ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد صعوبات المعالجة والتكامل الحسي من التحديات الشائعة التي تواجه عددًا من الأطفال، حيث تؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على التفاعل مع البيئة، وتنظيم استجاباتهم الحسية، والمشاركة الفعّالة في الأنشطة اليومية ذات المعنى. وانطلاقًا من هذا الاهتمام، هدفت هذه الدراسة إلى تقديم مراجعة منهجية شاملة للأدلة البحثية التي تناولت فاعلية التدخلات العلاجية القائمة على منهج التكامل الحسي، وتحديد مدى تأثيرها في تحسين أداء الأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة ودمج المعلومات الحسية، مع ربط النتائج بالممارسة المهنية في العلاج الوظيفي.
اعتمدت هذه المراجعة المنهجية على تحليل عدد كبير من الدراسات التي تناولت تدخلات التكامل الحسي، حيث جرى اختيار سبعٍ وعشرين دراسة بحثية خضعت لمعايير محددة من حيث التصميم والمنهجية وجودة التطبيق. وركزت هذه الدراسات على الأطفال الذين تظهر لديهم صعوبات في معالجة المعلومات الحسية وتأثير ذلك على مشاركتهم في الأنشطة اليومية، سواء على المستوى الحركي أو السلوكي أو الاجتماعي أو الأكاديمي. وقد سعت المراجعة إلى تقييم قوة الأدلة المتوفرة، وتحليل النتائج، واستخلاص الاستنتاجات التي يمكن أن تسهم في دعم القرارات السريرية المبنية على الدليل العلمي.
تشير نتائج هذه المراجعة إلى أن التدخلات القائمة على التكامل الحسي قد تسهم في تحقيق نتائج إيجابية في عدة مجالات نمائية ووظيفية لدى الأطفال. فقد لوحظ تحسن ملحوظ في المهارات الحسية الحركية، بما في ذلك التوازن، والتناسق، والتحكم الحركي، إضافة إلى تطور واضح في مهارات التخطيط الحركي، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في قدرة الطفل على تنفيذ الحركات المعقدة وتنظيمها بشكل متسلسل وهادف. ويعكس هذا التحسن قدرة التدخلات الحسية على دعم الجهاز العصبي في معالجة المعلومات الحسية بشكل أكثر تكاملًا وكفاءة.
كما أظهرت النتائج أن للتكامل الحسي دورًا إيجابيًا في تعزيز الجوانب السلوكية والاجتماعية لدى الأطفال. فقد سجلت عدة دراسات تحسنًا في مستوى الانتباه، والقدرة على التنظيم الذاتي، وضبط السلوك، إلى جانب تطور في مهارات التفاعل الاجتماعي والمشاركة مع الآخرين. ويُعزى ذلك إلى أن تحسين معالجة المدخلات الحسية قد يساعد الطفل على الاستجابة للمثيرات البيئية بطريقة أكثر ملاءمة، مما يقلل من السلوكيات غير التكيفية، ويعزز الشعور بالأمان والقدرة على التفاعل الاجتماعي الإيجابي.
وفيما يتعلق بالجوانب الأكاديمية، أظهرت بعض الدراسات أن تدخلات التكامل الحسي قد يكون لها تأثير إيجابي في مهارات القراءة والمهارات المرتبطة بها، مثل الوعي الحركي والبصري، والانتباه المستمر، والتنظيم المكاني. وعلى الرغم من أن هذه النتائج لم تكن متسقة في جميع الدراسات، إلا أنها تشير إلى وجود علاقة محتملة بين تحسين المعالجة الحسية ودعم بعض جوانب التعلم الأكاديمي، خاصة لدى الأطفال الذين تعيقهم الصعوبات الحسية عن الاستفادة الكاملة من الخبرات التعليمية التقليدية.
ومن الجوانب المهمة التي أبرزتها المراجعة أيضًا، تحسن مشاركة الأطفال في أنشطة اللعب النشط، وهو ما يُعد مؤشرًا مهمًا على جودة الأداء الوظيفي والاندماج الاجتماعي. فاللعب النشط لا يسهم فقط في تطوير المهارات الحركية، بل يدعم النمو الاجتماعي والانفعالي، ويعزز الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة. وقد أظهرت النتائج أن الأطفال الذين تلقوا تدخلات تكامل حسي أبدوا قدرة أكبر على الانخراط في اللعب، والمبادرة، والتفاعل مع أقرانهم.
كما تناولت الدراسة أثر التدخلات على تحقيق الأهداف الفردية المصممة لكل طفل، حيث بينت النتائج أن العديد من الأطفال تمكنوا من تحقيق تقدم ملموس في الأهداف العلاجية المحددة بناءً على احتياجاتهم الفردية. ويعكس ذلك أهمية تصميم التدخلات الحسية بطريقة مرنة وشخصية، تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية، والأولويات الوظيفية للطفل وأسرته.
ومن النتائج اللافتة في هذه المراجعة، أن بعض التحسنات التي تحققت نتيجة التدخلات الحسية، خاصة في المهارات الحركية الكبرى، وتقدير الذات، ومهارات القراءة، قد استمرت لفترات زمنية لاحقة بعد انتهاء التدخل، مما يشير إلى إمكانية وجود أثر مستدام للتكامل الحسي على بعض جوانب النمو الوظيفي. إلا أن مدة الاستدامة اختلفت من دراسة لأخرى، مما يستدعي مزيدًا من البحث لفهم العوامل المؤثرة في استمرار هذه المكاسب.
وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، فقد أشارت المراجعة إلى عدد من القيود المنهجية التي قد تؤثر في قوة الاستنتاجات المستخلصة. من أبرز هذه القيود صِغر أحجام العينات في العديد من الدراسات، مما يزيد من احتمالية حدوث أخطاء إحصائية قد تؤدي إلى التقليل من حجم التأثير الحقيقي للتدخلات. كما لوحظ وجود تباين كبير في مدة وكثافة التدخلات المقدمة، إضافة إلى اختلاف درجة الالتزام بمبادئ ومنهجية التكامل الحسي الأصلية، وهو ما قد يؤثر في دقة مقارنة النتائج بين الدراسات.
كذلك أشارت الدراسة إلى أن بعض أدوات القياس المستخدمة قد لا تكون ذات معنى حقيقي للأطفال وأسرهم، أو قد لا تكون حساسة بدرجة كافية لرصد التغيرات الوظيفية الناتجة عن التدخل. وهذا يسلط الضوء على أهمية اختيار مقاييس نتائج ترتبط بشكل مباشر بالأداء اليومي والمشاركة الوظيفية، بدلًا من التركيز فقط على مؤشرات نمائية معزولة قد لا تعكس التحسن الحقيقي في حياة الطفل.
وفي ضوء هذه الملاحظات، أكدت الدراسة على الحاجة الملحّة إلى إجراء مزيد من البحوث المستقبلية التي تتمتع بتصميم منهجي قوي، وتستند إلى إطار نظري واضح، مع الالتزام الصارم بمبادئ التكامل الحسي. كما شددت على أهمية توحيد بروتوكولات التدخل، واستخدام أدوات قياس موثوقة وذات صلة مباشرة باحتياجات الأطفال وأسرهم، من أجل تعزيز قوة الأدلة العلمية ودعم تطبيق هذا النهج في الممارسة المهنية.
وخلاصة القول، تقدم هذه المراجعة المنهجية دعمًا مبدئيًا لفاعلية التدخلات القائمة على التكامل الحسي في تحسين مجموعة من الجوانب الوظيفية والنمائية لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات في المعالجة الحسية. إلا أن هذا الدعم يظل مشروطًا بالحاجة إلى مزيد من الدراسات عالية الجودة التي تسهم في ترسيخ هذا النهج كخيار علاجي قائم على دليل علمي قوي، وقادر على إحداث تغيير ذي معنى في حياة الأطفال وأسرهم.
وبذلك تؤكد هذه الدراسة أهمية تبني نهج التكامل الحسي بحذر مهني، مع الاعتماد على التقييم المستمر والتدخل الفردي المدروس، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج الوظيفية للأطفال وأسرهم.
المرجع:
Systematic Review of the Research Evidence Examining the Effectiveness of Interventions Using a Sensory Integrative Approach for Children
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ





