الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الكورتيزول والسلوكيات النمطية واضطراب طيف التوحد لدى ذوي الإعاقة الذهنية الشديدة

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين السلوكيات النمطية، ومستويات الكورتيزول في الدم، ووجود اضطراب طيف التوحد (ASD) لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية الشديدة (ID). تُعد السلوكيات النمطية أحد المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد، لكنها شائعة أيضًا بين الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. أظهرت الدراسات السابقة نتائج متباينة؛ فبعضها أشار إلى وجود علاقة إيجابية بين السلوكيات النمطية والكورتيزول، بينما أظهرت أخرى علاقة سلبية.

لقد افترض الباحثون أن وجود اضطراب طيف التوحد قد يكون أحد العوامل المؤثرة على هذه العلاقة المتباينة، وقاموا باختبار الفرضيتين التاليتين:

  1. ارتفاع مستويات السلوكيات النمطية يرتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول في الدم.
  2. وجود اضطراب طيف التوحد يُعدل العلاقة بين السلوكيات النمطية وارتفاع مستويات الكورتيزول.

أظهرت نتائج الدراسة دعم كلتا الفرضيتين، كما تبين أن مستويات الكورتيزول لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية كانت أقل بشكل ملحوظ في المجموعة المصابة باضطراب طيف التوحد مقارنة بالمجموعة غير المصابة. وتشير هذه النتائج إلى أن نظام الاستجابة للإجهاد قد يعمل بشكل مختلف لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية مع أو بدون اضطراب طيف التوحد مقارنة بالسكان العاديين.

المقدمة
تُعرف السلوكيات النمطية بأنها حركات أو أصوات متكررة بلا وظيفة واضحة، مثل: اهتزاز الجسم، رفرفة اليدين، الأصوات المتكررة، دوران الجسم، وضرب الأشياء. تُعتبر السلوكيات النمطية معيارًا تشخيصيًا أساسيًا لاضطراب طيف التوحد، لكنها موجودة أيضًا لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. ومع ذلك، فإن شدة السلوكيات النمطية أعلى عادة لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد مقارنة بالأطفال ذوي الإعاقة الذهنية فقط.

تؤثر السلوكيات النمطية على الحياة اليومية للفرد بشكل كبير، كما قد تكون مدفوعة بمحفزات داخلية أكثر من الخارجية، مما يجعل تقييمها صعبًا ويشكل تحديًا للأسر والمختصين في إدارة هذه السلوكيات وتحقيق التعلم التكيفي. وعلى الرغم من أهميتها، آلياتها العصبية الدقيقة غير مفهومة بشكل كامل.

أحد الآليات العصبية المهمة المتعلقة بالسلوكيات النمطية هو إنتاج الكورتيزول، وهو هرمون الإجهاد الذي يُفرز عند مواجهة الشخص للضغوط ويعكس نشاط محور الغدة النخامية–الغدة الكظرية (HPA). الدراسات السابقة لم تربط بشكل قاطع بين السلوكيات النمطية والكورتيزول، حيث أظهرت بعض الدراسات الحيوانية علاقة إيجابية بينهما، بينما الدراسات البشرية أظهرت نتائج متباينة.

تختلف النتائج بحسب عدة متغيرات، مثل: الوقت من اليوم، البيئة، مصدر العينة (دم، لعاب، إلخ)، تباين المشاركين، وطريقة التقييم. ولتقليل تأثير هذه المتغيرات، تم استخدام أساليب مثل قياس المساحة تحت منحنى الكورتيزول أو الملاحظة المباشرة فقط، لكن النتائج ظلت غير متسقة، مما يشير إلى وجود متغيرات أخرى لم تُؤخذ بعين الاعتبار.

اقترحت بعض الدراسات أن وجود اضطراب طيف التوحد نفسه قد يكون متغيرًا مؤثرًا. فعلى سبيل المثال، يُعرف أن النشاط البدني يقلل من السلوكيات النمطية دون التأثير على سلوكيات أخرى، بينما النشاط البدني يقلل الكورتيزول، والسلوكيات النمطية قد تزيد الكورتيزول. لذا يمكن اعتبار اضطراب طيف التوحد متغيرًا وسيطًا في العلاقة بين السلوكيات النمطية والكورتيزول.

كما يمكن للسلوكيات النمطية أن تعمل كآلية للتكيف مع التوتر لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد، إذ أظهرت الدراسات أن هذه السلوكيات قد تقلل من مستويات التوتر والتحفيز الناتج عن المنبهات الحسية الزائدة، وتمنح الشخص شعورًا بالأمان والتركيز.

تهدف هذه الدراسة إلى قياس مستويات الكورتيزول في الدم لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية الشديدة والمشخّصين أو غير المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وتحديد العلاقة بين السلوكيات النمطية والكورتيزول، مع مراعاة تأثير وجود اضطراب طيف التوحد.

طرق البحث والمواد المستخدمة

تصميم الدراسة والموقع
أُجريت الدراسة وفق معايير STROBE، وحصلت على موافقة مجلس الأخلاقيات في مركز هيزين للأمراض النفسية. وقد تم الالتزام بإرشادات وزارة الصحة والعمل والرفاهية اليابانية فيما يخص الدراسات السريرية.

المشاركون
شارك 84 مريضًا (16–60 سنة) مقيمين في جناح خاص للإعاقة الذهنية الشديدة. جميع المشاركين كانوا ذوي إعاقة ذهنية شديدة أو عميقة، وكان معظمهم IQ ≤35. تم تشخيص 56 مشاركًا أيضًا باضطراب طيف التوحد، و36 مشاركًا مصابين بالصرع. لم يكن لدى المشاركين أي اضطرابات نفسية مصاحبة واضحة، وتم تأكيد التشخيص بواسطة طبيب نفسي للأطفال باستخدام مقياس تقييم اضطراب طيف التوحد للأطفال – النسخة اليابانية (CARS-TV). نظرًا لشدة الإعاقة الذهنية، لم يتمكن المشاركون من تقديم موافقة مستنيرة، لذا تم الحصول على موافقة خطية من الأوصياء القانونيين.

اختبارات التقييم

  • مستوى الذكاء والتطور العقلي: تم استخدام مقياس تانكا-بينيه الخامس للذكاء ومقياس إنجوجي للتطور التحليلي للأطفال، لتقييم مستوى الذكاء والنمو التطوري.
  • السلوكيات النمطية: تم تقييمها باستخدام نسخة ABC اليابانية (ABC-J)، والتي تتضمن 58 بندًا موزعة على خمس مقاييس فرعية: التهيج، الخمول، السلوك النمطي، النشاط المفرط، والكلام غير المناسب. تم التركيز على مقياس السلوك النمطي في هذه الدراسة.

قياس الكورتيزول
تم جمع عينات الدم بين الساعة 13:00–14:00 على مدى أسبوعين، بعد ساعة من تناول الوجبة، وقبل العلاج الوظيفي واللعب العلاجي، لضمان تقليل تأثير المحفزات الخارجية. تم تخزين العينات عند -80° حتى تحليلها باستخدام مجموعة اختبار إنزيمي للكورتيزول، وكانت نسبة التباين بين الاختبارات 13.6% وضمن الاختبار 7.0%.

تحليل البيانات
استخدم برنامج SPSS 23 للتحليل الإحصائي. تم فحص الفروق في الجنس، العمر، مستويات الكورتيزول، والسلوكيات النمطية بين مجموعات ASD وغير ASD. استخدم اختبار χ² للجنس، واختبارات t وMann–Whitney لتقييم الفروق بين المجموعات. كما تم استخدام الانحدار المتعدد الهرمي لاختبار الفرضيات، مع مراعاة تأثير الجنس والعمر، ووجود ASD، والسلوكيات النمطية، بالإضافة إلى تفاعل ASD × السلوكيات النمطية.

النتائج

التحليل الأساسي

  • أظهرت النتائج وجود تحيز جنساني في مجموعة ASD، حيث كان الذكور أكثر من الإناث.
  • كانت مستويات العمر والكورتيزول أعلى في مجموعة غير ASD مقارنة بمجموعة ASD.
  • كانت السلوكيات النمطية أعلى بشكل ملحوظ في مجموعة ASD.

العلاقات بين المتغيرات

  • ارتباط إيجابي بين تشخيص ASD ودرجات السلوكيات النمطية.
  • ارتباط سلبي بين ASD والكورتيزول، أي أن وجود ASD مرتبط بانخفاض الكورتيزول.
  • لم يكن هناك ارتباط مباشر بين الكورتيزول والسلوكيات النمطية عند النظر لجميع المشاركين معًا.

اختبار الفرضيات

  • الفرضية 1: تم دعمها، حيث أن ارتفاع السلوكيات النمطية ارتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول في مجموعة غير ASD.
  • الفرضية 2: تم دعمها أيضًا، إذ تبين أن وجود ASD يعدل تأثير السلوكيات النمطية على الكورتيزول. في مجموعة ASD، لم يكن للسلوكيات النمطية تأثير كبير على مستويات الكورتيزول، مما يشير إلى أن هذه السلوكيات قد تعمل كآلية تكيّف وتقليل التوتر.

المناقشة
الدراسة توضح أن العلاقة بين السلوكيات النمطية والكورتيزول تختلف بين الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية حسب وجود ASD.

تفسير النتائج:

  1. اختلال محور HPA: الأشخاص المصابون باضطراب طيف التوحد قد يعانون من خلل في تنظيم الكورتيزول، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات الكورتيزول عند وجود سلوكيات نمطية عالية.
  2. فرضية التنظيم الذاتي (Coping): السلوكيات النمطية تعمل كآلية للتكيف مع التوتر والإحساس بالأمان، مما يقلل من ارتفاع الكورتيزول مقارنة بأولئك ذوي الإعاقة الذهنية فقط.

تشير النتائج إلى أن نظام الاستجابة للتوتر لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية والمشخّصين باضطراب طيف التوحد يختلف عن الأشخاص العاديين، وأن السلوكيات النمطية قد تلعب دورًا مهمًا في إدارة التوتر.

القيود

  • لم تُستخدم أدوات تشخيصية مثل ADOS-2 أو ADI-R بسبب صعوبة استخدام هذه الأدوات مع المشاركين ذوي الإعاقة الشديدة.
  • جمع عينات الدم تم ضمن الفحوصات الروتينية، ما يجعل المقارنة مع الدراسات السابقة محدودة.
  • المشاركون كانوا جميعًا مقيمين، مما قد يؤثر على مستويات التوتر والكورتيزول.
  • تأثير أمراض مثل الصرع أو استخدام الأدوية النفسية لم يُدرس بشكل كافٍ.

الاستنتاجات

  • ارتفاع السلوكيات النمطية يرتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية غير المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
  • وجود ASD يعدل العلاقة بين السلوكيات النمطية والكورتيزول، بحيث لا يكون هناك تأثير واضح للسلوكيات النمطية على الكورتيزول لدى المشخّصين بـ ASD.
  • مستويات الكورتيزول كانت أقل بشكل ملحوظ في مجموعة ASD مقارنة بمجموعة غير ASD.

تشير هذه النتائج إلى أن السلوكيات النمطية قد تكون آلية تكيفية لتقليل التوتر لدى الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وأن نظام الاستجابة للإجهاد يختلف لديهم عن الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية فقط أو السكان العاديين.

توافر البيانات
البيانات المستخدمة في هذه الدراسة يمكن الحصول عليها من الباحث الرئيسي عند الطلب المعقول.

المرجع

Relationship between serum cortisol levels, stereotypies, and the presence of autism spectrum disorder in patients with severe intellectual disability 

https://www.nature.com/articles/s41598-024-57459-3