الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الاستحمام لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

 

إعداد: أ. شروق السبيعي

تم إعداد هذه المقالة بالاستناد إلى مبادئ تحليل السلوك التطبيقي (ABA) والخبرة العملية في مجال التدريب، وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي .

يُعد الاستحمام من الأنشطة اليومية الأساسية ، إلا أنه قد يشكل تحديًا حقيقيًا لبعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد . وعلى الرغم من أن كثيرًا من الناس قد يفسرون رفض الاطفال للاستحمام على أنه عناد أو عدم رغبة في التعاون ، فإن الأمر يكون في كثير من الأحيان أكثر تعقيدًا من ذلك .

فقد ترتبط صعوبة الاستحمام لدى بعض الأطفال بالمشكلات الحسية ، إذ قد يستجيب بعض الأطفال للمثيرات الحسية  أثناء الاستحمام بطريقة تختلف عن أقرانهم . فملامسة الماء للجلد ، أو اختلاف درجة حرارة الماء ، أو رائحة الصابون والشامبو ، أو صوت اندفاع الماء ، أو الإضاءة داخل الحمام ، قد تمثل واحدة أو أكثر من هذه المثيرات مصدرًا للانزعاج الحسي بالنسبة له ، مما يجعل تجربة الاستحمام مرهقة أو مثيرة للقلق .

ولا تقتصر الصعوبة دائمًا على الجانب الحسي ، فقد يواجه بعض الأطفال أيضًا صعوبة في الانتقال من نشاط إلى آخر ، أو يشعرون بالضيق عند تغيير الروتين اليومي ، وهو ما قد يزيد من مقاومتهم للاستحمام . كما قد تؤثر صعوبات التواصل أو القلق أو الحاجة إلى القدرة على توقع ما سيحدث في جعل هذه المهمة أكثر صعوبة .

ومن المهم إدراك أن سبب صعوبة الاستحمام تختلف من طفل إلى آخر ، لذلك فإن فهم السبب الحقيقي وراء رفض الأطفال للاستحمام يساعد على اختيار الاستراتيجيات المناسبة لدعمهم ، بدلًا من التعامل مع السلوك على أنه مجرد رفض أو عناد . 

كما قد تؤثر صعوبات التواصل واللغة لدى بعض الأطفال في قدرتهم على التعبير عن أسباب انزعاجهم أثناء الاستحمام ، فيظهر ذلك في صورة بكاء أو هروب أو صراخ ، رغم أن السلوك قد يكون ناتجًا في الأساس عن استجابة حسية مزعجة ، مثل ملمس الماء أو صوته أو درجة حرارته . 

 

كيف يمكن تحديد سبب صعوبة الاستحمام لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟

تبدأ الخطوة الأولى بتحديد المشكلة السلوكية بدقة ، إذ ينبغي وصف السلوك الذي يظهر أثناء الاستحمام بدلًا من الاكتفاء بالقول إن الطفل “يرفض الاستحمام” فقد يتمثل السلوك في رفض اتباع التعليمات ، أو البكاء ، أو الصراخ ، أو محاولة الهروب ، أو قد تظهر عدة سلوكيات متتالية خلال الموقف نفسه .

بعد تحديد السلوك، يُجرى التقييم الوظيفي للسلوك (Functional Behavior Assessment; FBA) وهو تقييم يهدف إلى تحديد السبب أو الوظيفة التي يؤديها السلوك ، مما يساعد على اختيار التدخل المناسب .

ويتضمن التقييم الوظيفي للسلوك نوعين من التقييم:

أولًا: التقييم المباشر باستخدام نموذج (ABC)  ، وهو أحد استراتيجيات تحليل السلوك التي تعتمد على تسجيل ما يحدث قبل السلوك (Antecedent) ، ووصف السلوك نفسه (Behavior) ، ثم تسجيل ما يحدث بعد السلوك (Consequence) . ويساعد ذلك في التعرف على العوامل التي قد تؤدي إلى ظهور السلوك أو تحافظ على استمراره .

ثانيًا: التقييم غير المباشر ، والذي يعتمد على جمع المعلومات من الوالدين أو مقدمي الرعاية أو المعلمين من خلال المقابلات أو الاستبيانات ، بهدف التعرف على الظروف التي يظهر فيها السلوك والعوامل المرتبطة به ، واستكمال المعلومات التي يتم الحصول عليها من الملاحظة المباشرة .

وبعد جمع هذه المعلومات ، يتم تحديد سبب السلوك ، والتي تكون غالبًا واحدة أو أكثر من الأسباب التالية:

  • الحصول على شيء مرغوب .
  • الحصول على الانتباه .
  • الهروب أو تجنب موقف أو مهمة .
  • الإشباع أو التخفيف الحسي (مثل تجنب ملمس الماء أو صوت الدش، أو البحث عن إحساس حسي معين) .

وبعد تحديد سبب السلوك ، يتم اختيار التدخل المناسب لمعالجة السبب الحقيقي له ، بدلًا من التركيز على إيقاف السلوك الظاهر فقط .

أهمية التهيئة قبل الاستحمام

تُعد التهيئة من أهم التدخلات القبلية التي تساعد الأطفال على الاستعداد للاستحمام ، وتسهم في تقليل القلق أو المقاومة التي قد تظهر قبل بدء هذا النشاط أو أثناءه . 

ويقصد بالتهيئة إعداد الأطفال مسبقًا لما سيحدث أثناء الاستحمام ، بحيث تصبح خطوات النشاط واضحة و متوقعة بالنسبة لهم . وتُعد هذه الخطوة ذات أهمية خاصة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ، إذ قد يواجه بعضهم صعوبة في الانتقال بين الأنشطة أو في التعامل مع المواقف غير المتوقعة .

ويمكن أن تشمل التهيئة عدة استراتيجيات ، منها:

  • إخبار الأطفال مسبقًا بموعد الاستحمام ، بدلًا من الطلب منهم بالاستحمام بشكل مفاجئ. 
  • استخدام الجداول أو التسلسل البصري لعرض خطوات الاستحمام بالصور ، مثل: خلع الملابس ، تشغيل الماء ، غسل الجسم ، غسل الشعر ، التجفيف ، ثم ارتداء الملابس.
  • استخدام العد التنازلي أو المؤقت البصري لمساعدة الأطفال على الاستعداد للانتقال إلى وقت الاستحمام .
  • السماح للأطفال بالمشاركة في بعض الاختيارات ، مثل اختيار لون المنشفة ، أو نوع الصابون المناسب ، أو اللعبة التي يمكن استخدامها أثناء الاستحمام ، مما يزيد من شعوره بالسيطرة ويقلل من مقاومته .
  • توفير بيئة هادئة قدر الإمكان ، من خلال تقليل الضوضاء ، وضبط درجة حرارة الماء ، وتجهيز جميع الأدوات قبل بدء الاستحمام حتى لا تحدث انقطاعات متكررة .

ومن المهم أن تكون التهيئة جزءًا ثابتًا من الروتين اليومي ، لأن تكرار الخطوات نفسها بالطريقة نفسها يساعد كثيرًا من الأطفال على توقع ما سيحدث ، ويقلل من القلق المرتبط بالاستحمام مع مرور الوقت . 

 

في الختام 

قد يمثل الاستحمام تحديًا حقيقيًا لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ، إلا أن هذه الصعوبة غالبًا ما تكون نتيجة عوامل حسية أو سلوكية أو انفعالية .

ويساعد تحديد السبب الحقيقي وراء صعوبة الاستحمام ، من خلال التقييم الوظيفي للسلوك والملاحظة الدقيقة ، على اختيار التدخلات المناسبة التي تلبي احتياجات الأطفال بدلًا من التركيز على إيقاف السلوك الظاهر فقط .

كما أن استخدام استراتيجيات مثل التهيئة المسبقة قد يسهم في جعل الاستحمام تجربة أكثر راحة وأقل توترًا للأطفال وأسرهم .

ومن المهم تذكر أن ما ينجح مع طفل قد لا ينجح مع آخر ، لذلك فإن فهم احتياجات كل طفل على حدة ، والتعامل معها بمرونة وصبر ، يعدان من أهم العوامل التي تساعد على تحسين تجربة الاستحمام وتعزيز استقلالية الأطفال في أنشطة الحياة اليومية .