الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التوحد واليوم العالمي للتوحد: منظور علمي مبتكر لفهم التنوع العصبي

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

يُعدّ التوحد أحد الاضطرابات النمائية العصبية التي تتميز بتنوع كبير في النمط السلوكي والمعرفي والاجتماعي لدى الأفراد المشخصين به، إذ تختلف الأعراض وشدتها بين مشخص وآخر، ما يجعل من الضروري النظر إليه كطيف متكامل (Autism Spectrum Disorder – ASD) بدلاً من تشخيص نمطي محدود. ومن المثير للانتباه أن الفهم التقليدي للتوحد يركز غالبًا على الصعوبات الاجتماعية والتواصلية، بينما أظهرت الدراسات الحديثة أن الأفراد المشخصين بالتوحد يمتلكون أيضًا قدرات معرفية واستثنائية في مجالات محددة، مثل الانتباه للتفاصيل الدقيقة، والقدرات الحسابية أو الموسيقية، ومهارات التركيز العميق على الاهتمامات الخاصة، وهو ما يُعرف بالـ “spiky profile” أو الملف الشخصي غير المتوازن.

اليوم العالمي للتوحد، الذي يُحتفل به في 2 أبريل من كل عام، لا يهدف فقط إلى رفع الوعي حول التوحد، بل يسلط الضوء على ضرورة إدماج الأفراد المشخصين بالتوحد في المجتمع بشكل شامل، مع التركيز على إمكاناتهم الفريدة. ما يميز هذا اليوم عالميًا هو التوجه نحو الاحتفاء بالتنوع العصبي وليس الاكتفاء بتقديم الدعم العلاجي أو التدخلات السلوكية التقليدية، إذ يتم حاليًا الترويج لمفهوم Neurodiversity الذي يشجع على فهم الدماغ البشري باعتباره متنوعًا طبيعيًا، يشمل اختلافات مثل التوحد وADHD وغيرها من الخصائص العصبية غير التقليدية.

أحد الجوانب الأقل شيوعًا والمعترف بها حديثًا هو أن التوحد لا يظهر بنفس الطريقة في كل البيئات الثقافية والاجتماعية. فقد أظهرت الأبحاث أن معايير التشخيص المبنية على المجتمعات الغربية قد لا تعكس بدقة سلوكيات التوحد في ثقافات أخرى، حيث يمكن أن يتم تفسير بعض السمات الاجتماعية على أنها “حشمة” أو “انطواء طبيعي” بدلًا من كونها مؤشرات للتوحد. هذا يدعو إلى ضرورة تطوير أدوات تشخيصية أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الثقافية والاجتماعية، إضافة إلى التركيز على الأداء الوظيفي الفعلي للأفراد بدلاً من الاعتماد فقط على الملاحظات السلوكية.

أما عن أنواع التوحد، فقد تطور التصنيف الحديث ليعكس الطيف الواسع بدلاً من التقسيمات الجامدة السابقة مثل التوحد الكلاسيكي، ومتلازمة أسبرجر، واضطراب النمو المتفرد. اليوم، يعتمد التشخيص على شدة الدعم المطلوب في مجال التواصل الاجتماعي والسلوكيات المتكررة، ويصنف عادة إلى ثلاث مستويات: المستوى الأول: يحتاج لدعم بسيط، المستوى الثاني: يحتاج لدعم متوسط، المستوى الثالث: يحتاج لدعم مكثف. هذا التصنيف العملي يساعد على تصميم تدخلات شخصية تتناسب مع احتياجات كل فرد، ويؤكد على أن التوحد ليس “مرضًا” بالمعنى التقليدي، بل نمط عصبي يحتاج لفهم ودعم ملائم.

هناك معلومات أقل شيوعًا حول التوحد تتعلق بالجوانب الحسية، إذ يعاني العديد من الأفراد المشخصين به من تحفيز زائد أو نقص في المعالجة الحسية، وليس مجرد حساسية للأصوات أو الألوان كما يعتقد كثيرون. فقد أظهرت الدراسات الحديثة وجود ارتباط بين التوحد وأنماط معالجة حركية وحسية مختلفة، بما في ذلك الإحساس باللمس، والتوازن، والتنسيق الحركي الدقيق، وهو ما يُفسر بعض التصرفات المتكررة أو الحاجة للروتين، ليس فقط لأسباب سلوكية بل كوسيلة لتنظيم التحفيز الحسي الداخلي.

جانب آخر مبتكر في فهم التوحد يتعلق بالدماغ نفسه. أظهرت الدراسات العصبية الحديثة أن المشخصين بالتوحد يمتلكون شبكة عصبية مختلفة في مناطق مثل القشرة الأمامية واللوزة الدماغية، مما ينعكس على معالجة المعلومات الاجتماعية والانفعالية. ومن غير المألوف أن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى وجود تحفيز زائد في بعض المسارات الحسية والمعرفية، مما يفسر قدراتهم الاستثنائية في التركيز على التفاصيل أو إتقان المهارات الفنية أو العلمية التي تتطلب انتباهًا عميقًا ومستمرًا.

التدخلات التقليدية للتوحد ركزت بشكل كبير على تعديل السلوك أو تحسين التواصل الاجتماعي، إلا أن الاتجاهات الحديثة تميل إلى تبني استراتيجيات تعزيز القدرات الطبيعية وتطوير المهارات الحسية والمعرفية، مع احترام النمط العصبي الخاص بكل فرد. ويشمل ذلك استخدام تقنيات اللعب الوظيفي، والعلاج بالأنشطة الإبداعية والفنية، والبرامج المعرفية القائمة على الاهتمامات الخاصة، وهو ما يزيد من دافعية الأطفال والمراهقين المشخصين بالتوحد ويعزز قدرتهم على التعلم والتفاعل الاجتماعي بطرق أكثر طبيعية ومتعة.

من الجدير بالذكر أن التوحد يظهر بشكل مختلف بين الذكور والإناث، وهو أمر لا يزال غير مفهوم بشكل كامل. فقد أظهرت الدراسات أن الإناث المشخصات بالتوحد غالبًا ما يُخفين أعراضهن بشكل أفضل من الذكور، ويقمن بمحاكاة السلوك الاجتماعي الطبيعي، مما يؤدي إلى تشخيص متأخر. هذا ما يجعل الاحتفال باليوم العالمي للتوحد فرصة للتأكيد على أهمية التشخيص المبكر والدقيق، مع مراعاة الاختلافات بين الجنسين وتأثيراتها على التقييم السلوكي والعلاجي.

أخيرًا، يمثل اليوم العالمي للتوحد منصة لتبادل المعرفة العلمية والممارسات السريرية المبتكرة، ولتشجيع المجتمع على رؤية التوحد ليس فقط من منظور التحديات، بل أيضًا من منظور الإمكانات الفريدة. إذ يُظهر التركيز على القدرات الخاصة والمواهب الفردية أن التوحد يمكن أن يكون مصدرًا للإبداع والابتكار إذا توفرت البيئة الداعمة والفهم الصحيح. ويؤكد هذا النهج على أهمية الشراكة بين الأهل، والمعلمين، والأخصائيين النفسيين، والمجتمع ككل، لضمان أن يكون الأفراد المشخصين بالتوحد قادرين على تحقيق إمكاناتهم الكاملة والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

المراجع (APA 7):

American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Publishing.

Baron-Cohen, S. (2020). The pattern seekers: How autism drives human invention. Basic Books.

Pellicano, E., & den Houting, J. (2022). Annual Research Review: Shifting from ‘normal science’ to neurodiversity in autism science. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 63(3), 296–312. https://doi.org/10.1111/jcpp.13534

Lai, M.-C., Lombardo, M. V., Auyeung, B., Chakrabarti, B., & Baron-Cohen, S. (2015). Sex/gender differences and autism: Setting the scene for future research. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 54(1), 11–24. https://doi.org/10.1016/j.jaac.2014.10.014

Robertson, S. M. (2010). Neurodiversity, quality of life, and autistic adults: Shifting research and professional focus. Developmental Neurorehabilitation, 13(2), 87–96. https://doi.org/10.3109/17518420903430020

Tomchek, S. D., & Koenig, K. P. (2016). Sensory processing in autism spectrum disorder: A review of neurophysiologic findings. Journal of Autism and Developmental Disorders, 46(11), 3555–3574. https://doi.org/10.1007/s10803-016-2870-0

World Health Organization. (2022). Autism spectrum disorders: Key facts. https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/autism-spectrum-disorders