ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعدّ صعوبات التعلّم من أكثر القضايا انتشارًا في البيئات التعليمية، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال يواجهون تحديات في التعلّم والانتباه يمكن تصنيفها ضمن إطار صعوبات التعلّم. هذه الصعوبات لا تعكس بالضرورة ضعفًا في الذكاء أو نقصًا في القدرات العقلية، بل ترتبط باضطرابات محددة في العمليات النفسية الأساسية المسؤولة عن استقبال المعلومات ومعالجتها واستخدامها. وعلى الرغم من أن الأرقام المتداولة حول انتشار هذه الصعوبات قد تبدو مرتفعة، فإن الواقع يشير إلى أنها غالبًا أقل من الحقيقة، إذ إن بعض الفئات، خصوصًا من الأقليات العرقية أو الثقافية، لا يتم تشخيصها أو التعرف على احتياجاتها التعليمية بالشكل الكافي مقارنة بغيرها.
تعرّف الأنظمة التعليمية صعوبات التعلّم على أنها اضطرابات تؤثر في واحدة أو أكثر من العمليات النفسية الأساسية المرتبطة بفهم اللغة أو استخدامها، سواء كانت لغة منطوقة أو مكتوبة. وقد تظهر هذه الاضطرابات في شكل صعوبات في الاستماع، أو التفكير، أو التحدث، أو القراءة، أو الكتابة، أو التهجئة، أو إجراء العمليات الحسابية. وتعود هذه الصعوبات غالبًا إلى عوامل وراثية أو عصبية تؤثر في طريقة عمل الدماغ، وليس إلى الحرمان البيئي أو ضعف فرص التعليم. وتشمل هذه الفئة حالات مثل عسر القراءة وبعض إصابات الدماغ، في حين تُستبعد منها الإعاقات العقلية أو الاضطرابات النفسية. ومن الشروط الأساسية لتشخيص صعوبات التعلّم أن يكون مستوى الذكاء في الحدود الطبيعية أو أعلى من المتوسط.
ومن بين أنواع صعوبات التعلّم، تُعد صعوبات القراءة من أكثرها شيوعًا وتأثيرًا. فعدد كبير من الطلاب يواجهون مشكلات حقيقية في تعلّم القراءة، حتى وإن لم يحصلوا جميعًا على تشخيص رسمي. ويُستخدم مصطلح “صعوبة القراءة” كمفهوم شامل يضم مجموعة متنوعة من الاضطرابات، مثل صعوبة التعرّف على الكلمات، أو ضعف القدرة على نطقها، أو القصور في فهم النصوص المكتوبة. وبذلك، لا تقتصر مشكلات القراءة على فك الرموز فقط، بل تمتد لتشمل الفهم والاستيعاب وربط المعاني.
إن الآثار المترتبة على صعوبات القراءة لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية. فالطلاب الذين يعجزون عن تحقيق أولى إنجازاتهم الأكاديمية، وهي القراءة، يصبحون أكثر عرضة لمخاطر طويلة المدى، مثل التسرب المدرسي، والمشكلات النفسية كالاكتئاب والقلق، وتدني مفهوم الذات، وقد تصل هذه الآثار في بعض الحالات إلى مشكلات سلوكية واجتماعية خطيرة. وعلى مستوى المجتمع، تمثل هذه التحديات عبئًا اقتصاديًا كبيرًا، إذ تتطلب موارد إضافية في مجالات التعليم الخاص، والرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، مما يفرض أعباءً على الأنظمة العامة والخدمات الممولة من الدولة.
ولهذا، تبرز أهمية الكشف المبكر عن صعوبات القراءة والتدخل العلاجي في مراحل مبكرة من عمر الطفل. فالتشخيص المبكر والتدخل الفعّال يسهمان في تقليل الحاجة إلى الخدمات المكلفة لاحقًا، ويمنحان الطالب فرصة أفضل للتكيّف الأكاديمي والنفسي. ومن هنا، تأتي أهمية البحث العلمي في مجال القراءة وصعوباتها، بهدف تطوير استراتيجيات تعليمية وعلاجية فعّالة تحد من الآثار السلبية لهذه الاضطرابات على الفرد والمجتمع.
بعد عقود من البحث، أصبح فهم عمليات القراءة وصعوباتها أكثر وضوحًا. ومن أبرز النماذج النظرية التي ساهمت في تفسير القراءة نموذج “الرؤية البسيطة للقراءة”، الذي ينظر إلى القراءة على أنها نتاج عمليتين أساسيتين مترابطتين: التعرّف على الكلمات، وفهم اللغة. ويفترض هذا النموذج أن القدرة على القراءة لا تتحقق إلا بوجود هاتين العمليتين معًا؛ فإذا اختلّت إحداهما، تعثرت عملية القراءة بأكملها. فالتعرّف على الكلمات يشير إلى القدرة على قراءة الكلمات بدقة وسرعة، بينما يتعلق فهم اللغة بالقدرة على استيعاب المعاني وربطها بالسياق.
وقد خضع هذا النموذج لتطويرات لاحقة وسّعت من مفاهيمه، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على “فك الرموز”، بل شمل “التعرّف على الكلمات” بوصفه عملية أكثر تعقيدًا، كما تم توسيع مفهوم “فهم الاستماع” ليشمل “فهم اللغة” بشكل عام. وقد دعمت العديد من الدراسات المعرفية والعصبية هذا النموذج، مؤكدة أن القراءة عملية متعددة المستويات تتداخل فيها المهارات اللغوية والمعرفية والعصبية.
ومن أكثر أنماط صعوبات القراءة شيوعًا ما يُعرف بعسر القراءة، وهو اضطراب تعلّمي محدد ذو أصل عصبي، يتميز بصعوبات في دقة القراءة أو طلاقتها، إضافة إلى مشكلات في التهجئة وفك الرموز المكتوبة. ويظهر هذا الاضطراب رغم توفر الذكاء المتوسط أو المرتفع، ورغم تلقي تعليم مناسب. ويُصنف عسر القراءة ضمن اضطرابات التعلّم المحددة التي تتركز في جانب القراءة، خصوصًا في سرعة القراءة ودقتها وسلاستها.
وتشير الأبحاث إلى أن جوهر عسر القراءة لا يكمن في الحروف ذاتها، بل في ضعف الوعي الصوتي، أي القدرة الواعية على تمييز أصوات اللغة والتعامل معها. فالأفراد الذين يعانون من ضعف في تحليل الأصوات يجدون صعوبة في ربط هذه الأصوات بالحروف المقابلة لها، مما يؤدي إلى تعثرهم في قراءة الكلمات الجديدة أو غير المألوفة. ومع استمرار هذه الصعوبات، تتأثر الطلاقة القرائية والفهم العام للنص، ما يعمّق الفجوة الأكاديمية بينهم وبين أقرانهم.
وفي المحصلة، توضح هذه الدراسات أن صعوبات القراءة ليست مجرد مشكلة تعليمية سطحية، بل هي قضية معرفية وعصبية معقدة تتطلب فهمًا عميقًا وتدخلًا منهجيًا مبكرًا. كما تؤكد أن الاستثمار في البحث والتشخيص والتدخل المبكر ليس فقط دعمًا للفرد، بل هو استثمار طويل الأمد في صحة المجتمع وتقدمه.
وتؤكد الأدبيات الحديثة أن التعامل مع صعوبات القراءة يجب أن يكون شاملاً، لا يقتصر على تدريب الطالب على المهارات الأكاديمية فقط، بل يمتد ليشمل الجوانب النفسية والانفعالية. فالطالب الذي يواجه إخفاقات متكررة في القراءة قد يكوّن صورة سلبية عن ذاته وقدراته، مما ينعكس على دافعيته للتعلم وتفاعله داخل الصف. لذلك، تُعد البيئة التعليمية الداعمة، التي تراعي الفروق الفردية وتقدّم استراتيجيات تدريس متمايزة، عنصرًا أساسيًا في نجاح التدخلات العلاجية.
كما تشير الأبحاث إلى أهمية تدريب المعلمين على التعرف المبكر على مؤشرات صعوبات القراءة، واستخدام أدوات تقييم دقيقة تساعد في التمييز بين التأخر القرائي العابر وصعوبات القراءة المستمرة. ويُعد التعاون بين الأسرة والمدرسة والاختصاصيين النفسيين والتربويين عاملًا حاسمًا في تحسين نتائج التدخل، إذ يسهم هذا التكامل في توفير دعم مستمر ومتسق للطالب داخل المدرسة وخارجها. وفي ضوء ذلك، يصبح التركيز على الوقاية والكشف المبكر والتدخل القائم على الأدلة العلمية خطوة جوهرية للحد من الآثار السلبية طويلة المدى لصعوبات القراءة.
المرجع:
Cognitive Processes, Neuroscience,
and Learning Disabilities
https://www.guilford.com/excerpts/okolo_ch5.pdf?t=1





