الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التدخلات المبكرة للأطفال ذوي تأخر اللغة التعبيرية والاستقبالية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعد مرحلة الطفولة المبكرة من أهم الفترات لتطوير اللغة والمهارات التواصلية لدى الأطفال، إذ إن النمو اللغوي في هذه المرحلة يشكّل أساساً مهماً لتعلم القراءة والكتابة، وكذلك للتفاعل الاجتماعي والعاطفي. ومع ذلك، فإن العديد من الأطفال الذين يعانون من تأخر في اللغة التعبيرية أو الاستقبالية يواجهون صعوبات مستمرة في اكتساب المهارات اللغوية الأساسية. على الرغم من المحاولات العديدة لتطبيق تدخلات مبكرة لتحسين القدرات اللغوية لهؤلاء الأطفال، إلا أن النتائج غالباً ما تكون محدودة، ولا تظهر دائماً تحسناً ملموساً في اللغة التعبيرية لديهم.

في هذا السياق، قامت هذه الدراسة بتصميم تجربة عشوائية محكمة تهدف إلى تقييم فعالية تدخل يعتمد على مشاركة الوالدين في تحسين مهارات الأطفال اللغوية، لا سيما أولئك الذين يواجهون خطر تأخر اللغة المستمر. وقد ركز الباحثون على تعليم الوالدين استراتيجيات محددة لتسهيل اللغة لدى أطفالهم، ومتابعة تأثير ذلك على تطور مهارات الأطفال اللغوية، سواء التعبيرية أو الاستقبالية.

طرق البحث

شملت الدراسة 97 طفلاً تتراوح أعمارهم بين عامين و42 شهراً، وكان لديهم مستويات لغة تقل عن المعدل الطبيعي بما لا يقل عن انحراف معياري واحد وثلث تقريباً. من المهم الإشارة إلى أن هؤلاء الأطفال لم يكن لديهم أي تأخرات تطورية أخرى، ما سمح للباحثين بعزل تأثير التدخل على المهارات اللغوية بشكل واضح. تم تقسيم الأطفال بشكل عشوائي إلى مجموعتين: مجموعة تلقت التدخل الذي يقوده الوالدان، وأخرى تلقت الرعاية الاعتيادية دون أي تدخل إضافي.

ركزت الجلسات على تعليم الوالدين كيفية استخدام استراتيجيات تسهيل اللغة بشكل منهجي. وشارك الأطفال وأولياء أمورهم في 28 جلسة، تم فيها تدريب الوالدين على مجموعة متنوعة من الأساليب العملية لتعزيز التفاعل اللغوي، مثل إعطاء الطفل فرصة للرد، والانتقال المتسلسل في المحادثة، وتقنيات التشجيع على استخدام مفردات جديدة. هذه الاستراتيجيات تهدف إلى تحسين جودة التواصل بين الوالدين والطفل، وزيادة فرص ممارسة اللغة بطريقة طبيعية ومرنة.

اعتمد الباحثون على مقياس اللغة الخاص بمرحلة ما قبل المدرسة، الإصدار الرابع، كمؤشر أساسي لقياس النتائج اللغوية للأطفال. هذا المقياس يقدم صورة شاملة لمستوى اللغة التعبيرية والاستقبالية، مما يسمح بتقييم تأثير التدخل على كل جانب من جوانب اللغة. ومن الجدير بالذكر أن قياس النتائج لم يكن أعمى، أي أن الباحثين كانوا على علم بالمجموعة التي ينتمي إليها كل طفل أثناء التقييم، ما قد يؤثر على التقديرات بشكل طفيف لكنه لم يضعف قيمة النتائج الأساسية.

النتائج

أظهرت الدراسة تحسناً واضحاً في استخدام الوالدين لاستراتيجيات تسهيل اللغة. فقد أصبح الوالدان أكثر قدرة على إدارة المحادثات بشكل متتابع، وتشجيع الأطفال على الرد والمشاركة، واستخدام أساليب مبتكرة لتعزيز اكتساب المفردات. هذا التحسن يعكس أن التدريب المنهجي للوالدين يمكن أن يؤدي إلى تغييرات سلوكية ملموسة لديهم في كيفية دعم أطفالهم لغوياً.

أما بالنسبة للأطفال، فقد أظهرت النتائج تحسناً كبيراً في مهاراتهم اللغوية الاستقبالية، أي القدرة على فهم اللغة واستيعاب المفاهيم والكلمات التي يسمعونها. هذا يشير إلى أن مشاركة الوالدين بشكل فعال يمكن أن تسهم في تحسين الفهم اللغوي لدى الأطفال، حتى لو كانت التغيرات في اللغة التعبيرية أقل وضوحاً. في الواقع، لم تُظهر النتائج أي تأثير ملحوظ على القدرات التعبيرية الشاملة للأطفال، وهو ما يتفق مع الدراسات السابقة التي تشير إلى أن تحسين التعبير اللغوي لدى الأطفال يتطلب غالباً وقتاً أطول وتكراراً أكثر للتدخلات.

تشير هذه النتائج إلى أن التدخلات التي يشارك فيها الوالدان يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على كيفية تعلم الطفل للغة من خلال تحسين البيئة اللغوية المحيطة به. بمعنى آخر، قدرة الطفل على فهم اللغة يمكن أن تتحسن بسرعة نسبياً عندما يكون هناك دعم منهجي ومتواصل من قبل الوالدين، بينما التعبير عن اللغة يتطلب المزيد من التدريب والممارسة المستمرة، وربما تدخلات إضافية أكثر تخصصاً.

الدلالات العملية

تقدم هذه الدراسة دليلاً أولياً على أن تعليم الوالدين استراتيجيات تسهيل اللغة بشكل منهجي يمكن أن يحدث فرقاً في تطور مهارات الأطفال اللغوية، خصوصاً في فهم اللغة. يمكن للممارسين استخدام هذه النتائج لتصميم برامج تدريبية أكثر فاعلية لأولياء الأمور، تركز على تعليم مهارات محددة تعزز قدرة الطفل على الاستيعاب والتفاعل اللغوي.

إحدى النقاط المهمة التي تبرزها الدراسة هي الحاجة إلى تحديد الجرعات المثلى من التدخل، أي عدد الجلسات وطولها والتكرار الذي يضمن أفضل النتائج للأطفال. من المرجح أن تختلف الجرعة المثلى باختلاف مستوى تأخر اللغة لدى الأطفال وخصائص البيئة الأسرية، لذلك فإن الأبحاث المستقبلية يجب أن تركز على هذه الجوانب لتقديم توصيات أكثر دقة.

بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسة إلى أهمية تحليل أي استراتيجيات تسهيل للغة بشكل فردي لتحديد أيها يرتبط بتحسين مهارات محددة لدى الأطفال. فقد يكون بعض الأساليب أكثر فاعلية في تعزيز الفهم اللغوي، بينما يساهم آخر في تنمية التعبير اللغوي. تحديد العلاقة بين كل استراتيجية والنتائج المرتبطة بها يمكن أن يساعد في تخصيص التدخلات لتلبية احتياجات كل طفل على نحو أفضل.

أهمية الاعتبارات الثقافية واللغوية

كما توضح الدراسة حاجة الباحثين والممارسين إلى تطوير تدخلات تأخذ في الاعتبار الخلفيات الثقافية واللغوية المتنوعة للأسر. فعلى الرغم من أن استراتيجيات تسهيل اللغة قد تكون فعالة في سياقات معينة، فإنها قد تحتاج إلى تعديل لتكون مناسبة وملائمة لأسر مختلفة ثقافياً أو لغوياً. هذا يشمل تعديل اللغة المستخدمة في التدخل، وأسلوب التواصل مع الوالدين، وكذلك نوع الأمثلة والأنشطة المقدمة للأطفال.

تؤكد هذه النتائج أيضاً على الدور المحوري للوالدين في التعلم المبكر للغة. فالطفل الذي يتلقى دعماً منهجياً ومستمرًا في بيئته المنزلية يحصل على فرص أكثر لممارسة اللغة، مما يعزز تطوره الاستقبالي والتعبيري على المدى الطويل.

خاتمة

ختاماً، تقدم هذه الدراسة رؤى مهمة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الوالدان في تعزيز اللغة لدى الأطفال ذوي تأخر اللغة التعبيرية والاستقبالية. على الرغم من أن التحسن الأكبر كان في مهارات الفهم اللغوي، إلا أن النتائج تؤكد أن التدخل المنهجي الذي يركز على تعليم الوالدين استراتيجيات تسهيل اللغة يمثل خطوة واعدة نحو دعم تطور اللغة للأطفال.

تشير الدراسة إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد أفضل الأساليب لتعليم الوالدين، والجرعات المثلى للتدخل، وربط الاستراتيجيات المستخدمة بنتائج لغوية محددة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تركز الأبحاث المستقبلية على تطوير برامج مرنة يمكن تطبيقها في سياقات ثقافية ولغوية متنوعة، لضمان وصول الدعم إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال المحتاجين.

في النهاية، تؤكد الدراسة على أهمية التعاون بين الوالدين والممارسين المتخصصين في الطفولة المبكرة، حيث أن الدعم المنهجي والمستمر من الوالدين يشكل أحد العوامل الأساسية في تحسين مهارات اللغة لدى الأطفال في المراحل الحرجة من نموهم. إن هذه النتائج تقدم أساساً صلباً لتصميم برامج تدخل أسرية أكثر فعالية، تركز على تعزيز القدرات الاستقبالية والتعبيرية للأطفال، مع مراعاة الفروق الفردية والبيئات الثقافية المتنوعة.

المرجع:

Early Intervention for Toddlers With Language Delays: A Randomized Controlled Trial

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4379460/?utm_source=chatgpt.com