اليومية يسهم في خلق بيئة تعليمية أكثر استقرارًا وملاءمة لاحتياجات الأطفال المختلفة، مما يعزز فرص التعلم والمشاركة الفعالة لديهم بشكل عام.
المرجع:
Effectiveness of sensory processing strategies on activity level in inclusive preschool classrooms
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3484897/





