الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

هل يمكن للمعالج النفسي المساعدة في علاج اضطرابات الأكل؟

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

دليل شامل لفهم دور العلاج النفسي في التعافي واستعادة العلاقة الصحية مع الطعام

تُعد اضطرابات الأكل من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وتأثيرًا على حياة الأفراد، إذ لا تقتصر آثارها على السلوك الغذائي فحسب، بل تمتد لتشمل الأفكار والمشاعر وصورة الذات والقدرة على التكيف مع الحياة اليومية. وإذا كنت أنت أو أحد الأشخاص الذين تهتم بهم يعاني من اضطراب في الأكل، فمن الطبيعي أن يتبادر إلى ذهنك سؤال مهم:
هل يمكن للمعالج النفسي أن يساعد حقًا في علاج اضطرابات الأكل؟

الإجابة هي: نعم، وبقوة.
فالعلاج النفسي يُعد أحد أهم الركائز الأساسية في رحلة التعافي، بل إنه غالبًا ما يكون العامل الحاسم في فهم أسباب الاضطراب وتغيير أنماطه واستعادة التوازن النفسي والجسدي.

في هذا المقال، سنستعرض بشكل متكامل دور العلاج النفسي في علاج اضطرابات الأكل، وأهم الأساليب العلاجية المستخدمة، وكيف يمكن للمعالج النفسي دعم عملية التعافي، بالإضافة إلى المعايير الأساسية لاختيار المعالج المناسب، وأهمية التدخل المبكر في تحقيق نتائج طويلة الأمد.

أولًا: دور العلاج النفسي في التعافي من اضطرابات الأكل

المعالجون النفسيون المتخصصون في اضطرابات الأكل يشكلون جزءًا أساسيًا من فريق علاجي متعدد التخصصات، يضم عادةً أطباء، وأخصائيي تغذية، ومعالجين نفسيين. ويهدف هذا الفريق إلى تقديم علاج متكامل يعالج الجوانب النفسية والجسدية والسلوكية للاضطراب.

تشير مصادر طبية موثوقة، مثل Mayo Clinic، إلى أن العلاج النفسي (العلاج بالكلام) يُعد من أهم عناصر علاج اضطرابات الأكل، حيث يساعد على:

  • فهم أنماط الأكل غير الصحية.

  • استبدال العادات السلبية بسلوكيات إيجابية.

  • تطوير مهارات التكيف مع الضغوط.

  • تحسين المزاج والصحة النفسية العامة.

  • معالجة الأفكار المشوهة المتعلقة بالجسم والطعام.

العلاج النفسي لا يركز فقط على «ما يأكله الشخص»، بل يتعمق في الأسباب النفسية والعاطفية التي تقف وراء السلوك الغذائي المضطرب، مما يجعله عنصرًا لا غنى عنه في رحلة التعافي.

ثانيًا: كيف يساعد العلاج النفسي في التعافي من الشره المرضي العصبي (Bulimia Nervosa)

الشره المرضي العصبي هو أحد اضطرابات الأكل التي تتميز بنوبات متكررة من الإفراط في تناول الطعام، يليها سلوك تعويضي غير صحي مثل التقيؤ المتعمد أو استخدام الملينات أو ممارسة الرياضة بشكل مفرط.

في حالات الشره المرضي العصبي، يعتمد العلاج النفسي غالبًا على أحد أشكال العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، وهو نموذج علاجي يركز على:

  • تعديل الأفكار المشوهة المتعلقة بالوزن والشكل.

  • تقليل نوبات الإفراط في الأكل والتطهير.

  • تعزيز السلوكيات الغذائية الصحية.

  • تقوية تقدير الذات وتقليل النقد الذاتي.

  • تطوير استراتيجيات فعالة للتحكم في المشاعر.

كما يركز العلاج على تطبيع السلوك الغذائي ومساعدة الشخص على بناء علاقة متوازنة مع الطعام بعيدًا عن الشعور بالذنب أو الخوف.

نظرًا لما يحمله الشره المرضي العصبي من مخاطر صحية ونفسية خطيرة، غالبًا ما يتم الجمع بين العلاج النفسي والرعاية الطبية والتغذوية لتحقيق أفضل النتائج العلاجية الممكنة.

ثالثًا: اضطراب نوبات الأكل الشره (Binge Eating Disorder) ودور المعالج النفسي

يتميز اضطراب نوبات الأكل الشره بتناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة قصيرة مع الشعور بفقدان السيطرة، دون اللجوء إلى سلوكيات تعويضية مثل التقيؤ.

في هذه الحالات، يساعد المعالج النفسي على:

  • اكتشاف المحفزات العاطفية والسلوكية لنوبات الأكل الشره.

  • فهم العلاقة بين المشاعر والطعام.

  • كسر دائرة الشعور بالذنب والخجل المرتبطة بالأكل.

  • تطوير مهارات التكيف مع الضغوط النفسية.

  • بناء استراتيجيات بديلة للتعامل مع المشاعر السلبية.

تشير الدراسات إلى أن العلاج المعرفي السلوكي والعلاجات السلوكية الأخرى تُعد من أكثر الأساليب فعالية في علاج أعراض اضطراب نوبات الأكل الشره.

ومن المهم عند البحث عن معالج متخصص في هذا النوع من الاضطرابات اختيار معالج لديه خبرة محددة في اضطراب نوبات الأكل الشره، لأن طبيعة المحفزات والدوافع تختلف عن اضطرابات الأكل الأخرى، رغم وجود تشابه في بعض الأنماط العصبية والسلوكية.



رابعًا: العلاج الشامل لاضطرابات الأكل (Holistic Treatment)

تتبنى العديد من النماذج العلاجية الحديثة نهجًا شموليًا في علاج اضطرابات الأكل، حيث يتم التعامل مع الإنسان ككل، وليس فقط مع أعراض الاضطراب.

يشمل العلاج الشامل معالجة الجوانب التالية:

  • الصدمات النفسية (Trauma).

  • صورة الجسد وتقدير الذات.

  • التثقيف الغذائي.

  • النشاط البدني الصحي.

  • إدارة الضغوط النفسية.

  • اليقظة الذهنية (Mindfulness).

  • التوازن بين العقل والجسد.

يعترف هذا النهج بأن السلوك الغذائي وصورة الجسد وأساليب التكيف العاطفي مترابطة بشكل وثيق، وأن العلاج الفعال يجب أن يعالج هذه الجوانب مجتمعة لتحقيق تعافٍ حقيقي ومستدام.

خامسًا: العلاج النفسي لمشكلات صورة الجسد

تُعد مشكلات صورة الجسد من أكثر العوامل المصاحبة لاضطرابات الأكل، وتشمل:

  • تشوه إدراك شكل الجسم.

  • الشعور بالخجل من الجسد.

  • الفحص القهري للمظهر.

  • تجنب المرايا أو المواقف الاجتماعية.

يساعد العلاج النفسي في:

  • تغيير الطريقة التي يرى بها الشخص جسده.

  • تقليل مشاعر الخجل والعار.

  • تعزيز القبول الذاتي.

  • الحد من تأثير صورة الجسد على المزاج والسلوك.

تُستخدم تقنيات علاجية متنوعة، مثل التعرض للمرايا ضمن إطار العلاج المعرفي السلوكي، وقد أثبتت فعاليتها في تحسين الرضا عن صورة الجسد لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

وفي الحالات التي تتداخل فيها أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم (BDD)، قد يتطلب الأمر تدخلًا علاجيًا متخصصًا باستخدام نماذج علاجية متقدمة.

سادسًا: كيف يساعد المعالج النفسي في التعامل مع الأكل العاطفي والضغوط النفسية

الأكل الناتج عن التوتر أو المشاعر السلبية يُعد أحد العوامل الرئيسية في اضطرابات الأكل، كما يمكن أن يكون سببًا في استمرارها.

يساعد المعالج النفسي على:

  • تحديد المواقف والمشاعر التي تؤدي إلى الأكل العاطفي.

  • فهم العلاقة بين المشاعر والسلوك الغذائي.

  • تطوير مهارات جديدة للتعامل مع الضغوط، مثل:

    • اليقظة الذهنية.

    • التعاطف مع الذات.

    • التخطيط الغذائي المنظم.

    • تبني سلوكيات بديلة صحية.

التركيز على الجانب العاطفي يُعد عنصرًا أساسيًا في العلاج، لأن معالجة السلوك الغذائي دون فهم جذوره النفسية غالبًا ما يؤدي إلى نتائج مؤقتة وغير مستدامة.

سابعًا: كيف تختار المعالج النفسي المناسب لعلاج اضطرابات الأكل؟

اختيار المعالج المناسب يُعد خطوة حاسمة في رحلة التعافي. ومن أهم النقاط التي ينبغي مراعاتها:

  1. التأكد من أن المعالج لديه تدريب متخصص في علاج اضطرابات الأكل.

  2. استخدام أساليب علاجية قائمة على الأدلة العلمية، مثل:

    • العلاج المعرفي السلوكي (CBT).

    • العلاج الجدلي السلوكي (DBT).

    • العلاج الأسري.

  3. التأكد من أن العلاج يشمل العمل على صورة الجسد وليس فقط السلوك الغذائي.

  4. التنسيق مع مختصين في التغذية والرعاية الطبية.

  5. الالتزام بالعلاج طويل الأمد، لأن الاستمرارية عامل أساسي في التعافي.

البحث عن معالج قد يكون خطوة صعبة أو مربكة، لكن الاستثمار في اختيار المعالج المناسب يُعد خطوة جوهرية نحو التعافي الحقيقي.

ثامنًا: العلاج النفسي لاضطرابات الأكل… طريقك نحو التعافي ممكن

إذا كنت تعاني من اضطراب في الأكل، فمن المهم أن تعلم أنك لست وحدك، وأن ما تمر به ليس خطأك، وأن التعافي ممكن.

العلاج النفسي يساعدك على:

  • فهم الأسباب العميقة للسلوك الغذائي المضطرب.

  • تطوير مهارات تنظيم المشاعر.

  • مواجهة الأفكار السلبية عن الذات والجسد.

  • بناء علاقة صحية مع الطعام.

  • تعزيز المرونة النفسية والقدرة على التكيف.

مع الدعم الصحيح من معالج نفسي مؤهل وفريق علاجي متكامل، يمكنك الانتقال من مرحلة المعاناة إلى مرحلة التعافي، واستعادة التوازن النفسي والجسدي، والعيش بحرية بعيدًا عن سيطرة اضطرابات الأكل.

رسالة أمل ودعوة لاتخاذ الخطوة الأولى

على مدار عقود طويلة، ساعدت برامج العلاج النفسي آلاف الأشخاص على تجاوز اضطرابات الأكل واستعادة حياتهم. والخطوة الأولى تبدأ دائمًا بالاعتراف بالحاجة إلى الدعم وطلب المساعدة.

التعافي ليس رحلة سهلة، لكنه ممكن. ومع المعالج المناسب، والدعم الصحيح، والإرادة الشخصية، يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتك قائمة على التوازن والصحة النفسية والثقة بالنفس.

إذا كنت تبحث عن دعم متخصص، فإن التواصل مع معالج نفسي مؤهل قد يكون بداية التغيير الحقيقي في حياتك.

المرجع 

Can a therapist help with eating disorders

https://acp-mn.com/about-acp/blog/can-a-therapist-help-with-eating-disorders/