ترجمة: أ. سما خالد
يمثّل الاحتراق الوظيفي ظاهرة نفسية معقدة تنتج عن التعرّض المستمر لمستويات عالية من الضغوط والمهام المتكررة التي تفوق القدرة على التحمّل، ولا يقتصر تأثيره على الموظفين في البيئات المهنية التقليدية فحسب، بل يمكن أن يظهر أيضًا لدى ذوي اضطراب طيف التوحد في سياقات متعددة، تشمل التعليم، العمل، وحتى أثناء ممارسة الأنشطة اليومية التي تتطلب مجهودًا معرفيًا أو اجتماعيًا مستمرًا. يُعرف هذا النوع من الاحتراق أحيانًا بـ”الاحتراق العصبي المرتبط بالتوحد” (Autistic Burnout)، وهو يختلف من حيث طبيعته ومسبباته وتبعاته عن الاحتراق الذي قد يُصيب الأفراد غير المشخصين بالتوحد.
ذوو اضطراب طيف التوحد يواجهون في العادة متطلبات بيئية تفوق أحيانًا قدراتهم على التكيّف، وخصوصًا في البيئات التي لا توفر لهم الدعم المناسب. التوقعات الاجتماعية، والمتطلبات الحسية، والضغوط اللغوية والتواصلية، كلها تشكل عبئًا مزمنًا يسهم تدريجيًا في استنزاف الطاقة النفسية والعصبية. ومع مرور الوقت، تبدأ آثار هذا الاستنزاف بالظهور على شكل إرهاق دائم، فقدان للرغبة في الانخراط، انخفاض في الأداء، اضطراب في النوم، وتفاقم في السلوكيات المرتبطة بالتوتر. وقد يصاحب ذلك أيضًا انحدار ملحوظ في المهارات المكتسبة مسبقًا، الأمر الذي يُفسر أحيانًا بشكل خاطئ على أنه “نكوص” أو تراجع في القدرات، في حين يكون في الواقع نتيجة مباشرة للاحتراق.
فسيولوجيًا، يُشير عدد من الدراسات إلى أن الاحتراق الوظيفي لدى الأفراد المشخصين بالتوحد يرتبط بفرط تنشيط مستمر في الجهاز العصبي الذاتي، وخاصة في محور HPA (hypothalamic–pituitary–adrenal axis)، وهو المسؤول عن تنظيم استجابة الجسم للتوتر. ومع فرط تنشيط هذا المحور، ترتفع مستويات الكورتيزول وتُضعف الاستجابات التكيفية طويلة المدى. هذا الوضع المزمن يرهق الجهاز العصبي، ويؤثر في مناطق دماغية مرتبطة بالتنظيم الانفعالي، مثل القشرة الأمامية الحزامية، واللوزة الدماغية، مما يزيد من حدة الاستجابات الانفعالية، ويقلل من القدرة على تحمل الضغوط.
في كثير من الحالات، لا يكون الاحتراق ناتجًا فقط عن الضغوط البيئية، بل أيضًا عن محاولات مستمرة لما يُعرف بـ”التمويه” (masking)، وهي الاستراتيجيات التي يتبناها بعض ذوي التوحد لإخفاء خصائصهم النمطية أو الاجتماعية بهدف الاندماج. التمويه قد يشمل إجبار الذات على التواصل البصري، كبت الحركات النمطية، أو تقليد تعبيرات الوجه والسلوكيات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه المحاولات قد تسهّل الانخراط مؤقتًا في المجتمع، إلا أنها تتطلب مجهودًا ذهنيًا هائلًا يُستهلك فيه جزء كبير من الطاقة المعرفية والعاطفية، مما يسرّع من الوصول إلى حالة الاحتراق.
تتفاقم هذه الإشكالية عندما تُغفل الجهات التعليمية أو الأسرية أو المهنية مظاهر الاحتراق، نتيجة نقص الوعي أو إرجاع التغيرات السلوكية إلى أسباب أخرى مثل “التمرد”، أو “الكسل”، أو حتى “تحدي السلطة”. هذا التأويل الخاطئ يعزز من التوتر، ويقلل من فرص التدخل المناسب. إن الوعي بأعراض الاحتراق لدى ذوي التوحد يتطلب قراءة دقيقة للتغيرات في السلوك، والإدراك بأن الصمت أو الانسحاب الاجتماعي ليس بالضرورة تجاهلًا، بل ربما إشارة إنذارية تعبّر عن وصول الفرد إلى الحد الأقصى من قدرته على التحمل.
من الناحية النمائية، قد يؤدي تكرار نوبات الاحتراق دون تدخل فعّال إلى إعاقة تطور المهارات الاجتماعية والتكيفية، بل وحتى التأثير على بناء الهوية الذاتية، خاصة في سن المراهقة. الأطفال والمراهقون المشخصون بالتوحد الذين يمرّون بحالات متكررة من الإرهاق العصبي قد يطورون أنماطًا من الانسحاب الطويل أو التجنب الاجتماعي أو القلق الاجتماعي المعقد، مما يزيد من احتمالية ظهور اضطرابات مصاحبة كالاكتئاب واضطرابات القلق المعمم.
من هنا، تأتي أهمية التدخل الوقائي والداعم، والذي لا يقتصر على التهدئة أو الراحة فحسب، بل يتضمن بناء بيئات حسّاسة لاحتياجات ذوي التوحد. التدخل السلوكي التطبيقي (ABA)، عندما يُستخدم بطريقة تراعي الفروق الفردية والخصوصية الحسية والمعرفية، يمكن أن يسهم في تنظيم المهارات وتخفيف الضغوط. إلا أن هذا النوع من التدخل يجب ألا يكون موجّهًا نحو “إزالة السلوكيات المزعجة” بقدر ما يكون داعمًا للوظائف التكيفية وتحقيق جودة الحياة. في المقابل، قد يكون التركيز الحصري على تعديل السلوك الخارجي دون النظر إلى السياق الداخلي للضغوط سببًا في تفاقم الاحتراق، وهو ما تؤكده بعض الانتقادات الموجهة لبعض تطبيقات ABA التقليدية.
الأسرة لها دور محوري في الوقاية من الاحتراق من خلال فهم مؤشرات التعب العصبي، وتقديم الدعم المرن، وتوفير أنشطة تساعد على إعادة التوازن الحسي والمعرفي، مثل فترات الراحة المنظمة، أو استخدام تقنيات التنظيم الذاتي، أو حتى السماح بممارسة السلوكيات النمطية عندما تكون غير ضارة. كما يُنصح بدمج استراتيجيات مستمدة من العلاج السلوكي الجدلي (DBT) أو العلاج القائم على اليقظة الذهنية، وهي أساليب أثبتت فعاليتها في تقليل التوتر وتحسين التنظيم الانفعالي لدى ذوي التوحد من فئة البالغين.
من الناحية التعليمية، يُعدّ تكييف المناهج، وتقليل التوقعات غير الواقعية، وتدريب المعلمين على اكتشاف علامات الإرهاق مبكرًا من الأمور الجوهرية. المدارس يمكن أن تكون إما بيئة داعمة تعزز من نمو الطلاب المشخصين بالتوحد أو بيئة ضاغطة تدفعهم نحو التراجع. لذلك فإن المرونة، واحترام الإيقاع الذاتي لكل فرد، وتبني ممارسات تعليمية تراعي التنوع العصبي، هي محاور أساسية للحد من ظاهرة الاحتراق.
أخيرًا، من المهم الاعتراف بأن الاحتراق الوظيفي لدى ذوي اضطراب طيف التوحد ليس خللًا داخليًا فيهم، بل استجابة طبيعية لضغوط بيئية ومجتمعية لا تراعي تنوعهم العصبي. تمكينهم من بيئات مرنة، داعمة، وفاهمة، يفتح الطريق ليس فقط لتقليل الاحتراق، بل أيضًا لتحقيق إمكاناتهم بشكل أفضل وتعزيز جودة حياتهم على المدى الطويل.
المراجع:
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
Bishop-Fitzpatrick, L., Minshew, N. J., Mazefsky, C. A., & Eack, S. M. (2017). Perception of life as stressful, not biological response to stress, is associated with greater social disability in adults with autism spectrum disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 47(1), 1–13. https://doi.org/10.1007/s10803-016-2910-6
Hirvikoski, T., & Blomqvist, M. (2015). High self-perceived stress and poor coping in intellectually able adults with autism spectrum disorder. Autism, 19(6), 752–757. https://doi.org/10.1177/1362361314543530
Taylor, J. L., & Mailick, M. R. (2014). A longitudinal examination of 10-year change in vocational and educational activities for adults with autism spectrum disorders. Developmental Psychology, 50(3), 699–708. https://doi.org/10.1037/a0034297
Weiss, J. A., & Lunsky, Y. (2010). Group cognitive behaviour therapy for adults with Asperger syndrome and anxiety or mood disorder: A case series. Clinical Psychology & Psychotherapy, 17(5), 438–446. https://doi.org/10.1002/cpp.723





